تحتدم المنافسة بين العقائد بقدر ما تتشابه في الوسائل والغايات، من هنا جاء الشعور بالمنافسة بين الإسلام والديمقراطية الغربية من ناحية، وبينه وبين الشيوعية من ناحية أخرى؛ فالديمقراطية الغربية مذهب متكامل من النظرية والتطبيقات، اعترف بحقوق الإنسان، والاقتصاد الحر، وحقق إنجازات رائعة في ميدان التقدم، كذلك الشيوعية مذهب متكامل له فلسفته واقتصاده وأسلوب حكمه، وهو يطمح إلى الأممية في رحاب مساواة كاملة لا تفرق بين أبيض وأسمر وأسود وأصفر من البشر، وحقق كذلك إنجازات رائعة في ميدان التقدم، ويقف الإسلام بين الاثنتين مناضلًا ينفض عن جفنيه آثار نوم طويل عميق في ظلام الجمود والتأخر، ولا شك أنه يشعر بتأخره في مجالات الحضارة الحديثة؛ في العلم والتكنولوجيا والقوة المادية، ويشعر في الوقت نفسه بكبريائه التاريخي وتراثه المجيد، فيضاعف ذلك من أزمته ويدفعه إلى التفكير الدءوب لتعويض ما خسره، واسترداد ما فاته، ثم إلى تحقيق ذاته بما يتناسب مع رسالته.

ولعله لا يجد نفسه في تناقض حادٍّ مع الديمقراطية الغربية، أجَل إن نظامه الاقتصادي يختلف عن النظام الرأسمالي، ولكن الديمقراطية الغربية لا تنفي الدين، ويمكن ترجمة حريتها السياسية إلى مبدأ الشورى، أما جريمتها الكبرى — الاستعمار — فقد صفيت أو كادت، وأما الحساسية نحو تقليد الحضارة الغربية والدعوة للأصالة فليست على أي حال بالمشكلة التي تستحق امتشاق الحسام أو استعداء السلطات، كما هو الحال مع الشيوعية.

الشيوعية ذات خطورة لا يمكن تجاهلها، انتشرت في نصف الأرض، وهي تنتزع من أحضان الإسلام أفرادًا وجماعات، وهي تنتشر بما توفره للناس من عدالة ومساواة برغم فلسفتها المعروفة، وطريقتها في الحكم، فكيف يتصرف المسلم المسئول إزاء هذا الخطر؟ إنه لم يفعل حتى الآن إلا صب الاتهامات، واستعداء السلطات، أو الإسهام بقدر متواضع في مناقشات سطحية، ولو أن وسيلة من هذه الوسائل كانت مجدية حقًّا لما قامت للديمقراطية بناية، ولا نالت أمة استقلالًا، ولا انتصرت الحرية في أي مكان، ولا تحققت رسالة المسيحية والإسلام من قبل، ولا أظنني في حاجة إلى إقامة الدليل على أن الإرهاب والاتهام والسطحية وسائل فاشلة في مقاومة العقائد، وإنما تتوكد العقائد بجدارتها الذاتية وما تنفع به الناس.

ولنرجع إلى الوراء خطوات ولنسأل: لِمَ انتشر الإسلام يوم انتشر؟ حقق الإسلام للإنسانية مزايا لم تجتمع في مذهب واحد قبله أو في أيامه، فقد:

(١) وفر للفرد حرية كريمة وقداسة، فجعله خليفة الله في الأرض، وأمر الملائكة بالسجود له.

(٢) وفر للمجتمع عدالة اجتماعية شاملة، لا تحارب النشاط الفردي ولكنها تحارب الفقر والحاجة ولا تسمح بوجودهما في المجتمع الإسلامي.

(٣) أمر الإنسان بالعمل والتعمير وتحصيل العلم والحكمة.

(٤) احترم العقائد الأخرى، ففي رحابه عمل اليهودي والمسيحي جنبًا إلى جنب مع المسلم في حرية وكرامة ومساواة، إلى ما استجدَّ من مبادئ إنسانية في السلم والحرب والعلاقات الدولية، وما أريد التقصي أو التعريف الشامل، ولكني أريد أن أقرر أن الإسلام اعتُبر في عالمه في ذلك الوقت عقيدة متقدمة — أو تقدمية — في إنسانيتها عما كان يسود في البلاد المحكومة بفارس أو بيزنطة، وأنه في ذلك يكمن سر الترحيب به كما يكمن سر انتشاره فيما بعد. ولا معنى — في نظري — لأن الإسلام يصلح لكل زمان ومكان إلا أنه يستطيع دائمًا وأبدًا أن يحتل مقعد التقدم على غيره من المذاهب في أي زمان ومكان، وأنه يستطيع أن يستدرك بالاجتهاد ما فاته في عهد الانحطاط والظلمات، عليه أن يفحص ذاته في مقارنة موضوعية مع مذاهب الحكم والسياسة ليرى ما ينقصه، وما عليه إلا أن يستكمله ليظفر بالاقتناع الكامل في قلبي الرجل والمرأة المعاصرين، عليه أن يوفر للفرد من الحرية ما توفره الديمقراطية الغربية أو أكثر، عليه أن يوفر مناخ تسامح ومحبة للمخالفين له في الرأي أو العقيدة أفضل مما يتوفر لهم في كنف أي مذهب آخر. بذلك — وبذلك وحده — يصبح الإسلام فردوسًا لا يرضى أحد معتنقيه بالخروج منه لأي سبب من الأسباب، بل ويصبح مركز جذب للآخرين، أما صخب السباب، وافتعال التهم، واستعداء الشرطة، فوسائل عقيمة لم تُجْدِ قديمًا ولن تجدي اليوم أو غدًا. وإنه لعمل ضخم، يتطلب مؤمنين صادقين، علماء راسخين، مجتهدين غير هيابين، معاصرين مجددين، يُندَبُونَ في هذه الساعة الحاسمة لخدمة الدنيا والدين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.