يقال إن بوزارة الصحة وكالة وزارة للمرافق القَروية، وطالما سمعنا في خطب العرش وفي خطب الساسة المصريين وعودًا تُبذَل لأهلنا الفلاحين بتحسين قُراهم وعيشهم فيها؛ فمنذ عشر سنوات تحدثوا بأن الحكومة تريد أن يشرب الفلاحون ماءً نقيًّا، وذكروا أن إمداد مصر كلها بهذا الماء يكلفها خمسة عشر مليونًا من الجنيهات، ومنذ أكثر من عشر سنوات أقامت جريدة السياسة مسابقة لإنشاء بيت نموذجي للفلاح، وتمت المسابقة وأنشأت السياسة هذا البيت في المعرض الزراعي، ثم سمعنا أن الحكومة تريد أن تنشئ قرية نموذجية وأنها اختارت سمخراط لهذا الغرض، وإن لم نسمع أنها وضعت برنامجًا يُنفَّذ في عشر سنوات مثلًا لتكون قُرى مصر كلها على نظام هذه القرية النموذجية، وسمعنا أن الحكومة مدت نطاق التعليم الأوَّلي إلى حيث يتناول أكبر عدد ممكن، وأن مليونًا واحدًا من الجنيهات يُضاف إلى ميزانية هذا التعليم يُمكِّن الحكومة أن تعمِّمه وتعمِّم الإلزام به، وسمعنا غير هذا كله الشيء الكثير، لكنا لم نرَ إلا القليل من آثار هذا الذي سمعنا به، والذي ذكرتْه خطب العرش وخطب الساسة المصريين، وأنت إذا نزلت اليوم قرية مصرية لم تشعر بأي فرق يُذكر بين ما هي اليوم وما كان من عشر سنين أو من عشرين أو من ثلاثين سنة؛ فما تزال منازل الفلاحين كما كانت، وفكرة بيت الفلاح لم تُنتج أثرًا، والقرية النموذجية أمر لم يَعْدُ الكلام، والتعليم الإلزامي يسير مبطئًا في الواقع أضعاف ما نسمعه من وزارة المعارف، وحالة الفلاح الصحية توجب الأسف لبقاء أمراض البلهارسيا والإنكلستوما وغيرهما من الأمراض الأخرى التي تُضعفه منتشرة، وماء الشُّرب في الريف ما يزال كما كان لم تُعنَ الحكومة بأمره ولم تنفق عشرة ملايين من الجنيهات ولا من الملاليم في سبيله. أكتب ما سبق لمناسبة زورة في الريف في الأسبوع الماضي، وذلك بعد عودي من أوروبا ومروري بالريف الإنجليزي وبالريف في المجر، وأكتب ما سبق كاسر الطرف حياءً وخجلًا، فأهل الريف آباؤنا وأخوالنا وأبناء عمومتنا، ونحن هنا في القاهرة لا نكاد نمر بشارع ثم لا نجد مصلحة التنظيم تعمل فيه، وإن أثار الكثير من عملها الانتقادات الصحيحة حينًا، الخاطئة حينًا آخر، نشق شوارعَ يختلف عرضها بين الأربعين والثلاثين والعشرين مترًا، وتُرصف هذه الشوارع كلها بالأسفلت، وتُمد تحتها أنابيب الماء والنور والمجاري، وما يحدث بالقاهرة يحدث مثله بالإسكندرية، فإذا انتقلت إلى عواصم المديريات رأيت شيئًا مما يحدث بالقاهرة والإسكندرية يحدث بها، ولكن ما يحدث بها ضئيل جدًّا إلى جانب ما يحدث بالعاصمتين الكبيرتين. وإذا انتقلت من عواصم المديريات إلى عواصم المراكز، رأيت للتنظيم في طرقها بعض الأثر، ولكنه أثر ضئيل جدًّا يكاد ينحصر في المنطقة التي يقع فيها المركز والمحكمة والمدرسة — إن كانت بعاصمة المركز مدرسة. فإذا تركت عواصم المراكز إلى القرى لم تجد للتنظيم أثرًا مطلقًا، اللهم إلا في قرًى قليلةٍ معدودةٍ يرجع ذلك فيها إلى نشاط رجل من أهلها، أما الألوف الكثيرة من قرى الريف المصري فلا أثر للتنظيم في طرقها، ولا يعرف النور طرقها أثناء الليل، ودَعْكَ من الماء الصالح للشُّرب؛ فأمره مهمل لَمَّا تتناولْه الحكومة المصرية بعناية.

ليست المجر من البلاد ذات السبق في الحضارة الأوروبية، ولقد زرت ريفها وزرت بعض قُرَاها هذا العام، كما زرت بعض قراها الأخرى من عشر سنوات مضت، وفي هذا العام ومن عشر سنوات مضت لذعني إحساس مُمِضٌّ أن قارنت بين قريتنا والقرية المجرية؛ فالناس هناك يدركون بأن ساكن القرية كساكن العاصمة إنسان له كل حقوق الإنسان: يجب أن يتعلم، ويجب أن يتمتع بالصحة، ويجب أن ينال حظه من الحياة الإنسانية، كذلك كانت القرى وكانت المنازل هناك صورة، وإن مصغرة من طرق بودابست ومنازلها، تقابلك في هذه القرى ميادين عامة وبساتين في هذه الميادين، وهذه البساتين متاع لكل فرد من أهل القرية بلا تمييز بينهم. وفي القرى مدارس ومستشفيات ومبانٍ عامة يهذب النظر إليها ذوق الجمال في النفس، أما المدن التي تقابل عواصم المراكز عندنا ففيها من الجمال ما يقف النظر ويدعو إلى الإعجاب، وعواصم المديريات مُدت بها من المجاري ما بالعاصمة الكبرى، زرنا مدينة (إيجر) — وهي من أصغر المدن الكبيرة في المجر — فألفينا طرقًا بالغة في سعتها وفي حسن تنظيمها، وفي الأشجار والنباتات التي تزينها، حتى لقد اختلفت وبعض أصحابي المصريين حين قارنَّاها بشارع الهرم وبطريق مصر الجديدة أيهما أكثر جمالًا وأحسن نظامًا. هذا خلا ما بها من طرق كثيرة أخرى مرصوفة رصفًا حسنًا، وما بها من مبانٍ عامة تطمئن العين إلى حسن تناسقها وجمال الفن في عمارتها.

وإذا ذكرت ريف المجر ومدنها، فلا تَقِسْها إلى ريف فرنسا ومدنها، ولا إلى ريف إنجلترا ومدنها، فالريف الإنجليزي بديع حقًّا، والقرية الإنجليزية مضرب للمثل في رشاقتها وجمال منازلها، فيها من معاني الرُّقي الإنساني ما يدلك على أن الشعب الذي عرف الطبقات وتحدث — وما يزال يتحدث — عن اللوردات لم ينسَ أن الإنسان إنسان ويجب أن يتمتع بحقوق الإنسان متاعًا ماديًّا، فلا تكون هذه الحقوق ألفاظًا تقال ولا مدلول لها في الواقع. والقرية الفرنسية أنيقة رشيقة، وكذلك الشأن في كل بلد متحضر. مع ذلك ما يزال الناس في هذه البلاد يطالبون بأن يتناول الإصلاح الاجتماعي هذه الشئون ويعتبرونها متأخرة، ويقع الخلاف بين الأحزاب هناك على مبلغ ما تعمله هذه الحكومات لتقدمها، يذهب بعضها في ذلك مذهب الاشتراكية، ويقف الغير دون مداها، لكنهم جميعًا يسلمون بأن تفاوت الطبقات يجب أن لا يبلغ إلى حيث يُهدَر المعنى الإنساني في حياة طبقة من الطبقات، أو إلى حيث تُحرم طائفة من حقها في التعليم، وفي الصحة، وفي العمل، وفي الثقافة العامة.

كيف طاوعتنا أنفسنا على ترك القرية المصرية مهملة، ونحن نعلم أن مثل هذا الإهمال كثيرًا ما أدى إلى القلق النفساني، بل كثيرًا ما أدى إلى ثورات في البلاد المختلفة؟! أقول هذا بدل أن أسأل: كيف طاوعتنا أنفسنا على أن نهمل إخوانًا لنا في الإنسانية هم سكان القرى، وهؤلاء الإخوان هم آباؤنا وإخواننا وأهلونا وذوو قُربانا، وإنما اخترت الوضع الأول للسؤال لأنَّا تعودنا في هذه البلاد أن لا نستجيب إلى داعٍ غير داعي البأس والبطش؛ فهذه الطبقة من الموظفين تريد إنصافًا فتطالب به في رفق وأناة؛ إذنْ فلندعها حتى تيأس وتسكت، أو تيأس فتثور، وهذه الطائفة الأخرى من الموظفين تريد أكثر من الإنصاف ولكنها تهدد بالإضراب وبإثارة القلق؛ إذنْ فلنسارع إلى النظر في أمرها لعلها تمتنع عن الصياح وتقف دون تهديد بالإضراب والعنف قد تمتد عدواه إلى غيرها. هذا التفكير الذي ورثناه عن الحكام الأجانب والحكام الظالمين يُملي علينا أكثر تصرفاتنا، لهذا وضعت السؤال على النحو الذي قدَّمته. لماذا نهمل القرية المصرية ولا نخشى نتائج هذا الإهمال؟ والجواب على ذلك أنَّا مطمئنون إلى أن أهل القرى من ذوينا لم يفكروا بعد في الانتقاض بسبب ما هم فيه من سوء الحال، وهم يعانون سوء الحال بسبب جهلهم، فلْندعْهم في هذا الجهل ينعمون بطمأنينته، ذاكرين قول المتنبي: وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم. ولْنطمئنَّ إلى أنانيتنا، ولْنغدقْ من أموال الدولة ما شئنا على محاسيبنا وأنصارنا، ولْنصبحْ نحن أغنياء أثرياء، ولْنعملْ لِنحكمَ غيرنا من أبناء وطننا ونتحكم فيه، وحسبنا أن نقول إننا سنرقِّي حال الفلاح، وأن نَعِده أجمل الوعود، وأن ننشر أمامه معسول الأماني، وأن نغني له هذه الأناشيد ليظل في سكونه كما تغنِّي الأم لطفلها لينام.

هذا تصوير لما هو واقع في مصر لا شيء من المبالغة فيه، ولا أظن أحدًا نسي قول شيخ محترم في برلماننا المصري حين الحديث عن التعليم الإلزامي أنه غير ضروري، وإنْ أمَر الدستور به ونَص عليه، وإنَّا إن علَّمنا الفلاحين رغبوا عن العمل. دعك من فساد هذا القول وعدم صحته، لكنه يدل على أنَّا لا نفكر في إخواننا وبني وطننا على أنهم ناس لهم حقوق الإنسان — والتعليم في مقدمتها — بل على أنهم أدوات نستغلها لنعيش نحن عيش ترف ونعيم ننفق عرق جبينهم لرفاهيتنا، ولجمال المدينة التي نقيم فيها، ولا ننفق فيما وراء ذلك إلا بمقدار ما يمسك الناس فلا يثيرون القلق ولا يثورون.

أودُّ قبل أن أصف هذا التصوير أن أشير إلى ما فيه من قِصر النظر وسوء الرأي، فالإنسان يزداد في هذه الأيام صلة بالحياة وبالعالم بحكم الحياة الحديثة وما تم فيها. لم يبقَ فلاح لا يعرف الإذاعة، لا يعرف الطيارة، ولا يعرف من ألوان العيش في هذا العصر ما يصل إلى علمه من طريق المشاهدة وعن طريق السماع، وهو لذلك يقارن بين حاله وحال غيره من الناس الذين يملكون هذه الأدوات من متع العيش أو يستمتعون بها، ويقوم بهذه المقارنة ليقدِّر مدى ما بينه وبينهم من تفاوُت، ومن شأن هذه الحال النفسية أن تُشعره آخرَ الأمر بأنه مظلوم، وبأن حكومة بلاده لا تُنصفه ولا تقرِّب منه أسباب الحياة الإنسانية، فإذا هو لم يبلغ القلقُ من نفسه اليوم ما يثيرها، فسيكون ذلك شأنه غدًا أو بعد غد، وهل غير قِصر النظر وسوء الرأي وصف لِمَنْ لا يحتاط لأمر خطير قد يقع غدًا أو بعد غد؟!

والآن، فعلى أي شيء يدل تفكيرنا في الأمر على هذا النحو؟ لست أقصد مبلغ دلالته على أنانيتنا وعدم تفكيرنا في الخير لغيرنا، فأمر ذلك أوضح من أن يتساءل عنه إنسان، وإنما أقصد مبلغ دلالته على تدنِّي تفكيرنا إلى حيث لا نشعر بالمعاني الإنسانية الأوَّلية. إن من الأسس التي يقوم عليها الإسلام أنه: لا يَكمُل إيمان المرء حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، والحب والإخاء من أسس الدين المسيحي، والحضارة الحديثة لا تنكر الحب والإخاء وإن أقامت إلى جانبهما المنافسة والنضال، بله أن تقيم التضامن والتعاون. والأنانية فطرة حيوانية مبعثها الاحتفاظ بالذات. فأما الفكرة الإنسانية التي هذَّبت هذه الفطرة، فهي أن الجماعة الإنسانية وحدة كما أن الفرد وحدة، وأن الاحتفاظ بحياة هذه الجماعة قوامه الاحتفاظ بحياة أفرادها، وأن العناية بكل فرد شأنه شأن عناية الفرد بكل عضو من أعضاء جسمه، وإهمال سن من الأسنان أو أصبع من الأصابع قد يودي بحياة الجسم كله، وأن للأفراد إذنْ حقوقًا أساسية هي حقوق الإنسان، متاعهم بها واجب أوَّلي لخير الجماعة الإنسانية ولخيرهم أفرادًا، الذين يبلغون إلى إدراك هذه الفكرة البدائية في الحياة الإنسانية يُقدِّرون أن الإصلاح الاجتماعي ليس فضلًا تَمُنَّ به الجماعة على أهل الريف من الفلاحين أو على العمَّال من أهل المدن، وإنما هو ضرورة حيوية تزيد الجماعة إنسانية وتزيدها فضلًا، وتعود على كل فرد من الأفراد فيها بالخير الوفير.

إذا ارتقى المسئولون منا للتفكير على هذا النحو، أدركوا أن ساكن القرية يجب أن يُتاح له من المتاع بالحياة الإنسانية ما يُتاح لساكن المدينة ولساكن العاصمة. يجب أن تُشقَّ له الطرق وأن تُرصف لصحته ورفاهيته، ويجب أن تُغرس له البساتين العامة، ويجب أن تكون المكاتب العامة على مقربة منه، ويجب أن يُمكَّن من سماع الإذاعة اللاسلكية، ويجب إلى جانب ذلك — وكان واجبًا قبله — أن يتم تعليمه الإلزامي، وأن يُجلب له الماء الصالح للشُّرب، وأن تُمنع عنه أسباب المرض، وأن تُسهَّل له وسائل العلاج، وليس ذلك واجبًا لخيره هو وكفى، بل لخير الجماعة المصرية كلها حتى يكون أوفر إنتاجًا وأرقى ذوقًا وأكثر إقبالًا على الحياة عن طمأنينة ورِضًى. ذلك حقه كله وذلك حق الجماعة الإنسانية لخيرها ولحسن احتفاظها بالحياة.

أحسب هذا الكلام واضحًا بَيِّنًا، لكني مع ذلك في ريب من أن يقوم أولو الأمر بتنفيذه وإن اقتنعوا به، فحالهم النفسية ما تزال تحسبه فلسفة جميلة، لا كلامًا عمليًّا يجب أن يتحقق في الحياة، وهذا الريب هو الذي يحز في نفسي ويدعوني إلى مطالبة أهل القرى أن يُنبِّهوا الحكومة إلى واجبها إزاءهم وإزاء حقوقهم كما يفعل غيرهم من أهل الطوائف الأخرى، فلعلهم — إن فعلوا — يجدون من الحكومة أُذنًا أكثر إصغاءً؛ ويومئذٍ يتحقق من الخير لهذه الأمة ما فاتها إلى الوقت الحاضر، وما جعلها أمثولة لكل كاتب من أهل الغرب يجيء إليها ويتجول في قُراها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.