يقال: إن السادة المفاوضين قد ائتلفوا بعد اختلاف، واتفقوا بعد افتراق، وأصدروا قرارًا إجماعيًّا سيبلغ إلى الإنجليز ثم يذاع في المصريين. وقد وُصف هذا الإجماع بأنه وطني عظيم، وبأنه مطابق لأماني مصر. وقد خُيِّل إلينا حين سمعنا هذا الكلام أن السادة المفاوضين عادوا إلى الصواب بعد أن أمعنوا في الخطأ، وثابوا إلى الحق بعد أن لجُّوا في الباطل إلجاجًا. وقرروا بإجماع الآراء ألا مفاوضة مع الإنجليز حتى يقبلوا الجلاء معجلًا لا مؤجلًا، وحتى يعترفوا بوحدة وادي النيل في ظل عرش واحد هو عرش مصر وتاج واحد هو تاج مصر، وحتى يعدلوا عن هذه الشركة البغيضة وعن هذا المجلس البغيض الذي ينظم الدفاع عن مصر؛ فيلغي استقلالها إلغاءً، ويضع الأصبع الإنجليزية — بل اليد الإنجليزية كلها — في المرافق المصرية مهما تختلف ومهما تتنوع.

وفهمنا كذلك أن السادة المفاوضين قد قرروا بالإجماع ألا يقحموا مصر في مشكلات الإمبراطورية البريطانية، قريبةً كانت هذه المشكلات من مصر أو بعيدة عنها، وألا يخوضوا ببلادهم غمرات الحرب إلا حين تكون مصر المعروفة بحدودها الجغرافية معرضة للخطر المباشر القريب.

فهمنا هذا كله فرضينا وابتهجنا، ولكن رضانا وابتهاجنا لم يتصلا إلَّا دقائق معدودات. فقد فسَّر لنا المفسِّرون أن السادة المفاوضين لم يجمعوا على شيء من هذا ولا على شيء قريب من هذا، وإنما أجمعوا على الاستمساك بذلك الاقتراح الذي قدموه إلى الإنجليز، وزعموا أنه آخر ما يستطيعون أن يقدموه. وقبلوا فيه مجلس الدفاع وقبلوا فيه تأجيل المفاوضات المفصلة في شئون السودان، وحددوا فيه أمد الجلاء بعام واحد فيما يقال. وعرَّضوا فيه مصر لخوض غمارات الحرب حين تثار الحرب في البلاد المتاخمة دون البلاد المجاورة … إلى آخر هذا الكلام الفارغ الذي يقطع الشعرة أرباعًا، ويبحث عن الظُّهر في الساعة الرابعة عشرة كما يقال! لم يجمع السادة المفاوضون على خير إذن، وإنما أجمعوا على شر عظيم؛ أجمعوا على الكارثة التي تخذي مصر وتغض من قدرها وتضيِّع حقَّها وتجعلها ضحكة للعالم الغربي البعيد وللعالم العربي القريب. والناس قد يجمعون على الخير؛ فيرضون عن أنفسهم ويرضى عنهم الناس. ولكنهم قد يجمعون على الشر؛ فلا يرضى عنهم أحد. ثم يختلفون بعد ذلك: فمنهم من يرضى عن نفسه؛ لأنه لا يحفل بخير ولا بشر، ولا يحفل بأحد غير نفسه، ولا يعنيه أن يرضى الناس عنه أو يسخطوا عليه. ومنهم من ينكر نفسه أشد الإنكار، ويضيق بها أشد الضيق؛ لأن له ضميرًا يعرف الحياء ويعرف الندم، ويعرف أن النفس أمَّارة بالسوء، ويعرف أنها ضعيفة أمام بعض الظروف، فهو يذعن في النهار ويندم في الليل، وهو يأثم اليوم ويبكي غدًا، ثم يتوب حين لا تغني التوبة عن أصحابها شيئًا. وليس المهم أن يرضى السادة المفاوضون عن أنفسهم أو أن يسخطوا عليها، وأن يكون منهم الراضي ومنهم الساخط، وإنما المهم ألا يخدع المصريون عن حقِّهم، وألَّا تغرهم الأماني والآمال والدعاوى العراض تذاع في شمال الوادي وجنوبه.

فالمصريون يعرفون حقَّهم كما يعرفون أنفسهم، والمصريون يعرفون الكيد الذي يُكاد والأمر الذي يُراد. وهم يعرفون الضمائر المرنة كما يعرفون الضمائر الصلبة. وهم يفرِّقون بين الجِدِّ والهزل كما يفرِّقون بين الذين يقدمون على الجد والذين يتخذون أمور الحياة لعبًا وهزءًا. المصريون يعرفون أنهم لا يريدون مشاركةً مع الإنجليز لا في الدفاع عن مصر ولا في غير الدفاع عن شئون مصر. ويعرفون أن وحدة وادي النيل حق لوادي النيل وحق لعرش وادي النيل. فالتفريط فيها تفريط في حق الأمة وفي حق العرش جميعًا. والمصريون يعرفون أنهم لا يريدون أن يكونوا جنودًا للبريطانيين، يسفكون دماءهم للدفاع عن مصالح الإمبراطورية البريطانية في البلاد المتاخمة أو المجاورة أو البعيدة. المصريون يعرفون هذا كله كما يعرفون أنفسهم، ولا يرضون من السادة المفاوضين إلا أن يجمعوا على هذا كله لا يختلفون منه في قليل أو كثير. فأمَّا أن يجمع المفاوضون على الاقتراح الذي قدموه أو يختلفوا في هذا الاقتراح، وأمَّا أن يجمع المفاوضون على المقترحات البريطانية أو يختلفوا فيها، فسخف لا يعني المصريين في قليل ولا كثير؛ لأن الحلال بيِّن والحرام بيِّن، والمصريون يعرفون ما يريدون، ولا يعنيهم أن يتورط السادة المفاوضون فيما يتورطون فيه من شبهات.

ومع ذلك فمن الإجماع ما يحزن، ومن الإجماع ما يضحك. وإجماع السادة المفاوضين على ما أجمعوا عليه أمس من هذا النوع الثاني. فهم كانوا مختلفين منذ عاد سفيرنا من لندرة، وكان اختلافهم شديدًا وكان خطيرًا إن صحت الأنباء.

فقد قيل: إن رئيس الوزراء كان يرى قبول المقترحات البريطانية التي حملها إليه السفير، وأنه بذل جهدًا غير قليل ليقنع بذلك زملاءه المفاوضين؛ فاستجاب له بعضهم وامتنع عليه بعضهم الآخر. فلما استيأس من الممتنعين وأعياه إقناع المفاوضين جميعًا؛ حاول إقناع الوزراء، فأتيح له من ذلك ما أراد، وأجابه مجلس الوزراء إلى إجماع كامل شامل يناقض بالضبط إجماع المفاوضين أمس.

وكذلك وقف مجلس الوزراء في ظل إجماع رائع، ووقف السادة المفاوضون في ظل إجماع آخر ليس أقل منه روعة. المجلس يقبل المقترحات البريطانية بالإجماع، وهيئة المفاوضين ترفضها بالإجماع، ورئيس الوزراء متفق مع المجلس في إجماعه؛ لأن إجماع المجلس لا يتم إلا باتفاقه، وهو متفق مع هيئة المفاوضات في إجماعها؛ لأن إجماعها لا يتم إلا باتفاقه.

وإذن، فهو يقبل المقترحات البريطانية ويرفضها، واجتماع الضدين مستحيل فيما يقول أرسطوطاليس، ولكن أرسطوطاليس يقول أيضًا: إن الضدين لا يجتمعان إذا اختلف المكان، فرئيس الوزراء يقبل المقترحات في مجلس الوزراء، ورئيس الوزراء يرفض المقترحات في هيئة المفاوضات. وإذا اختلف المكان أو اختلف الزمان لم يجتمع الضدان، والمكان مختلف كما ترى، وليس الزمان أقل من المكان اختلافًا. فرئيس الوزراء كان يقبل المقترحات البريطانية إلى الساعة الحادية عشرة من صباح أمس، ثم أصبح يرفض هذه المقترحات حين انتصفت الساعة الأولى بعد ظهر أمس، المكان مختلف والزمان مختلف؛ فلم يجتمع الضدان ولم يتورط رئيس الوزراء ولا وزير الخارجية في هذا المجال الذي يأتي من اجتماع الضدين. ومجلس الوزراء قابل للمقترحات البريطانية منذ جلسته الأخيرة، ولكنه سيرفضها — بإذن اللَّه — في جلسته المقبلة. سيتحقق التضامن الوزاري من جهة، وليتحقق التضامن بين المجلس وبين هيئة المفاوضات من جهة أخرى.

وإذا اختلفت العلة اختلفت النتيجة بطبيعة الحال. فقد كان مجلس الوزراء قابلًا للمقترحات؛ لأن رئيس الوزراء كان لها قابلًا، وسيصبح مجلس الوزراء رافضًا للمقترحات؛ لأن رئيس الوزراء أصبح لها رافضًا. والشيء المحقق هو أن هناك إجماعين كلاهما يَسرُّ القلوب ويُسري عن النفوس. والمصريون في حاجة إلى ما يَسرُّ قلوبهم ويُسري عن نفوسهم في هذه الأيام الشداد، التي ينذرهم فيها الفيضان بشر مستطير. فليبتهج المصريون بإجماع أمس كما ابتهجوا بإجماع مجلس الوزراء منذ أيام، وكما سيبتهجون بإجماع مجلس الوزراء غدًا أو بعد غدٍ.

صنع اللَّه لمصر! متى يأخذ الساسة أمورها على أنها جدٌّ لا لعب؟ ومتى يريحها اللَّه من هذه المغامرات؟ ومتى تجتمع كلمة الكثرة والقلة على الشيء الطبيعي الوحيد الذي لا ينبغي أن يكون فيه خلاف، وهو أن الشرط الأساسي لإمكان المفاوضات الحرة المنتجة إنما هو جلاء الإنجليز قبل كل شيء عن وادي النيل؟

هنالك — وهنالك ليس غير — نستطيع أن نفاوض الإنجليز لنحالفهم أحرارًا، فنقبل الحلف أو نرفضه. فأمَّا أن يجثم العدو على صدرك، ويضع السكين على عنقك، ويدعوك إلى مفاوضة حرة؛ فهذا هو الذي لا يكون إلَّا في مصر، ولا يعرضه إلا الإنجليز!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.