علاقات عدة تربطنا نحن شعوب الشرق الأدنى ببلاد اليونان، ومن تلك العلاقات ما هو احتلال سلمي، ومنها ما هو تعاون تجاري، ومنها ما هو فائدة علمية وفنية، ومنها ما هو إغارات حربية كنا فيها مرة غازين، ومرة مغزوِّين، بَيْدَ أنَّ الفروق تتوالى، وآثار الانتصار والاندحار تتحول وتتطور، وتنفذ آثار الحياة وتتجلى أغراضها، فإذا بكل هاتيك العوامل وقد أصبحت تاريخًا للفريقين غنيًّا، وأقدم تلك العلاقات جاءت عن طريق الفينيقيين الذين يسمونهم اليوم «إنجليز العالم العربي».

وهم الذين سيَّروا سفنهم في البحار، وشادوا هناك وهنالك المدائن والمستعمرات، وأشركوا الشعوب القائمة على شواطئ البحر المتوسط في فنون الملاحة والتجارة والصناعة، وأذاعوا بينهم الأبجدية القديمة التي تولدت منها أكثر أبجديات ذلك العهد، فكان أثرهم في بلاد اليونان محسوسًا، وحملت الحضارة الإغريقية الأولى طابعًا فينيقيًّا جليًّا.

والعلاقة الثانية متأتية عن قدوم نفر من كبار علماء اليونان وفلاسفتهم إلى مصر ليتخرجوا من مدارس هليوبوليس وممفيس وطيبة، وأشهرهم فيثاغورس وصولون وهيرودتس وأفلاطون الذي لبث في مدرسة هليوبوليس القديمة مع صديقه بودكسس ١٣ عامًا، فلا شك أنْ كان لمصر أثر يُذكَر في ما أخرجه أولئك الأفذاذ لبلادهم وللعالم من فلسفة وحكمة وعلم وتشريع وآداب.

ثم كانت وثبة الإسكندر، فبعد أنْ أخضع جميع بلاد اليونان لشوكة مكدونيا جاز بجيوشه اليلسبون (مضيق الدردنيل)، وفتح بلادًا عدة منها سوريا ومصر، وشاد مدينة الإسكندرية حيث قام عرش البطالسة مدة ثلاثة قرون، وظلت الإسكندرية إلى ما بعد القرن الرابع للميلاد وسطًا شرقيًّا عظيمًا، تلخصت فيه حضارة اليونان وثقافتهم، وازدهرت في ربوعه حكمتهم وفلسفتهم وآدابهم على مرِّ العصور، والشعوب بحار يغور فيها موج ليتعالى موج، فخضعت بلاد اليونان لمملكة الشرق وتوالت عليها الغارات من أقوام مختلفين، حتى استولى عليها الأتراك في القرن الخامس عشر وظلت في قبضتهم شأن غيرها من جاراتها البلقانيات، إلى أنْ ثارت ثورتها الأولى سنة ١٨٢١ واشتبكت معهم في حروب بقيت أعوامًا، ولم يُعترَف باستقلالها إلَّا في مؤتمر لندن سنة ١٨٣٠.

***

ورغم أنَّ لورد بيرون الشاعر الإنجليزي توفي في ميسولونجي سنة ١٨٢٤، أيْ قبل إعلان استقلال اليونان بستة أعوام، فإن ذكره يمتزج بهذا التاريخ ويتجلى عليه اسمه بأحرف من اللهيب والنور. لم ينتصر لورد بيرون لبلاد اليونان بدافع سياسي، فإنه كان على عداء مع قومه وجماعته الأرستقراطية وأهله، حتى مع زوجته، وقد أعلن عن ذلك التجافي في غير قصيدة من قصائده الثائرة المستعرة العصية، فقال فيما قال:

ما أحببت العالم ولا العالم أحبني؛ لأني لم أَسْعَ إلى تملُّق مراتبه العالية، ولم أطور كتبي أمام عظمائه … ولا أنا تحركَتْ عضلات وجنتي لابتساماته، ولا رفعت صوتي لتمجيد أصنامه المعبودة. إنَّ العالم يستطيع أن يحصيني في عداد جماهيره، ولقد كنت واقفًا بينهم ولكني لم أكن منهم — وكنت ملفعًا بأوشحة من الأفكار ليست هي أفكارهم — فكلانا عن الآخر غريب …

ولكن الشاعر العبقري أيًّا كان سلوكه، وأية كانت أغلاطه وآلامه، وأيًّا كان نفوره من الإنسانية كما هي في عيوبها ومطامعها وصغائرها، فإنه يحتفظ أبدًا في روحه الفيحاء بهيكل يعبد عنده الجمال والحرية والشرف والإنسانية، كما يود أن تكون، ويلهبه أبدًا عطش لا يرتوي إلَّا في المجازفة والتضحية، إنْ لم يكن لخدمة قومه ففي سبيل مثل أعلى يؤيد فيه ما يقدسه من شرف وإنسانية وحرية وجمال.

لذلك تطوع لورد بيرون في الحرب اليونانية مختارًا، وشايع الشعب اليوناني إكرامًا لماضيه السحيق واعترافًا بفضل ثقافته على العالم، وكم من هتاف حماسي أرسله في قصائده أزكى حمية الأمَّة اليونانية في النهوض! وهو القائل:

يا إغريقا الجميلة! يا بقية حزينة من الفضل العافي؟ إنك لخالدة وإنْ كنت ذليلة، عظيمة وإنْ كنت متهدمة، من ذا الذي يلم الآن شعث بنيك المتفرقين؟ ومن ذا الذي يهيب بك فتبعثين من لحدك؟

أيها الرجال (اليونان) المولودون مقيَّدين! ألا تعلمون أنَّ الراغبين في تحرير أنفسهم لا بد فاعلون ما يجب أنْ يفعلوه؟ وأن بسيوفهم يجب أنْ يحرزوا النصر؟ أيستطيع المغولي والمسكوفي أن يستخلص حقكم؟ إنهم بلا ريب يستطيعون أنْ يطرحوا غاصبكم المتكبر على الثرى، ولكن لن تشتعل بذلك لهب الحرية على هياكلهم!

ولكن لهب الحرية قد اشتعلت على هياكل إغريقا، ونعمت بلاد اليونان الجديدة باستقلالها الذي تحتفي اليوم بمرور مائة عام على اعتراف الدول به في مؤتمر لندن، ولو أنَّ حركات الثورة والاضطراب لم تهدأ فيها كل هذه الأعوام، وما فتئت مشتبكة بحروب خارجية وداخلية، حتى انتهى بها الحال إلى تغيير نظامها السياسي من ملكي إلى جمهوري، فكانت الجمهورية عندها مرة دكتاتورية ومرة دستورية، وما هي في كل ذلك إلا معيدة تاريخها، وباحثة عن السبيل الموافق لمزاجها الممهِّد لراحتها.

***

من هم الذين أهاجوا الشعب اليوناني ليهب من هجعته؟

ليس للأسماء إلا أهمية نسبية؛ إذ ليست الأشخاص إلا أدوات في يد الحياة، بل ما الشعوب إلا تلك الأدوات في سبيل أغراض الحياة التي تعالج الأمم بالإخضاع والاستعباد كما تعالجها بالتحرير والاستقلال، لتتثقف على يد غيرها كما تتثقف على يد نفسها، وتهتدي في هذه الحالة وتلك إلى كل ما عندها من المَلَكات والاستعدادت والقدرات، وما الحضارة التي يباهي بها كل شعب بأنها «حضارته» الخاصة التي يجب أنْ يأخذ بها العالم إلا وجهًا من وجوه الحضارة الواحدة الشاملة، التي ستتناسق وتنتظم بالتوالي حتى تصبح حضارة النوع الإنساني بأسره.

لقد جاءت حضارة اليونان بقسط وافر من حضارة العالم ورِفْعته، ورغم ما بلغناه في هذا العصر من التقدم في العلم والاختراع والاكتشاف، فإن دَيْن إغريقا على العالم خالد، فهي التي أوحت إلى الإنسان الحب الكامن في أعماق نفسه للجمال والحق والحرية، وهي التي مثَّلت له ذلك الحب فجعلته محسوسًا في فنونها الرائعة وآثارها وحكمتها وشعرها، وهي التي ابتكرت الأنظمة السياسية والمبادئ الأخلاقية والقواعد الفنية التي لم نجد اليوم ما هو خير منها، ومن أنديتها جاءتنا الأصداء الأولى من الفن الخطابي الجليل في تلك اللغة الفخمة الرخيمة، يهذبها الذوق المصفَّى والقياس الأدبي المحكم، والأناقة التي ستظل أبدًا فتيَّة بينا القرون والأنظمة والأساليب تشيخ وتفنى.

وشجرة الزيتون التي غرستها في بلاد اليونان قديمًا إلاهة الحكمة «بالاس» — أثينا — ستتفرع غصونها مع الزمن، فتخيم على العالم سلامًا يلهج اليوم بذكره رجال السياسة في جميع أنحاء المعمورة — هذا إذا رأت الحياة أن السلام من وسائل التقدم لبني الإنسان!

يبدو لنا أن العالم في تطوره الحاضر سائر حتمًا إلى استقلال كل من الشعوب، وإحداث ثنوغرافية ضمن حدودها الطبيعية، متبادلة مع الأمم البعيدة والقريبة صيانة المصالح المشتركة والاعتراف بالحقوق والواجبات دون أنْ يكون هناك سائد أو مسود بالمعنى السياسي، ولا أدل على هذا الحادث من اشتراك تركيا الجديدة في الاحتفاء بعيد استقلال اليونان، هي التي كانت في الأمس القريب عدوة اليونان وسيدتها في الأمس الذي سبق.

إن العالم سيقاسي كثيرًا من النكبات والمحن، وسيغوص في كثير من الدماء قبل أنْ يتشبع بهذه الفكرة، وقبل أن تتوافق عقليته وهذه الحقيقة، ولكن الحياة أقدر منا جميعًا، وأغراضها هي النافذة فينا حيث نظن أننا لأغراضنا منفذون، وقد سبق أنَّ النكبات والصعاب والحروب هي بعض وسائل الحياة.

وعلى ذلك فإن الشعوب المحبة للاستقلال، والشعوب النازعة إليه اليوم في عيد الاستقلال، وكل فرد يحب الثقافة والحكمة والجمال، ويعرف لإغريقا القديمة فضلها في هذه الثروة الإنسانية المجيدة — إنما هو يفرح اليوم لفرح الأمة اليونانية، ويردد معها أجمل كلمة في نشيدها القومي:

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.