• كان إثمًا عظيمًا أنْ أخذت في الإعداد لترجمة الآداب العالمية إلى العربية.
  • اختلطت الأمور، وجرت أقلام بكلام كنت أحب لها ألَّا تجري بمثله.
  • الثقافة العربية تقوى بمقدار ما يضاف إليها من ثقافات الأمم الأجنبية.
  • أنا أدعو المواطنين ملحًّا أشد الإلحاح أنْ يسرعوا إلى شكسبير وأشباهه.
  • أدب الإنسانية الذي عاشت عليه هذه القرون الطوال أكثره نشأ في أيام الملوك.

كان إثمًا عظيمًا عند بعض الكُتَّاب هذا الذي أَقْدَمْت عليه حين أخذتُ في الإعداد لترجمة الآداب الأدبية العليا إلى اللغة العربية، ويظهر أني غارق في هذا الإثم العظيم إلى أُذُنِي منذ أول الشباب؛ فقد كنت مشغوفًا أيام الطلب بالتهام كل ما يترجم إلى اللغة العربية من الكتب مهما تكن قيمته، ومهما يكن خطره؛ لأني كنت أرى في هذه الكتب ألوانًا من المعرفة لا عهد لي بها، وأرى فيها تجديدًا لنفسي وتثقيفًا لعقلي وتزكية لقلبي، ولم أكد أُلِمُّ بأوليات اللغة الفرنسية حتى دعاني صديق كريم — رحمه الله — إلى أنْ أشاركه في ترجمة كتاب في الفلسفة الخلقية من اللغة الفرنسية (هو كتاب الواجب لجول سيمون) فاستجبت لدعوته مشغوفًا بهذا العمل أشد الشغف، حريصًا عليه أعظم الحرص، مشوقًا إلى ما سأكسبه من المعرفة، سعيدًا بأني سأتيح لمئات وألوف مثلي من الشباب أنْ يكسبوا معرفة جديدة، وأنْ يثقفوا عقولهم، ويزكوا قلوبهم، ويجددوا نفوسهم، ويضيفوا إلى نشاطهم نشاطًا خصبًا ينفعهم وينفع الناس.

ولم أكد أتم الدرس في فرنسا وأعود إلى مصر، حتى أخذت في إظهار المواطنين على ألوان جديدة من المعرفة ما استطعت إلى ذلك سبيلًا. أترجم حينًا وألخص أحيانًا، وأغري دائمًا بالترجمة والتلخيص، أوثر الترجمة حين تتاح وسائلها، وأضطر إلى التلخيص حين لا يكون إلى الترجمة سبيل، مؤمنًا بأن الثقافة العربية إنما تقوى وتنمو وتزداد خصبًا وغنًى وإمتاعًا وإحياءً للنفوس، وإذكاءً للنهضة بمقدار ما يضاف إليها من ثقافات الأمم الأجنبية مهما تكن هذه الأمم.

ومن أجل ذلك تَرْجَمت ولَخَّصْت ودَفَعْت غيري دفعًا إلى أنْ يترجموا، ويلخصوا من آداب اليونان والرومان والفرنسيين والإنجليز والألمانيين والإيطاليين والفرس شيئًا كثيرًا، عاشت عليه أجيال من المصريين والشرقيين العرب وقتًا، وأحسب أنها ستعيش عليه أوقاتًا، ثم بدا لي أنَّ هذا الذي دفعت إليه نفسي ودفعت إليه غيري محتاج إلى شيء من النظام، وأنَّ الخير كل الخير في أنْ يُنَظَّم نقل الثقافات الأجنبية إلى لغتنا العربية، بحيث يتاح لنا في وقت قصير أو طويل أنْ نصنع صنيع الأمم الأخرى، وننقل إلى لغتنا أصول الآداب والثقافات الأجنبية إغناءً للغة نفسها من جهة، وإحياءً لقلوب الذين يتكلمونها، وإذكاءً للنهضة العربية من جهة أخرى، وقد اعتقدت دائمًا أنَّ لمصر مركزها التاريخي الجغرافي الخطير بين أقطار الأرض، وأنها قد نهضت دائمًا بواجبها الثقيل الرفيع، وهو نقل الثقافة الشرقية إلى الغرب، ونقل الثقافة الغربية إلى الشرق.

وإنها من أجل ذلك أساس من أسس الحياة العقلية الإنسانية، وإنَّ قوتها ونشاطها ونهوضها بهذا الواجب شرط أساسي ليشرق نور المعرفة على الشرق والغرب جميعًا، وليتحقق التوازن بين الشرق والغرب أيضًا.

ومنذ أكثر من خمس عشرة سنة حاولت أنْ آخذ في هذا التنظيم، وأنْ أهيئ له أداة في وزارة المعارف، وحاولت أنْ أنقل شكسبير إلى اللغة العربية، كل ذلك إلى الذين يحسنون اللغة الإنجليزية والعربية من شبابنا، وأنْ أصنع مثل ذلك بآثار فريق من أعلام الأدباء الفرنسيين الذين يشبهون في فرنسا شكسبير في إنجلترا، ولكن ظروف الحياة التي كنا نحياها حالت دون التوفيق إلى ما كنت أريد.

ولم أحاول أنْ أصنع مثل ذلك بأدباء الأمم الأخرى؛ لأن علمنا بلغاتها لم يكن مرضيًّا، فلم أجد بُدًّا من الصبر على ذلك الإخفاق حتى تتاح لنا حياة خير من حياتنا تلك، وحاولت بعد ذلك أنْ أنهض بهذا العمل غير معتمد على سلطان الدولة، فلم أجد المال واضطررت إلى إخفاق جديد.

وحين نهضت بأعباء وزارة المعارف حاولت أنْ أستأنف هذا الجهد، وأرصدت في ميزانية الوزارة مقدارًا ضئيلًا من المال للبدء فيه، ثم تركت الوزارة، ولم أدرِ ما صنعت الأقدار بهذا المال الذي أرصد في الميزانية، ولا بهذا الجهد الذي حاولت النهوض به، ثم دُعيت إلى رئاسة اللجنة الثقافية في الجامعة العربية، ورأيت في ميزانيتها شيئًا قليلًا من مال أُرصد للترجمة فوجهته إلى شكسبير، ولو قد كان هذا المال أكثر مما هو لوجهت بعضه إلى غير شكسبير من أدباء الأمم الأخرى، ولكن شيئًا خير من لا شيء.

وعلمت من حديث لي مع رئيس وزرائنا ومع وزير التربية والتعليم أنَّ الحكومة القائمة مؤمنة مثلي بوجوب الترجمة لأصول الثقافة الأجنبية على أوسع مدى ممكن؛ فاغتبطت لذلك أعظم الغبطة وأعمقها، وأنا أرجو مخلصًا أنْ يكون حظ حكومة الثورة من التوفيق إلى الخير في هذا الموضوع خيرًا من حظ غيرها من الحكومات. ولكني لم أكَد آخذ في تنفيذ ما صممت عليه من ترجمة شكسبير حتى كثر الأخذ والرد، واختلطت الأمور في كثير من العقول، وجرت أقلام في بعض الصحف بكلام كثير كنت أحب لها ألا تجري بمثله؛ لأنه مع الأسف الشديد إنْ صور شيئًا، فإنما يصور التفكير السريع والأحكام العاجلة والآراء المخطوفة، التي تمتحن بها حياتنا العقلية في هذه الأيام.

قال بعض الكُتَّاب: لا تترجم الآداب الأجنبية الغربية، ولا تترجم الآداب الأجنبية الشرقية، وأيسر ما يقال لأصحاب هذه الدعوة: إنَّ ترجمة الآداب الأجنبية الشرقية واجبة ويجب أنْ تتخذ لها الأسباب، وتبتغي إليها الوسائل، وأول هذه الأسباب والوسائل هو العلم بلغات هذه الآداب الشرقية، فالذين يريدون أنْ يترجموا ما ورث أهل الهند عن قدمائهم يجب قبل كل شيء أنْ يتعلموا اللغة التي كُتبت بها هذه الآداب، وإلى أنْ يتم تعلُّم هذه اللغة، ويوجد المترجمون منها إلى اللغة العربية — ونرجو أنْ يكون ذلك قريبًا — يحسن أنْ نمضي فيما نستطيع من الترجمة عن اللغات الغربية التي يحسنها شبابنا. والحمد لله فإن بين شبابنا الآن من يستطيعون أنْ يترجموا عن أكثر اللغات الأوروبية الكبرى لا تنقصنا منها إلا اللغة الروسية، وليس قليلًا أنْ نستطيع الترجمة عن الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والإسبانية، وقد كنا لا نطمع في شيء من ذلك منذ خمسة عشر عامًا.

وقال قائلون: لا تترجموا الأدب، ولكن ترجموا العلم؛ فبالعلم نحيا وعلى العلم نعيش، والعلم هو الذي يعيننا على استثمار الزراعة والصناعة والتجارة إلى أقصى حدود الاستثمار، وهو الذي يجعلنا أمة قوية كما جعل الأمم الأوروبية والأمريكية أممًا ذات سلطان واسع وبأس شديد. وأقل ما يوصف به هذا الكلام أنه يصور قصورًا في التفكير، وتعجلًا في الحكم، وخطفًا للرأي في غير روية ولا أناة.

فليس من شك في أنَّ للعلم خطره العظيم في حياة الأمم، ولكن ليس من شك أيضًا في أنَّ الأدب ليس أقل خطرًا في حياة الأمم من العلم، وكم أتمنى على أصحاب هذه الدعوة أنْ يحدثوني عن أمة واحدة أوروبية أو أمريكية عاشت بالعلم وحده، ولم يكن حظها من الأدب موفورًا، كما أنَّ حظها من العلم موفور، ومن الحمق كل الحمق أنْ نزعم أنَّ العلم وحده هو الذي يحيي الأمم ويقويها، وعسى أنْ يكون حظُّ الأدب في حياة الأمم وقوتها مثل حظِّ العلم إنْ لم يكن أعظم منه وأبعد منه مدى. والموازنة بين العلم والأدب وأثرهما في حياة الأمم وبين حاجة الأمم إلى هذا أو ذاك سخف، لا يليق بالمثقفين حين يحيون في العصر الذي نعيش فيه.

ولم أنسَ بعد ما قاله لي عضو من أعضاء مجلس الجامعة المصرية القديمة منذ خمسة وثلاثين عامًا، وكان مهندسًا، لو استطعت أنْ ألغي كل هذه الدروس التي تُلقى في الجامعة، وأنْ أعلِّم الطلاب مكان هذه الآداب صناعة الساعات لفعلته، ولكنت بذلك أسعد الناس. ضحكت وضحك معي الذين سمعوا هذا الحديث، وأضفنا ذلك الرأي الغريب إلى سن ذلك المهندس الشيخ، فكيف ونحن نسمع ونقرأ الآن كلامًا يشبهه، يكتبه أصحابه في غير تردد ولا تحفظ كأنهم يكتبون لقرائهم العلم كل العلم، ويدلونهم على المثل الأعلى الذي ينبغي للشعوب أنْ تجدَّ في السعي إليه.

وهؤلاء السادة لا ينسون إلا شيئًا واحدًا، وهو أنا لا نعرف أمة عاشت بالعلم دون الأدب، وأنَّ حياة الأمم بالعلم وحده جحيم، نرجو أنْ يجنب الله الإنسانية شره؛ لأن فيه فناءها إلى غير رجعة، ولمن يريد هؤلاء السادة أنْ يترجم العلم! أيريدون أنْ يترجم للعلماء الذين يقرءونه في لغاته المختلفة، فهم الآن غير محتاجين إلى أنْ يترجم لهم!

أم يريدون أنْ يترجم للشعب، وماذا يصنع الشعب بالعلم حين يترجم له؟!

أيأكله أم يشربه، وهل يظن هؤلاء السادة أنَّ العلم شيء يسيغه أوساط المثقفين من أبناء الشعب، فضلًا عن الذين لم يبلغوا الثقافة المتوسطة؟ أم يريدون أنْ تترجم للشعب بسائط العلم؟ ومن الذي يمنعهم من أنْ يفعلوا؟ وما أكثر الذين يترجمون بسائط العلم لعامة المثقفين، ولكنا نفكر في شيء غير هذا وفي شيء بعيد عن هذا كل البُعد.

نفكر أنْ نترجم أصول الأدب والثقافة التي دفعت الأمم إلى أنْ تحيا وترقى وتعنى بالعلم نفسه، والتي أتاحت للعلماء أنفسهم أنْ يحيوا وينتفعوا وينفعوا بعلمهم. ومن يدري أكان من الممكن أنْ يوجد العلم لو لم يسبقه الأدب إلى الوجود!

ومن يدري أكان من الممكن أنْ ينمو العلم لو لم يعاصره نمو الأدب وازدهاره!

وأغرب ما قيل في هذا الموضوع أنَّ ترجمة شكسبير شر؛ لأن شكسبير كان من الشعراء الملوكيين الذين تملقوا الملوك والأرستقراطية وازدروا الشعب، وغضوا من شأن الفقراء والبائسين. يكتب هذا الكلام في هذه الأيام، ويجد من أوساط الناس من يقرأه ويسمع له، وينتشر هذا السخف بين طبقات من الناس فتضيع قيم الأشياء، ويفسد رأي الناس وحكمهم، وكأن ثقافتنا محتاجة إلى أنْ تمتحن بهذا الضلال البعيد.

وما رأي هذا الكاتب الذي يذيع في الناس مثل هذا الكلام في أنَّ أدب الإنسانية الذي عاشت عليه هذه القرون الطوال الطوال قد كان أكثره — إنْ لم يكن كله — أدبًا نشأ في أيام الملوك والأرستقراطيات، كما نشأ العلم والفلسفة والفن في أيام الملوك والأرستقراطيات، وقُدم إلى الملوك وأشراف الناس. أيجب من أجل ذلك أنْ تصد الإنسانية عن تراثها الثقافي كله، وأنْ تبدأ تاريخها من أواخر القرن الثامن عشر حين نشر الأمريكيون والفرنسيون إعلانهم لحقوق الإنسان، وحين شاعت الديمقراطية في الناس، وحين كان الاعتراف بحق الشعوب.

يجب إذن أنْ تُحرق دور الكتب ومتاحف الفن، وأنْ تدمَّر الآثار الفنية الخالدة تدميرًا، وأنْ تعيش الإنسانية الجديدة على ما أنتجت في القرن التاسع عشر وفي القرن العشرين، ولن تستطيع أنْ تعيش على ما أنتجت في هذين القرنين؛ لأنه إنما اشتُقَّ من هذا التراث الضخم الذي يبغضه هذا الكاتب، ويريد أنْ تعرض عنه الإنسانية إعراضًا.

نسأل الله لهذا الكاتب وأمثاله والذين يسمعون له ويجرون معه في طريقه هذه المعوجة الملتوية، أنْ يرزقه سداد الرأي ويهديه إلى الحق، ويلهمه الصواب وينطقه به، ويجري به قلمه أيضًا؛ حتى لا يفسد على الناس عقولهم بمثل هذا السخف الذي لا ينبغي أنْ يُنشر في هذه الأيام.

أما بعد؛ فإن ترجمة الثقافات الأجنبية — مهما يكن مصدرها ومهما يكن وطنها ومهما يكن لونها — واجب خطير، تقصر مصر أشنع القصور وأبشعه إذا لم تنهض به، ولم تسرع إلى النهوض به ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا.

تبدأ من ذلك بما تقدر عليه، وتهيئ الوسائل لتناول ما لا تقدر عليه في أقرب وقت ممكن، فإن لم تفعل فقد خانت تاريخها وسفهت نفسها وحكمت على أبنائها بأن يظلوا عيالًا على غيرهم لا يصلحون لأن يستقلوا بشيء من الأشياء.

وأنا أعيذ مصر وأبناءها من هذا الشر العظيم، وأدعو المواطنين ملحًّا عليه أشد الإلحاح أنْ يسرعوا إلى شكسبير وأشباه شكسبير من أعلام الأدب والثقافة، في كل قطر من أقطار الأرض، وفي كل جيل من أجيال الناس، قارئين ومترجمين ومفسرين وناقدين ومنتفعين بهذا كله، فهذه هي الحياة العقلية الجديرة بمصر والمصريين، والتي تحياها الأمم الراقية المتفوقة.

وأما بعد؛ فإن ترجمة العلم واجبة، وعلى العلماء وحدهم أنْ ينهضوا بها، وعلى الدولة والشعب أنْ يعيناهم على الترجمة. ومهما يكن من شيء فأبواب مصر ونوافذها يجب أنْ تُفتح على مصاريعها؛ ليدخل منها العلم والثقافة والأدب دون أنْ يحول حائل بينها وبين النفوذ إلى العقول والقلوب وأعماق الضمائر. فليتورط المصريون إذن معي في هذا الإثم العظيم، إثم الترجمة لكل ما ينفع العقل والقلب والضمير.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.