يقول بعضُ المفكِّرين إن أزمة المثقفين في العصر الحاضر هي أزمةُ رُوحٍ لا أزمة ثقافة، ويقول غيره إنهم قصَّروا في التجاوب مع المجتمع، كما يقول آخرون إنهم لم يُقصِّروا وإن النهضة القائمة الآن من ثمرات جهودهم، فهل توجد في الحقيقة أزمة مثقفين في الجيل الحاضر؟ وما مدى التطور الذي طرأ عليهم في الزمن الحديث؟

سعيد القصبي، البنك الأهلي المصري، أسيوط

هذه الأسطر هي خلاصة خطاب للسيد سعيد القصبي، أوجز فيه آراء الأساتذة حسين فوزي، وزكي نجيب، وإسماعيل مظهر، ولطفي الخولي وغيرهم من أصحاب الآراء.

وعندنا أن أزمة الجيل المثقف هي أزمة أبدية تتجدد في كل عصر؛ لأن الذي يُولَد في القرن الأول للميلاد، جديد في زمنه كالذي يُولَد في القرن العشرين، ولكن الفارق بعد هذا واقع ملموس بين جيل هذا العصر وأجيال العصور الماضية.

أولًا: لأن التغير العصري أسرع خُطًى وأبعد آثارًا من التغير فيما مضى من عصور التاريخ المعروف.وثانيًا: لأن المحيط العام على عهدنا الحاضر هو محيط الحياة العالمية، بل الحياة الإنسانية الواسعة المتقلبة، وهو محيط تتعدد فيه التيارات وتتعارض الوجهات، ويحتاج إلى قوة من قوى التمييز والحُكْم بين الأضداد لم تكن بالأجيال الماضية حاجة إليها، ولم تكن حاجتهم إلى ما يماثلها عاجلة مصحوبة بالأخطار التي تصحب كل تهاون يقع فيه المثقف الحديث.

إلا أننا نعتقد اعتقادًا جازمًا أن أكبر أزمة يتعرض لها المثقف الحديث هي أزمة الموازنة بين الحقوق والواجبات.

فالمثقف الحديث يفكر دائمًا فيما هو من حقه، وفيما يعتقد أنه من حقه ويندر أن يفكر فيما يجب عليه، وهذا هو مصدر الشكاية الكبرى من جانب المثقفين المعاصرين ومصدر الشكاية منهم في أكثر الأحوال.

لقد أفرط العالَم القديم في فرض الواجبات على الناس وعوَّد أبناءه أن يُسمعهم من طفولتهم بالواجب نحو الآباء، والواجب نحو الأسرة، والواجب نحو الدولة، والواجب نحو الجماعة، والواجبات الكثيرة نحو الدنيا والآخرة.

فلما بلغ هذا الإفراط غاية شوطه وصلنا إلى رد الفعل واندفعنا فيه حتى كدنا أن نبلغ به الآن غاية الشوط من الطرف الآخر.

فالناس لا يسمعون بعد القرن السابع عشر بشيء غير الحقوق، والمطالبة بالحقوق، والمناقشة في الحقوق من كل نوع وعلى كل لسان.

سمعوا بحق الرعية ضد الرعاة، وحق المرأة ضد الرجل، وحق الناشئين ضد الراشدين المرشدين، وحق العاملين ضد أصحاب الأعمال، وحق المثقفين ضد المجتمع أو على المجتمع… ولا شيء غير الحقوق والأحقاق والتحقيق، وسائر ما يُشقَّق ويتولَّد من هذه الحاء والقاف.

لكن أين هذه الواجبات؟

… ماذا تقول؟! أتراك تتحدث عن الواجبات؟! … عجيب والله هذا من الرجل العصري الذي ينكر الرجعية والجمود. وهل بقي في الدنيا شيء يُسمَّى الواجبات؟! وهل يصح أن يطلبها الإنسان من نفسه إذا سكت عنها المطالبون وأعرض عنها السائلون والمسئولون؟!

تلك هي المشكلة الكبرى…

تلك هي علة الشكاية التي نسمعها ألف مرة قبل أن نسمع مرة واحدة عن الرضا أو المقدرة.

وعندنا أن طلسم «افتح يا سمسم» في العصر الحاضر هو أن تسأل كل شاكٍ عن الواجبات التي ينهض بها كلما انطلق بالشكوى من ضياع الحقوق؛ لأنه سيضطر لا محالة إلى اثنتين: إما الإقلال من شكاياته ودعاواه، وإما الاعتقاد بأنه يطلب الحقوق ولا يطالب بالواجبات، وهو ضرب من الأنانية العمياء يخجل منها كل مدَّعٍ في كل زمان.

أيها الشاكي من المجتمع، ماذا صنعت أنت للمجتمع؟

أيها الشاكي من الثمن الذي تبذله، ما قولك أنت في الثمن الذي تتقاضاه؟

أيها الشاكي من القادرين عليك، ماذا صنعتَ أنت بالذين قدرتَ عليهم أو الذين تقدر على منفعتهم ولو كانوا قادرين على ما ينفعك في كل شيء عداه؟

أيها المطالب بالحق، ماذا فعلتَ بالواجب المطلوب منك أمام نفسك وأمام أقرب الناس إليك؟ ودَعْ عنك الواجبات من الطالب البعيد، والطالب المجهول، والطالب الذي لا يزال في عالم الغيب.

كلمة واحدة هي كلمة «الواجب» تحل نصف المشكلات التي يعانيها الجيل المثقف الحديث ويعانيها كل صاحب شكاية حيث كان، فإذا كان «المثقف الحديث» لا يَقْنَع بزوال نِصْف المشكلات أو نصف الشكايات فهو مدَّعٍ طماع، يستحق أن يَضِيع عليه ما يدَّعيه من حقوق.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.