إذا أمسكنا اليوم بالقلم، وكتبنا عن السيدة ميليا ديان، فنحن نكتب في الحقيقة عن ثلاثة أمور:

الأمر الأول: عن أكبر تراجيدية مصرية، وميليا ديان وهبها الله وجهًا إغريقيًّا جميلًا يمازج جماله الألم، وجبهة ناصعة تقرأ فيها آيات الجلال والحزن، وعينين واسعتين ينبعث منهما بريق الآلام وعزة النفس وجسمًا ممتلئ الإهاب، وصوتًا قادرًا حنونًا يخالطه الحنان والتلهف، ومشية هادئة ساكنة ترى فيها الكمال تحف به الحسرات. وما الجمال يمازجه الألم والجلال يخالطه الحزن، والكمال تحف به الحسرات إلا رمز التراجيدي القديمة. فميليا هي التراجيدي، والتراجيدي هي ميليا ديان.

الأمر الثاني: نكتب فيه عن الممثلة التي ألقى بها الزمن والظروف في أحضان جوق لم يحسن تعليمها، فمشت على آثاره عهدًا طويلًا جِدًّا وهي لا تمثل غير الروايات التلحينية التي تقتل مواهب الممثل، اللهم إلا بعض روايات قليلة العدد ﮐ «هملت» و«القضية المشهورة» و«اليتيمتين» و«ابن الشعب»، و«نتيجة الرسائل»، ظهرت فيها مواهب ممثلتنا الكبيرة كالشمس في رابعة النهار. بيد أنها كانت في كل رواية تمثلها هي هي ميليا ديان؛ عروس المسرح العربي، صاحبة الصوت الحنون والنظرات التي تلقي الهيبة في القلوب، والعواطف الفياضة التي لم نعهدها في ممثلة أخرى.

الأمر الثالث: نكتب فيه عن الممثلة التي ألقت منذ انضمامها لرشدي ذلك الثوب الرث؛ ثوب المذهب القديم، وارتدت رداء الفن الصحيح، ووقفت على المسرح تمثل نخب الروايات الفنية. غير أننا نقول — ورائدنا العدل والإنصاف: «إن الجوق الذي تمثل فيه السيدة لم يحسن إرشادها، ولم يهتدِ بعد لأن يهدي لها الأدوار التي توافق طبيعتها.»

(١) مميزاتها

ميليا ديان أكثر الممثلات صلاحية للمسرح المصري، فقد وهبتها الطبيعة في جسمها وصورتها ونظراتها ما لم تهبه لممثلة أخرى؛ فإذا خطرت على المسرح يتولى الجمهورَ السكون، وإذا تكلمت هزت أوتار القلوب، وإذا نظرت مضى لحظها إلى صميم القلب، وأثار فيه الرأفة والحنان. فما أجملها في المواقف المؤثرة إذا صرخت تستغيث أو بكت تسترحم! وما أجملها أيضًا في مواقف الكبرياء وعزة النفس والصبر على الضيم، أو مواقف الحب والهيام!

(٢) عيوبها

أول عيوب السيدة ميليا ديان: إلقاؤها، فهي ما زالت تسير على آثار المذهب القديم، وأولى بصديقنا رشدي أن يرشدها لتحسين إلقائها، فحرام ألا تحسن الإلقاء تلك التي وهبها الله ذلك الصوت العذب. وثاني عيوبها: إخراجها أغلب أدوارها على طريقة واحدة، وهذا لاعتيادها تمثيل أدوار الحب مدة طويلة، وجميع ممثلاتنا تقريبًا نعيب عليهن ذلك، ونلفت أنظار المديرين لإصلاح هذا العيب. وثالث عيوبها: حياؤها، وقد دفعها هذا الحياء كثيرًا لأن تخلَّ بفروض الفن أحيانًا؛ إذ لم ترضَ مثلًا أن تقف على المسرح في رواية «البدوية» وهي عارية الأقدام.

(٣) النوع الذي تصلح له

قلنا: إن ميليا هي التراجيدي؛ وينتج عن ذلك أنها تصلح أيضًا للدرام والكوميدي دراماتيك، بل هي خير من يصلح لهذه الأنواع الثلاثة. أما الكوميدي دراماتيك العصرية الهادئة أو المضحكة فليس لممثلتنا الكبيرة مجال واسع فيهما، ولا تؤاخذ السيدة على ذلك العجز، وكثير من الممثلات الشهيرات في أوروبا كسارة برنارد وسيكوندفيبير وبارتيه يتنحين عن هذين النوعين، ولا يمثلن غير الأنواع التي تظهر فيها مواهبهن. غير أننا نلفت نظر صديقنا رشدي ألا يعطي السيدة غير الأدوار التي توافقها في التراجيدي والدرام والكوميدي دراماتيك.

(٤) مجهودها التمثيلي

ينقسم مجهود ميليا ديان إلى أربعة أقسام؛ القسم الأول: قسم الروايات القديمة. والقسم الثاني: قسم الروايات الجديدة. والقسم الثالث: قسم عودتها للمسرح بعد غيبتها الطويلة. والقسم الرابع انضمامها لصديقنا رشدي.

القسم الأول

احترفت السيدة ميليا التمثيل العربي في جوق إسكندر أفندي فرح، ومثلت في بادئ أمرها الأدوار الصغيرة شأن كل ممثلة جديدة، ثم قامت بتمثيل الأدوار الكبيرة بعد اعتزال السيدة لبيبة مللي التمثيل العربي، فكانت على المسرح في ذلك العهد قرة العين ومسكة النفس ومنة الأمل. ظهرت للناس مواهبها الطبيعية تتجلى على المسرح، فصفق الجمهور وطاب خاطره، وأيقن أن الفراغ الذي تركته لبيبة ستملؤه ميليا، بل لم يلبث أن رأى ممثلتنا الكبيرة تبز نظيرتها لبيبة. ورسخ بذلك قدمها على المسرح، وبعد شأوها في عالم التمثيل، وسميت منذ ذلك العهد باسم كبيرة الممثلات. بيد أن الروايات التي كانت تمثل في ذلك العهد لم تكن لها قيمة فنية، وكانت السيدة لا تمثل غير أدوار الحب والهيام، ولم يكن لها من بين الممثلين من يرشدها ويعلمها مواقف التمثيل وأسراره، فأخرجت جميع الأدوار على طريقة واحدة، تلك الطريقة التي أرشدها إليها مجهودها الطبيعي، ولم يكن في وسع الجمهور تقدير التمثيل الصحيح، فاكتفى بمواهب السيدة الطبيعية التي كانت تبز بها جميع الممثلات. بيد أنها ظهرت في «هملت» بمظهر آخر، وقامت بتمثيل دور الجنون خير قيام، ثم مثلت دور ضياء في «غانية الأندلس» بشكل جديد أثبتت للناقد الفني في ذلك الوقت أنها قادرة على النبوغ لو وجدت من يرشدها للصراط. ثم أتقنت دورها في «السيد» وفي «البرج الهائل» إتقانًا هائلًا، وكفاها فخرًا أنها أتقنت هذه الأدوار الأربعة إتقانًا تحسدها عليه كل ممثلة من ممثلات العصر القديم أو الجديد، مع أن السيدة ميليا أخرجت هذه الأدوار في وقت يصح أن نسميه وقت ظلام التمثيل. أما جميع أدوارها الأخرى فقد مثلتها على طريقة واحدة، فهي هي في «تليماك» و«شهداء الغرام» و«غرام المحبين» … إلخ، وليس العيب عيبها في ذلك؛ إذ كانت جميع هذه الأدوار لا تحتاج للدرس والإجهاد.

القسم الثاني

ثم افترق المرحوم الشيخ سلامة حجازي عن المرحوم إسكندر أفندي فرح، وانتقل بالجوق إلى مسرح الأزبكية، ثم إلى مسرح دار التمثيل العربي، وفيه حظي الجمهور بالجوق ورئيسه حظوة البلد القفر بصائب القطر، بيد أن الجوق مكث عهدًا طويلًا لا يمثل رواياته القديمة. ثم أخرج للناس رواية «ابن الشعب»، ومثلت فيها السيدة ميليا دور الزوجة المضطهدة، ونالت فيه شهرة كبيرة، بل هو من أدوارها المعدودة التي يحق لها ولمن يحب التمثيل الافتخار بها. ثم أخرج الجوق رواية «تسبا»، ومثلت ميليا دور امرأة الحاكم، ومشت فيه على آثار أدوارها القديمة، وكان الأجدر بها أن تمثل دور تسبا، ولا أدري لماذا لم تمثله؟! ثم أخرج الجوق رواية «الجرم الخفي»، وأتقنت السيدة دورها، غير أنها لم تبلغ فيه الغاية القصوى، ثم أخرج الجوق رواية «اليتيمتين»، ومثلت فيها السيدة ميليا دور الفتاة الفقيرة أخت الفتاة العمياء وأحسنت التمثيل. ثم أخرج الجوق رواية «عواطف البنين» وبلغت ميليا في دور الزوجة البريئة المجرمة شأوًا كبيرًا. ثم أخرج الجوق رواية «نتيجة الرسائل»، وأتقنت السيدة ميليا دورها اتقانًا كبيرًا، وما أجملها في الموقف الذي سرق فيه زوجها ولدها وأعطاه للرجل المتشرد، ثم أصيب الشيخ بالشلل. ومكثت السيدة شهورًا عدة وهي بعيدة عن المسرح، ثم انضمت لشركة التمثيل العربي في تياترو عبد العزيز، ولم تخرج غير رواية «شهداء الوطنية»، وأجادت ميليا تمثيل دورها. ثم انتقلوا جميعًا إلى دار التمثيل العربي، وهناك تحولت الشركة إلى جوق يحمل اسم الشيخ، وابتدأت في إعادة روايات إسكندر فرح التي كان يناضل بها الشيخ بعد افتراقه عنه، وكانت هذه الروايات فألًا حسنًا للسيدة ميليا، وقامت فيها بأدوار عصرية كثيرة أثبتت فيها للجمهور قدرتها واستعدادها الكبير لتمثيل الأدوار الدرامية أو التراجيدية التي لم نرها فيها بعد. مثلت السيدة دور الفتاة الخادمة التي أصبحت فيما بعد مومسًا في رواية «عبرة الأبكار» وأتقنت الدور، ثم مثلت دور جان في «ماري تيودور»، ومشت فيه على آثار أدوارها القديمة، وكان الأجدر بها تمثيل دور الملكة، وهي التي إذا مثلت ظهرت الكبرياء والأنفة وعزة النفس في تمثيلها، وهل نسيت نجاحها في «البرج الهائل» لتترك دور ماري تيودور وتمثل دور جان؟! ودور جان لا أهمية له بجانب دور ماري. مثلت في رواية جديدة أخرجها الجوق وهي رواية «القضية المشهورة» دور الفتاة وأجادته إجادة كبيرة، ثم افترق آل عكاشة عن الشيخ، ومكثت السيدة تمثل مع الشيخ مدة من الزمن، ثم اعتزلت التمثيل.

القسم الثالث

ثم عادت السيدة ميليا للتمثيل بعد غيبتها الطويلة، وانضمت لجوق الشيخ بعد افتراقه عن أبيض، فكان الجوق بها أكثر اعتضادًا وأقوى فؤادًا، وكانت هي بانضمامها للشيخ مثال الوفاء والولاء، ولكن الفن كان يتقطع حسرات بهذا الانضمام، وميليا من ذخائر الفن في مصر، فكيف يراها تنصرف عنه وتقف تحت لواء جوق نار اليأس وراءه موقدة وأبواب الرجاء دونه موصدة؟!

مثلت السيدة بجانب الشيخ، وكانت عودتها للمسرح حديث الناس في كل مكان، وكيف لا يتحدث الناس عن عودة السيدة ميليا للتمثيل، وميليا من زهور الفن إن لم تكن أينع زهرة جاد بها الزمان. وأخرج الجوق من الروايات الجديدة رواية «ابنة الإخشيد»، ومثلت فيها ميليا لأول وآخر مرة في حياتها دور رجل فلم تُجِده، ثم أخرج الجوق رواية «العذراء المفتونة»، ومثلت فيها دور الزوجة، ونبغت نبوغًا يحسدها عليه جميع الممثلات. ثم مثل الجوق رواية «قسوة الشرائع»، ومثلت فيها ميليا دور تلك العذراء الصغيرة، فلم تُجِده، وكان الدور من الأدوار التي لا توافق طبيعتها. ثم توفي الشيخ وأقسم جوقه على قبره أن يوالي التمثيل تحت اسمه، وأخرجوا رواية «المجرم البريء»، ومثلت فيها ميليا دورًا مشت فيه على آثار أدوارها القديمة، ثم اندثر الجوق، وباندثاره ينتهي القسم الثالث من حياتها التمثيلية.

القسم الرابع

ثم عادت السيدة ميليا ديان للتمثيل، ووقفت على المسرح بجانب ممثلنا الكبير عبد الرحمن رشدي، وكان لهذه العودة دوي هائل في عالم التمثيل، وتحدث الناس عن المستقبل الجديد الذي تخبئه الأيام، وظل الناس يقولون: لقد عادت كبيرة الممثلات، وانضمت لجوق فني لا يخرج غير الروايات القيمة، فاليوم يلبس التمثيل جمال شبابه، واليوم نسمع صوتها القادر يلقي علينا نخب مؤلفات الروائيين، فحيا الله تلك الهمة القعساء، ومرحى لهذه النهضة المباركة! ثم ظهرت السيدة ميليا على المسرح، ومثلت دور فردناند في «العرائس» وأتقنت التمثيل، بيد أنها لم تصل في هذا الدور إلى درجة كبيرة من الإتقان. وظلت لا تمثل غير هذه الروايات إلى أن مثل الجوق في الأوبرا مخرجًا رواية «جاكلين»، وبلغت ميليا في الفصل الأول من الرواية ما لم تبلغه ممثلة أخرى، فقد هزت أعصاب الجمهور فصفق لها في منتصف الفصل تصفيقًا استمر خمس دقائق، وفي الفصل الثاني أجادت تمثيل دور المومس، بيد أنه كان ينقصها بعض الأشياء، ولكنها برهنت على قدرتها لخلق الأدوار إذا وجدت من يرشدها لذلك، وكانت في الفصول الأخيرة مثال الإجادة والإتقان. ثم مثلت دور الزوجة في «الشعلة» وأتقنته، ولكنها أخرجته سائرة فيه على آثار أدوارها القديمة، وهذا لسرعة تحضير الرواية، وكان الأولى بالجوق أن يعتني بإخراجها حتى تكون خالية من الهنات والنقائص. ثم مثلت في «طريد الأسرة» دورًا أتقنته، ولكنه لم يكن من الأدوار التي توافقها، وفعلت في دورها في «الرداء الأحمر» ما فعلته في دورها في «الشعلة»، والنقص في الدورين عائد لسرعة تحضير الروايتين. ثم مثلت دور توسكا، وأتقنته إتقانًا كبيرًا، بل بلغت في الفصل الثاني الغاية التي تحسدها عليها كل ممثلة قادرة. ومثلت في «الشمس المشرقة» دورًا صغيرًا كان خيرًا لها ألا تمثله. ثم مثلت دور «البدوية»، ولكنها مشت فيه على آثار أدوارها القديمة. ثم أعادت تمثيل دورها في «عواطف البنين» والدور من أدوارها الشهيرة.

(٥) الأمل الكبير

هذا ما نكتبه عن حياة السيدة ميليا التمثيلية، وليس لنا أن نكتب بعد ذلك إلا عن أمر واحد، وهو أملنا الكبير في المستقبل. لقد انضمت السيدة إلى جوق فني، ولكن الجوق ظلمها ولم يخرج للجمهور رواية تثير فيها المواهب الكامنة في طبيعة ممثلتنا الكبيرة. إلى الآن لم يعهد إليها بدور تراجيدي، ونحن نأمل من صميم أفئدتنا أن يفعل الجوق ذلك في المستقبل، وقد سمعنا بتحضيره رواية «نيرون» تأليف صديقنا الأستاذ لطفي جمعة، و«هملت» تعريبه أيضًا، وفي هذا ما يبشرنا بتحقيق هذا الأمل. نريد أن نسمع صوت ميليا في دور كدور بولين برواية «بوليوكت» لكورنيل وهي تئن وتصرخ بعد أن تسدل شعورها وتخرج على المسرح وهي ناقمة على أبيها لقتله زوجها. نريد أن نراها في ذلك الموقف، وهي خير من يحسن تمثيله من الممثلات، بل نريد أن نراها تمثل دور العجوز العمياء في رواية «اندحار روما»، وهي واقفة تسترحم الرومانيين في ذلك المنولوج الطويل الذي ما زالت تهز به سيكوندفيبير — بعد سارة برنارد — أعصاب الفرنسيين في قاعة الكوميدي فرانسيز. نريد أن نراها في دور كاميل في رواية «هوارس» وهي تسب بلدها وتصب اللعنات على أهلها أمام أخيها. أجل نريد أن نراها في هذا الدور، وميليا لم تخلق إلا لمثل هذه الأدوار. بل نريد أن نراها في رواية «برنيس» لراسين، وهي تمثل دور الملكة البائسة التي نال منها اليأس ما لم ينله من امرأة أخرى؛ لفقدها ذلك الحبيب الذي فضل تاج مملكته على قلب حبيبته. نريد أن نراها في رواية «أندروماك» لراسين، تمثل دور الأم. نريد أن نراها في دور ماريون دي لورم لفكتور هيجو، وفي دور حبيبة هرناني. نريد أن نراها في ليدي مكبث، وفي جو كاست وفي زوجة الكولونيل إيلن. نريد أن نراها في كل هذه الأدوار التي تمثلها في فرنسا سارة برنارد وسيكوندفيبير وبارتيه ودليفيبر وسوزان ديبوبس، تلك الأدوار التي تستلزم تلك المواهب الطبيعية التي لم تَجُدْ بها الطبيعة لممثلة في مصر غير ميليا ديان. هذا ما نرجوه، بل هذا ما نلتهب شوقًا لرؤيته. نحن جميعًا نوجه هذا الرجاء لممثلنا القادر صديقنا عبد الرحمن رشدي، وعبد الرحمن أكبر الممثلين غيرة على الفن، وسوف يقبل منا هذا الرجاء ويحقق به ذلك الأمل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.