إن ألفاظ السباب إذا صارت سُنَّة جارية في البيئة وتعوَّدها الإنسان كانت أمرًا مألوفًا، فكل إنسان يشتم غيره ويقبل الشتم من غيره، فيصير تبادل المزاح بأشد أنواع السباب والشتم في مثل هذه البيئة نوعًا من السماحة والكرم الحاتمي، ودليلًا على الألفة والمودة، ولكن من الغريب أن العشيرين في هذه البيئة قد يتبادلان السباب وأشد أنواع الشتم بالبشاشة والسماحة في مجلس، وفي مجلسٍ آخر قد تؤدي الكلمة الهينة أو الكبيرة من السباب إلى إراقة الدماء والقتل.

ليس من السهل أن نعرف الحد الذي عنده ينتهي باعث احترام المرء نفسه بإخفاء حقيقة حاله وتجمُّله؛ صونًا للناس عن الاطلاع على حاجته وسوء حاله، وهو الحد الذي يبتدئ عنده النفاق المرذول. فكم من أناس ينفقون في المظاهر ويبذلون للكماليات ما هو أحق بالإنفاق على الضروريات، ويرون سعادتهم في هذه الخطة كي يستطيعوا الزهو والكبرياء، وتعيير من لا يستطيع الإنفاق في سبيل الكماليات! وليحسب الناس أنهم إنما ينفقون في الكماليات عن سعة في الرزق، وكي يستطيعوا احتقار غيرهم ممن ضاقت به الحال، أو ممن كان أعقل من أن يلتزم هذه الخطة في الإنفاق على الكماليات وهو محتاج إلى الضروريات، والناس أولى بأن يعطف كلٌّ على أخيه بدل الزهو والمباهاة المُؤسَّسة على الباطل.

إن نصف آلام المحب إذا زهد فيه من يحبه وجفاه ناشئ من الغرور والعجب بالنفس، لا من الرقة والحنان وطيب القلب، ولكنه يخلط بين أثرته وطيب قلبه وحنانه، وقد يفعل ذلك مخدوعًا بإحساسه وهو لا يدري، كما يخدع به القصصيون الذين يصفون أمثال هذا العاشق المهجور، فيكون في انخداعهم وخداعهم للقارئ شيء من السماحة إذا فطن القارئ.

بعض الناس قد تغيظهم سعادة أصدقائهم إذا طالَع هؤلاء طالِعُ يُمنٍ، ولكنهم بالرغم من ذلك إذا أصاب صديقًا سُوءٌ، وحلَّت به كارثة يعطفون عليه، ويُظهرون الإشفاق عليه من شقائه الذي حل به، بعد أن كانوا يحسدونه على سعادته ونجاحه، فالنفس الإنسانية قد تجمع بين مرارة الحسد وحلاوة العطف، وبين أحقاد المنافسة والمشاركة في الحزن والمصاب، فإن أحقاد المنافسة قد تختفي في نفس المرء عندما يعثر الحظ بمُنافسيه، فيظهر له كرم المشاركة في الحزن «إما خالصًا، وإما ممزوجًا بشيءٍ خفيٍّ من التشفِّي والارتياح»؛ فرأفة الشهامة وخسة الدناءة قد تجتمع في النفس الواحدة، وقد تمتزج فيها.

قد تعارف أكثر الناس على أن لكل منهم الحق في أن يغتاب صديقه، ثم يتصافحان ويتعاشران ويتزاملان بطلاقة وابتسام، وإظهار للود إذا اجتمعا — وقد يسمع كل منهما بأُذنه حتى ساعة اللقاء أو قُبَيْله شتم الآخر له، فيدَّعى أنه لم يسمع — ومَن يحاول من الناس حملهم على تغيير هذا الطبع يلاقي مقتًا وعداءً، كأنه يريد أن يَحرِمهم من حقٍّ لهم مقرر مفروض معروف؛ ألا وهو حقهم في اغتياب مُعاشِرهم وزميلهم، وكأنهم يخشون إذا تنازلوا عن حقهم طوعًا أن لا يتنازل غيرهم، فتلحقهم الخسارةُ، ويحل بهم الغَبْنُ، وينقلبون بالغيظ على مَن يريد حمْلهم وحضَّهم على التنازُل عن حقِّهم المقرر المفروض في اغتياب مُعاشِريهم وزُملائهم، ويعدونه ظالمًا لهم أو قليل الإنصاف.

إن المرء قد يزول حبه أو تفنى مودته لإنسان فلا يرى في زوال حبه وفناء مودته خيانة منه لذلك الإنسان، ولا غدرًا به، ولا نقصًا في نفسه. أما إذا زالت مودة إنسانٍ له، فإنه يدهشه زوالها، ويعد ذلك الزوال غدرًا ونقيصة وخيانة، حتى إنه قد ييأس من صلاح الناس والحياة، وقد يَبْخَع نفسه بالحزن والضيق مع أنه كان لا يرى في تغيُّره للناس مضايقة لهم، ويتألَّم وكان لا يرى في تبدُّله للناس أبدالًا ألمًا لهم، ولا يفطن إلى أن ذلك الخُلُق منه من الأثرة وحب الذات، الذي يبيح لنفسه ما لا يبيح للناس، وينعي ويعيب على الناس ما لا ينعى ولا يعيب على نفسه.

كثيرًا ما نخطئ فنظن أن عهدي الطفولة والصبا هما عهدا البراءة والطهارة والخلو من الكذب والخداع. وعندي أن كثيرًا من الكبار لا يتقنون خداع الناس وتكلُّف غير الحقيقة لهم كما يُتقنُه الصغار. وهؤلاء الصغار يخدعون أنفسهم ويخدعون الناس بأمورٍ ينبغي أن لا تجوز عند أحد، أو تنطلي، أو تختفي، أو تُلبَّس. وكلما كبر الإنسان تعلم كيف يُقدِّر الحق، وكيف يميل إلى البساطة، إلا إذا ظل المرء أشبه بالطفل في كِبَره، وكم من كذبةٍ من صغير السن أججت نار عداءٍ بين الكبار! والكبار ينسون ما كانوا عليه في صغرهم من استساغة الكذب، وسهولته لديهم، ولا يصدقون أن صغيرهم الطاهر البريء كاذب، فيقبلون قوله على علَّاته، ويُمعِنون في العداء بسببه، ولعل عَجْزَ الصغار أمام إلحاح رغباتهم، أو خيالهم، أو أهوائهم، وقلة خبرتهم بأمور الحياة أمور تدعوهم إلى عدم المبالاة إذا اعتزموا الكذب، وتهيئ لهم وسائل استثمار ثقة الكبار بهم، وأمثال هذه الأمور هي التي تحمِلهم على سلوك ما ينافي سذاجة الصغر وما يجافي طهارته، ثم هم إذا فوجئوا في هذا المسلك أنكروا سلوكه بدهشة وحِدَّة. وهذه الدهشة وهذه الحدة يشتبه فيها البريء وغير البريء.

مما يزيد المرء اعتقادًا في عظمته، ويُسهِّله لديه، ويُمكِّنه منه: خضوعُ مَن حولَه وتملُّقهم إيَّاه، فيلبس لباس العظمة الذي يُلْبسه إيَّاه من حوله. وهم إذا أقنعوه بعظمته لنيل مأرب من جاهه، أو مرتبته، أو ماله؛ أقنع نفسه، وأقنعوا هم أنفسهم بعظمته، على الأقل إلى أن ينالوا ما يريدون. والرجل المتواضع الذي لا يرى في نفسه عظمة إذا عرض لهذا التأثير، فإنه قد ينتهي بأن يظن في نفسه العظمة. والمشاهدون أمثال هذه الحالات ينتهي بهم الحال إلى الاقتناع بعظمة هذا الإنسان من طريق العدوى، أو الطمع الأشعبي في خير يصلهم عن طريق هذه العظمة التي يُؤسِّسونها لغيرهم. ولولا هذا الانخداع الأشعبي ما اشترك أكثر الناس في الاعتراف بعظمة إنسان، أو تأسيس بنيانها.

من الغريب أن اثنين من الناس قد يشعران بميل كلٍّ إلى الآخر، أو بنفور كلٍّ من الآخر من غير سبب ظاهرٍ وجيهٍ معروفٍ، وكما أن بعض الناس قد ينفر من رائحة يحبها غيره، أو يتأذى ويمرض من طعام يَصحُّ به غيره، فكذلك قد ينفر إنسان من مودة إنسان آخر، ويصيبه مرض إذا ذاق مودة هذا الإنسان، بينما يذوق غيره تلك المودة ويستطيبها فيلتهمها التهامًا، ويصحُّ على ذلك، ولا تدري سببًا ظاهرًا معروفًا لهذا الأمر.

كما أن عباد الشيطان يعبدونه ولكنهم يُحرِّمون ذكر اسمه، كذلك بعض الناس يتَّصفون بصفات السوء فيَطلُونها بطلاء يُخفيها، ويرون أنه ليس من الكياسة واللباقة والآداب وصف أخلاقهم، حتى ولو كان وصفًا عامًّا، ولكنه كالحزِّ في المفصل، ويعدون ذلك مِن كُره الواصف للإنسانية المعذبة، ومِن قلَّة الرحمة بالناس. وهم يأبون هذا الوصف إذا خشوا أن يلحظ الناس فيه تعريضًا بسيئاتهم … أما إذا كانوا يريدون الأذى لإنسان زال تحريم ما كانوا يحرمونه من وصف السيئات، ولا يفطنون إلى أن هذا أيضًا تعريض بسيئات نفوسهم.

إن حكمة الله الخفية قد تقضي أن يقهر أهل الخير والفهم، وأن يذلهم، وأن يرفع أهل الأثرة والحماقة والشر، ومن أجل ذلك ينبغي أن يتواضع صاحب النجاح والسعادة، وأن يخشع أمام إرادة الله، وقسمة الحظوظ التي تقضي بذلك، وأن لا يغتر بنصيبه من الحياة، فإنه أشبه بما يسمى «اليانصيب»؛ فالحياة كثيرًا ما تكون كالاقتراع: هذا ينال الدمقس والحرير والقصور المُشيَّدة، وذاك نصيبه الخِرَق البالية، ومُعاشَرة الكلاب الضالَّة، ولكن الإنسان قلما يؤمن بذلك، بل يرى أن كل إنسان نال ما يستحقه من الطيبات، فمن حُرم منها كان حِرمانه دليلًا على نقص وعيب، ومن لم يُحرَم منها، بل كان نصيبه من طيبات الدنيا جزيلًا دلَّت جزالة نصيبه على خلوه من النقص والعيب.

ولقد رأيت من مظاهر النجاح وعرفت من أسبابه ما زهدني في الهتاف للناجحين، ومن السير في ركابهم، وسواء أرأيت محافظ المدينة ذاهبًا إلى وليمة في قصر المحافظة أم رأيت سجينًا يُقاد إلى المشنقة، فإني لا أغتر بظواهر الأمور، بل أنظر في نفسي، وأنظر في نفوس الناس، فأرى أن محافظ المدينة ليس أعظم مني نفسًا، ولست أعظم نفسًا من الآثم الذي يُسار به إلى الهلاك، وأن الأول لو رُبِّي كما رُبِّي الثاني لكان مثله.

يقول بعض المتكالبين على النجاح: «النزاهة أحسن وسيلة للنجاح.» ولو اطمأن الرجل غير النزيه إلى أن قلة الزاهة أحسن وسيلة للنجاح لما تردد في أن يكون غير نزيه، وبعضهم يرددها وهو غير آخذ بسُنَّةٍ للنزاهة؛ كي يظن مَن يُعامِله أنه آخذٌ بها، ولعله يُردِّدها كي يأخذ الناس بها، فيَربح من نزاهتهم، ثم يَحرمهم الربح من نزاهته.

ما أعجب رشاقة المرأة إذ تنافق وترائي! وما أحب وألطف خفتها ولباقتها إذ تُداهن وتُداجي من غير تعثُّر أو ارتباك! ذلك لأن الضعيف المغلوب على أمره يحاول أن يتقن هذه الصفات، وأن يكسبها جمالًا ومحبة. وقد مرَّت المرأة في عصور طويلة كانت فيها في حاجة إلى أن تتعلم رشاقة الرياء، وجمال المداهنة.

قد يستسيغ المرءُ الناسَ وعشرتَهم على مضضٍ وألم، وهو يحاول إخفاء ذلك كمن يشرب الدواء المرَّ للضرورة في هدوءٍ واستسلام، ولكن تقلُّص وجهه يدل على ما يعاني من مضض وإن أنكر ذلك، وقد يستعين بقطعة من السكر ليُزيل بها مرارة الدواء، كما يستعين الأول بما هو شبيه بقطعة من السكر كي يزيل مضاضة عشرة الناس من نفسه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.