في إحدى يومياتي القريبة أَشَرْتُ إلى كتب اليوميات وأحاديث المائدة في الغرب، وقلت: إنني قد أعود إلى بيان أسباب الالتفات إليها في عصرنا؛ لأن لها شأنًا في تحول الحركة الأدبية إلى وجهة غير وجهتها.

عاد بي إلى تتبع هذه الكتب — كتب اليوميات وأحاديث المائدة — أنَّ المطبعة الإنجليزية أخرجت في خلال سنة واحدة نحو خمسة كتب عن الدكتور صمويل جونسون صاحب أكبر ترجمة غربية تدور على اليوميات وأحاديث المائدة، وكانت العناية فيها بشخصيته أعظم من العناية بمؤلفاته وآثاره الأدبية، ومنها ما يتكلم عن شبابه قبل اشتهاره واستقرار مكانته في عالم الثقافة، ومنها ما يُلخِّص أحاديثه ويعرض منها للنَّاحية البيتية أو لناحية المعيشة أو العلاقات بينه وبين أصدقائه ومشاهير عصره.

ومع هذه الكتب عن صمويل جونسون ظهرت كتب أخرى عن أعلام الأدب في القرن الثامن عشر أو القرن التاسع عشر، ممن لا تجمعهم غير صفة واحدة؛ وهي أنهم «شخصيات إنسانية» يهتم القراء بأحوالهم وأحاديثهم وغرائب أطوارهم كما يهتمون بكتاباتهم وآرائهم وآثارهم المطبوعة.

ولَعَلَّنَا لا نبخس صمويل جونسون قدره إذا قلنا إنه يعيش اليوم بترجمته التي كتبها تلميذه بوزويل ويوشك ألا يُذكَر بكتاب من كتبه، وأعجب عجائب الشهرة الأدبية ونقائض الأحكام عليها من أصحابها وغير أصحابها أن صمويل جونسون كان يغضب إذا سمع أن بوزويل يكتب «حياته» … ويقول: إنني سأنتزع حياته إذا كتب حياتي … لأنه كان يعلم أن بوزويل صاحب «قفشات» لا تفوته شاردة ولا واردة من أضاحيك الرجل، ولم تكن أضاحيكه في الأحاديث ولا في الأطوار الشخصية بالقليلة.

ما سر هذه العناية بجونسون ونظرائه من أدباء القرن الثامن عشر وما بعده؟

سرُّها أنهم جميعًا — كما قلنا — أصحاب «شخصيات إنسانية» بيِّنَةِ الملامح ملحوظة الأطوار، وليس أدعى إلى الاهتمام بهم من شيوع الأدب «المسموح» الذي يكاد أن يكون أدبًا آليًّا في العصر الحاضر، ومعظم أدبائه نماذج بشرية ولا شخصية لها، ولا معول لها في جذب الأنظار إليها غير «التفانين» الملفقة يموهونها باسم المدارس والمذاهب أو الأحزاب الفكرية أو الفلسفية، ولا شيء فيها مما يستحق لفت النظر غير الاصطناع الذي يشبه المشيَ على الرأس، أو القفزَ على قدم واحدة، أو تَغشِيَةَ الوجه بالأصباغ والبراقع؛ لتعويض الشخصية الإنسانية بهذه الملامح البهلوانية.

إن الإنسان يبحث عن «الإنسان» في عصر الآلة فلا يجده إلا في شكل آلة مصطنعة أو أفنونة من أفانين التهريج والضوضاء على غير طائل.

ولقد كثر هذا الشخص بعد الحرب العالمية الأولى وتعددت أسماؤه، ولا حقيقة له وراء هذه الأسماء غير الاصطناع والتلفيق.

ولك أن تعرض أمام نظرك عشرين عنوانًا من عناوين هذه المدارس أو المذاهب فلا ترى خلفها من الحقيقة غير التهريج أو الجدل أو الاصطناع، أو لا ترى خلفها بعبارة أخرى غير المشي على الرأس أو القفز على القدم الواحدة أو الرقص بالريش والجلاجل والبراقع ذوات الأصباغ والأهداب.

سورريالزم Surrealism وسوبرامتزم Suprematism وداديازم Dadiasm وورقيات Papiers-Colles وذئبيات أو وحشيات Fauvism ورقاعات وشفاعات، يقف أمامها أناس من الفارغين يصطنعون الجد لينتقدوا ويفسروا ويعلقوا ويلفقوا وليس أمامهم في الواقع ما يساوي تفسيرًا أو تعليقًا أكثر من صفعتين على القفا، و«اذهب يا ولد أنت وهو لشغلك.» إن كان لهم شغل غير هذه البطالة الجوفاء.

الأدب الآلي والتقاليع البهلوانية هي سر الالتفات إلى أعلام «الشخصيات» التي تعنينا بملامحها الإنسانية كما تعنينا بملكاتها الفنية أو الثقافية، وإن صفحة واحدة من أدب هذه «الشخصيات» الصادقة لتعطينا من زاد الحياة ما لا نأخذه من مائة «شوال» مملوء بذلك السخف المصطنع الرخيص.

***

وسأُلَخِّصُ في هذا المقال جلسة أو جلستين من جلسات القراءة أو جلسات المصاحبة والمزاملة مع أصحاب الأحاديث التي اشتهرت باسم أحاديث المائدة، وأولهم صمويل جونسون يعرفه كل قارئ من قراء التراجم في الآداب الإنجليزية.

دخلت السيدة سيدونز Siddons — أكبر ممثلات العصر — إلى مسكن الفيلسوف المتواضع فلم تجد كرسيًّا تجلس عليه؛ لأن عدد الكراسي في البيت لا يزيد على عدد الزوار المعهودين، وهم آحاد قليلون.

فلم يضطرب الفيلسوف، بل اتخذ من هذا الحرج مناسبة كأجمل المناسبات لتحية ممثلة مشهورة، وانحنى وهو يشير إلى الكرسي الذي أُخْلِيَ لجلوسها قائلًا ما معناه: عفوًا يا سيدتي، فحيث توجدين لا توجد كَرَاسٍ خالية، وأنت التي تتركين الكثيرين يبحثون عن الكراسي أحق الناس بقبول العذر في هذا المقام.

ويدور الحديث عن الأدوار التي تحبها الممثلة الكبيرة، فتقول له إنها تُفضِّل أدوار كونستانس وكاترين وإيزابلا من روايات شكسبير، وكلها شخصيات تفيض بالحياة الأنثوية على اختلاف الأمزجة والأهواء.

ويوافقها الفيلسوف على اختيارها، ثم يخص بالتنويه دور كاترين الأرجوانية مَلِكة إنجلترا في عهد هنري الثامن، ويرجوها أن تُمثِّل هذا الدور قريبًا ليسعد برؤيته، فتنصرف على وعد منها بتمثيله وتمثيل غيره مما يقترحه الفيلسوف.

والحقُّ أن الممثلة الكبيرة كانت على صواب في تسمية الشخصيات النسوية التي تبرز فيها ملكاتها، وأن الفيلسوف كان على صواب في اختصاص دور كاترين من بينها؛ لأنه دور لا تنفد عِبْرَتُه الحيَّة في زمن من الأزمان، ولعلنا كنا نُعبِّر بهذه العِبْرَة قريبًا حين تحدَّثنا عن أثر الخبرة والمعاشرة في الزواج؛ فإن هنري الثامن قد أُكْره إكراهًا على قبولها، ثم هام بها بعد فسخ العقد بينه وبينها، وكاد أن يتعرَّض للحرمان من وراثة العرش لإصراره على الزواج منها.

وتغادر الممثلة الكبيرة مسكنَ الفيلسوف البليغ، فيكتب إلى سيدة من معارفه يذكر لها أثر هذه الزيارة في نفسه، فيقول إنه قد أعجبه من زائرته الكريمة أن الثروة والشهرة لم تُغيِّرا شيئًا من أخلاقها الفاضلة، وهما الخطر أكبر الخطر على مكارم الأخلاق …

إلا أن هذا الرجل اللبق في تحية السيدات لم يكن بهذه اللباقة في جميع التحيات أو جميع المخاطبات، فإن خطابه إلى النبيل الأديب اللورد شسترفيلد لا يزال مَثَلًا من أمثلة التوبيخ «اللطيف العنيف» بين الرسائل المحفوظة في الآداب الأوروبية.

وقد كان جونسون ممن التمسوا معونة النبيل الأديب على طبع كتاب من مؤلفاته فلم يُعِنْهُ ولم يحفل بجواب سؤاله، فلما انقضت سبع سنوات على ذلك الطلب واستغنى جونسون عن رعاية السراة والعظماء، أرسل إليه اللورد يَعْرِض عليه معونته فكان الرفض في هذه المرة من جانب الفيلسوف العزوف، وكانت خلاصة جوابه أنه لا يحتاج إلى عوامة النجاة على ساحل السلامة بعد أن خاض اللجة وسبح فيها بين خطر الغرق واللهفة على النجاة …

وهذا الجواب الصارم هو الجواب الذي استعاره برنارد شو للرد على لجنة نوبل يوم منحته جائزتها وهو في أوج الشهرة، غني عن المعونة والتشجيع.

كلا، لم تكن لباقة الفيلسوف مع الحِسَان من ربَّات الفن سواء في كل خطاب، ولم تكن لَذَعَاتُه — كذلك — وقفًا على النبلاء الذين يرفضون معونته ثم يحاولون أن يفرضوها عليه بعد استغنائه عنها، بل كان للجنس اللطيف نصيبه من تلك اللذعات. وحديثه مع الحسناء مسز ثريل Thrale ينم على نصيب تلميذاته ومُريدَاته من أسلوب «التحيات» الذي استخدمه في رسالته إلى اللورد شسترفيلد.

دار هذا الحوار ذات يوم بينه وبين المريدة الحسناء!

مسز ثريل: تحياتك نادرة يا سيدي، ولكنك إذا تفضلت بها كانت مَثَلًا لا نظير له في البلاغة، فإذا غضبت فما من أحد يجسر على استخدام أسلوب من الخطاب يضارع أسلوبك في القسوة وفي الشدة.دكتور جونسون: سيدتي! إنني آسَفُ دائمًا كلما نطقتُ بكلام قاسٍ، ولا أنطق بمثل ذلك الكلام إلا إذا ضُويِقتُ وجاوَزَتِ المضايقةُ بي حدَّ الاحتمال.مسز ثريل: نعم يا سيدي، ولكنك تضيق ذرعًا بأمور قلَّما يضيق بها أحد، وإنني لعلى يقين أنني تلقيت نصيبًا من قوارسك في هذه النوبات.دكتور جونسون: الحق أنك قد تلقيت ذلك النصيب، ولكنك تلقيته بصبر الملائكة وكان فيه الخير «الملائكي» بعد ذاك.مسز ثريل: أعتقد ذلك يا سيدي؛ لأنني تعلمت منك ما لم أتعلمه من رجل آخر ولم أتعلمه من كتاب، وكانت كبريائي حين أشعر بأنني أستحق عنايتك بتعليمي أعظم من الكبرياء التي يجرحها التأنيب … فأنت تقوم بالتأنيب وأنا أظفر بالفائدة!

وكان في المجلس سيدة تُدْعَى مسز بيرني، فقالت: وكلاهما — فيما أعتقد — مُشَرِّفٌ للطرفين.

قال دكتور جونسون: وكذلك أعتقد … إلا أن مسز ثريل مخلوقة حلوة عذبة الروح، ولها خلق من أجمل ما رأيت في أخلاق النساء.

مسز ثريل: أقول لك يا سيدي — بغير تزلف — إنني لا أستمع إلى ملامك في حضرتك وحسب، بل أظل أسمعه وأذكره في مَغِيبِكَ، ولا أزال أسأل نفسي: تُرى هل يرضيه عملي هذا أو يعرضني لملامه؟ ثم لا يغيب عن بالي أنك لا تناقش أحدًا في الرأي كما تناقشني.مسز بيرني: ألا إنكما قد أَلِفَ كلاكما صاحبَه حتى تعودتما أن يحتمل أحدكما من الآخر ما يكفي لقتل الطارئ الغريب.دكتور جونسون: صحيح … إلا أننا كنا نتناقش هكذا قبل أن تنعقد بيننا هذه الألفة.مسز ثريل: آه … إنني ليخطر لي أحيانًا أنني لن أموت إلا بكلمة من تلك الكلمات الصارمة التي يقولها لبعض الناس؛ فإن ما يقوله لي أحتمله لعلمي بحبه إياي، ولكني أحسب ما يُقال للآخرين جد قاسٍ!دكتور جونسون: كيف يا سيدتي؟! … إنك أنت التي تحرضينني على المقالة القاسية حين تطلبين التقريظ في غير موضعه … ولولا أنك تطلبين ثنائي لما تعرضت لملامتي … إذ لا شيء يضايقني كما يضايقني أن أُطالَب بالثناء على أمر لا يستحق عندي غير الملام.مسز بيرني: إنني أعرف ذلك؛ أعرف أنه ما من موضع للشكوى من شدة الدكتور إلا كان معه موضع لرقته وسماحته!مسز ثريل: ذلك حق، ولكنني أرجو أن «يقصقصك» أنت أيضًا بعض الشيء.دكتور جونسون: كلا، لست أرجو ذلك، وإنني ليسوءني أن أفوه بكلمة تؤلم مسز بيرني.مسز بيرني: لو أنك فعلت لآلمتني الكلمة فوق ما تتخيل، وتخاذلت تحتها على الأثر!مسز ثريل: إنني لأذكر يا سيدي أيام رحلتنا إلى بلاد الغال كيف كنت تحاسبني على ملاطفة بعض الناس، وكيف كنت تقول لي: ما هذا الثناء الذي تغدقينه على كل أحد وعلى كل شيء؟ … وعندئذ كنت أقول لك: لا عجب يا سيدي … إنني حين أصاحبك أنت والسيد ثريل وكويني ينبغي أن أؤدي واجب أربعة في تحيات الملاطفة …

وكذلك قالت السيدة كلمتها الأخيرة، وأَفْهَمَتِ الدكتور أنها ينبغي أن تؤدِّي عنه وعن صاحبيه واجبهم جميعًا في الملاطفة؛ لأنهم يقصرون فيه!

***

وتستغرق هذه الأحاديث أكثر من ألف ومائتي صفحة، يثق القارئ أنه لا يفتح صفحتين منها تخلوان من مساجلة حية من هذا القبيل، تقترن فيها دقة المعنى بلباقة التعبير.

ولا نريد أن ندير المقال كله على مائدة واحدة من موائد هذه الأحاديث، فها هنا مائدة أخرى لعَلَمٍ من أعلام الأدب العالمي في القرن التاسع عشر، وهو لورد بيرون الشاعر المشهور، وها هنا حديث له يشبه هذه الأحاديث بعض الشبه في العبارة وفي الموضوع.

سأله بعضهم: هل كانت لا دي بيرون تحبك؟ فقال بغير تردد: كلا!

ثم قال: «لقد كنت الزي الشائع — الموضة — يوم التقت بي لأول مرة، وكان المشهور من سمعتي أنني شاب ماجن، وأنني من أبطال الأناقة ومبتدعي الأزياء، وَكِلا هذين الوصفين محبب إلى الفتيات، وقد تَزَوَجَتْ بي غرورًا منها؛ لاعتقادها في نفسها القدرة على إصلاحي وترويضي، وكانت في بيتها طفلة مدللة غيورًا بطبيعة هذا التدليل، ثم زادتها الدسائس ممن يحيطون بها غيرة على غيرة … ولم يكن أسهل من جواز الخديعة عليها؛ لأنها كانت تؤمن بعصمتها في الدراية بطبائع الناس، وكانت تفهم كلمة مدام دي ستايل فهمًا مشوبًا بالحماقة؛ إذ كانت تعتقد أن ساعة اللقاء الأولى تغني في معرفة الإنسان ما لا تغنيه خبرة عشر سنوات بعد ذلك، وكان من دأبها أن ترسم لمن تراه صورة قلمية أو صورتين … وقد رسمت صورتي في صفحات بعد صفحات، وليس فيها كلها ما يطابق الحقيقة.

***

وتحدث الشاعر عن زياراته لمدام دي ستايل، فقال إن زائرات مجلسها كن يعتقدن فيه أنه الشيطان المجسم، وإنه دخل المجلس ذات يوم على غير موعد يُنتظَر، فأُغْمِيَ على إحدى السيدات وجعل الآخرون ينظرون إليه كأنهم يتعوذون بالله! واستقبلته ربة الدار بخطبة قصيرة من خطب الوعظ … فلزم الصمت ولم يزد على انحناءة خفيفة بعد الإصغاء إليها.

***

هذه الأحاديث وما إليها هي التي تُسمَّى عند الأوروبيين بأحاديث المائدة، وهي اليوم مقبولة مستعادة بين المطبوعات الإنجليزية، ومنها ما يُعاد بعد انقضاء قرن أو أكثر من قرن على ظهوره للمرة الأولى.

وهذه الأحاديث في آدابنا العربية أوفر جدًّا من نظائرها في الآداب الأوروبية، ولكنها لا تُسمَّى بأحاديث المائدة أو اليوميات، بل تُذكَر في أبواب النوادر والمسامرات، أو تُذكَر أحيانًا فيما يُسمَّى بنوادر المحاضرات والأمالي.

ولو أننا رجعنا إلى الأمالي وما شابهها من كشاكيل العاملي، والمرتضى، والقالي، والأصبهاني، وابن عبد ربه، والمقري لجمعنا منها ما يعدل «أحاديث المائدة» الأوروبية كثرة ومتعة وقيمة في البلاغة والدلالة النفسية أو التاريخية.

ولو أننا أضفنا إليها ما نذكره — ونوشك أن ننساه — من نوادر أدباء الجيل الماضي والجيل الحاضر لامْتَلَأت بها الموائد، وشبع منها طلاب هذه الفاكهة أو هذا الغذاء، وإنهم لكثيرون.

ويُخيَّل إلينا أننا نصنع خيرًا إذا تعوضنا بهذه الموائد عن أمثال ذلك اللغط الذي يحمل عنوان الأدب — كذبًا — في لغتنا ويسأمه قراء الغرب، فيعرضون عنه؛ ليلتمسوا العوض منه على موائد الأدباء الغابرين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.