مشكلاتنا المتحدية من نوع يمكن أن نُسمِّيه بمشكلات الولادة … فالقوانينُ التي تُثقِل تقدُّمَنا الديمقراطيَّ، وعَجْزُنا عن توفير الغذاء والمأوى للسكان، وما يُهدِّد شبابنا من ضَعْف التعليم والتربية، وإيجاد فُرَص العمل المبدع والأجر الكافي، وتلوُّث أجوائنا، وقذارة مدننا، وفساد الإدارة والذمم، وعدم سيادة القانون، ووهَن الانتماء؛ كلُّ أولئك وغيره أعراضٌ لمرض ولادة غير سليمة، ولادتنا من العَدَم أو ما يشبهه إلى الوجود، مجرد الوجود.

أما مشكلتنا الأساسية فهي مشكلة حضارية، هي التخلف عن العصر في جُمْلة نواحيه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، هذا التخلف الذي يقضي علينا بأنْ نَكُون تابعين للأمم المتطورة في كلِّ شيء من اللقمة وحتى الذوق برغم خصوصيته. دائمًا يرعبنا القهر والجوع، ويَرِين علينا الهوان والاغتراب! ولعله يلزمنا أول ما يلزمنا أن نشعر شعورًا عميقًا بمأساتنا، شعورًا يجب أن يُؤرِّق ضمائرنا، ويُتعِس وجداننا، وينفذ بالأمة إلى نخاع عظامنا. وعلى ذلك الشعور أن ينتشر فلا يُعفي من آثاره كبيرًا أو صغيرًا، رجلًا أو امرأة؛ حتى نأمل في ثورة على الواقع والوثوب إلى تغييره بكل ما نملك من إرادة وعقل، ورغبة في الحياة السامية. لا يهم الوقت الذي ينقضي لنبلغ ما نريد، ولا طُول الطريق التي علينا أن نطويها، المهم أن نُعايِش النضال، والعمل ساعة بعد أخرى ويومًا بعد يوم. ومهما يكن من أمرٍ، فالإنسان المناضل أفضل من المستسلم اليائس، والعامل خير من فاقد الوعي.

علينا أن نمتلئ بالوعي، وأن نتشرب طاقة العمل، وأن نتحرر من الأنظمة المكبِّلة للعقول والأرواح، وأن نتحدَّى الزمن الذي سقطنا في قعره نتيجةً للسهو أو الخمول، وليكن في علمنا أننا إذا لم ننطلق بقوة ونتحرر من السهو أو الخمول، وإذا لم ننطلق بقوة من داخلنا فلن يمدَّ لنا أحدٌ يَدَه، وإذا لم ندفع الموت بهمتنا فلن يبكِيَنا إنسان، ولن ننال في النهاية إلا ما نستحق. وما القَدَر — في كثير من أحواله — إلا المصير الذي نكتبه بأيدينا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.