ليس معنى تحرير سياسة مصر الخارجية أن مصر قد صارت تستطيع أن تفعل ما تشاء أو أنها أصبحت لا تراعي في رسم سياستها إلا مصالحها الخاصة. ليس هذا هو المقصود من تحرير السياسة فإن الدولة التي يمكنها أن تزعم أنها طليقة تتصرف كما تهوى لا توجد في هذا الزمان، كما أن الدولة التي تغفل العالم أو تتغافل عما يجري حولها تجني على نفسها شر جناية. وإنما المقصود من قولنا إن تحقيق الجلاء يحرر سياسة البلاد هو أن تقيم مصر سياستها الخارجية على قواعد من صُنعها هي ووفق مبادئ تؤمن بها وتستهدف بها خيرات تقدِّرها هي؛ وهي إذ تفعل ذلك ترحب بالعمل مع العاملين لبلوغ تلك الأهداف. فالمسألة إذن — كما ترون — ليست تصرفات تمليها الأهواء، وليست اعتزالًا للعالم، وليست إغفالًا للمسئولية، بل سياسة روية ومسئولية لتحقيق خيرات لمصر ولشعوب أخرى وللعالم. وقد تتضح السياسة المصرية غير محررة من أمثلة متعددة يذكرها الذاكرون.

شعوب القرن العشرين

وشرط تحرير السياسة القوة، قوة اليقين التي تقتضي العلم والمال والحديد. وبناء هذه القوة شأن السياسة الداخلية، وموضوعنا الآن السياسة الخارجية. والسياسة الخارجية المحررة تعمل لتحقيق خيرات خاصة وعامة. وبعد، فما هي هذه الخيرات؟ هي تلك الخيرات التي ينبغي أن يصبو إليها في عالم القرن العشرين شعبٌ من شعوب الأمة العربية والجامعة الإسلامية، وطنه حوض النيل، ويلتقي عنده البحر الأحمر والمتوسط والقارات الثلاث؛ فلنا وعلينا بحكم ظروف الزمان والمكان حقوق وواجبات وقضاؤها هو شأن السياسة الخارجية.

الحكومة العالمية

ولنبدأ بما يتعلق منها بما يصح أن نسمِّيه أمور الحكومة العالمية، وقد يُعترض على التسمية بأنه لا توجد حقيقة يصح أن يطلق عليها هذا الاسم. والاعتراض صحيح إن قصرنا النظر على مسائل السياسة والحرب، ولكن في الوقت نفسه يغفل الناس عادةً عن أن مصالح كثيرة جدًّا تنظمها اتفاقات ومعاهدات وتدبرها هيئات وأدوات دولية، فمن ذلك شئون الملاحة في البر والبحر والجو، وشئون المواصلات بالبريد واللاسلكي والسلكي، والشئون الصحية من وقاية الإنسان ووقاية النبات والحيوان، وقواعد استخدام العمال، ومحاربة المخدرات وتجارة الرقيق الأبيض، ومعالجة شئون النقد، وتوزيع المحصولات الأساسية … إلى غير ذلك مما لا يتسع المقام لتفصيله. ونطاق الحكومة العالمية هذا آخذ في الاتساع وخصوصًا بعد تأليف الهيئات المعروفة للصحة العالمية والزراعة والتغذية والعمل والتربية والعلوم والثقافة، ولمصر مشاركة في هذه كلها.

السياسة المصرية والأمن العالمي

وأما بالنسبة للشئون السياسية العالمية، فمن أهداف السياسة المصرية تحقيق الأمن للعالم، فإن لم يكن أمن للعالم كانت مصر بلا أمن تحيا حياة الخوف واليأس. وتحقيق الأمن للعالم من جانب مصر يقتضي منها أن تكون قوية، وأن تكون ذات تصميم على أن تمنع الحصة من الأرض التي قسمها الله لها من أن يتصرف فيها من يستخدمها للسيطرة على الغير. وأخص واجباتها في هذا السبيل أن تعمل على أن تكون قناة السويس حرة في السلم والحرب، وألا تُستخدم إلا في مصالح الأمم؛ وهذا المبدأ العام يحدد لمصر خططها ومواقفها من المسائل والمشكلات التي تعرض من يوم لآخر.

وهذه المسائل والمشكلات منها ما يقع فيما بين الدول العظمى، ومنها ما يهم الدول العربية أو الإسلامية بالذات، ومنها ما يتصل بالمبادئ والقضايا المدونة في إعلان حقوق الإنسان. فأما ما يقع بين الدول الكبرى ولا يتصل مباشرةً بنا أو بشركاتنا العربية أو الإسلامية فالحكم فيه يرجع لمبدأين، ويرجع أولًا لمقدار اتصال المشكلة أو المسألة بالأمن العالمي، فسياستنا أن نتخذ عند ذلك الخطة التي نعتقد أنها أقرب تحقيقًا لذلك الأمن، ويرجع ثانيًا لمبدأ عالمي آخر هو تأييد أي الفريقين أكثر من الآخر معاونة عملية لا كلامية لقضايانا ومساعينا ولقضايا العروبة ومساعيها. وأما ما يُعرض على الهيئات السياسية الدولية مما يهم الدول العربية أو الإسلامية، فخطتنا واضحة، هي تأييد تلك القضايا بكل ما نملك. وأخيرًا نصل للمبادئ المتصلة بإعلان حقوق الإنسان، وموقفنا فيها أيضًا واضح، هو العمل بكل ما نملك على أن نجعل من ذلك الإعلان حقائق.

قضايا العروبة

هذه شئون عامة لا تستغرق إلا جزءًا من نشاط سياسة مصر، فلننتقل منها لقضايا العروبة، ولا بد للمستعرض لتاريخ تلك القضايا من أن يعترف بأنه قد أصابها (في الماضي) شيء من التعثر، وأن ما حصلنا عليه من النتائج لا يتكافأ مع آمالنا ورجائنا. ولنبحث عن السر في ذلك، ولنبدأ بالقول بأن ما جرينا عليه من طرائق النقد والدرس والشرح لا يهدينا إلى الحقيقة بالمرة، فإلقاء بعض العرب اللوم على البعض الآخر، أو إلقاء التبعة على رجال الأمانة العامة لجامعة الدول العربية أو على نظامها، كل هذا لا يفسر شيئًا، إنما الذي يفسره أن نقول إن «الوحدات» التي تمت سريعًا هي «الوحدات» التي فُرضت فرضًا، فُرضت بقوة السلاح؛ هكذا تم تكوين المملكة المتحدة البريطانية، وهكذا تم تكوين «فرنسا»، وهكذا تمت الوحدة الإيطالية والوحدة الألمانية. أما «الوحدة» التي تنمو بالتراضي والاتفاق وبالأخذ والعطاء — أي التي تُبنى بناء — شأن الوحدة العربية فهذه لا بد من سعي متواصل ومن زمن، لا بد لها من أساليب الصراحة ومواجهة الحقائق، وتقدير كل شعب عربي لظروف الآخر، ومعالجة المسائل بالصبر والأناة وتغليب الكسب الواقعي على كمال الشكل أو أناقته.

وإن لنا في جامعة الأمم البريطانية مثلًا حيًّا لا شك يُعتد به فيما يتعلق بتلك الجامعة، وأعضاؤها فيما بينها يعترف كل منهم للآخر بمسئوليات ومصالح إقليمية خاصة يحتم عليه انتهاج مناهج لا يشاركه فيها سائرهم، ومع ذلك فبينهم في المسائل الرئيسية العامة اتفاق تام. والشيء الآخر أننا جربنا في محافلنا العربية المختلفة — ثقافية أو اقتصادية أو سياسية — أن تجري في جو من الحمية يحدو بنا عادةً إلى إقرار ما نتحدث فيه بالإجماع أو بشبهه، وفي مثل هذا الجو تختفي الصعوبات والاعتبارات العملية، فإذا ما حل موعد التنفيذ فعلت تلك الصعوبات والاعتبارات فعلها؛ ويأتي حينئذ وقت إلقاء اللوم على عدم التنفيذ فتلقيه على إدارة من إدارات الأمانة العامة أو على الحكومات وما إلى ذلك، ولو كنا بدأنا بمواجهة الصعاب فقررنا ما تيسر إجراؤه لَمَا كانت خيبة أمل ولانتقلنا من حيث وصلنا إلى مرحلة أخرى.

ويتصل بتحرير السياسة الخارجية المصرية وتحديد ميادينها الكلام في مسألتين؛ الأولى: هيئة الرأي العام المستنير للحكم الصالح في شئون السياسة الخارجية، والمسألة الثانية هي أن السياسة الخارجية هي في النهاية لب موضوع العلاقة بين مصر والعالم.

فأما عن تهيئة الرأي العام فالحاجة ظاهرة إلى تكوين الرجال المتثبتين، وهذا قد بدأنا به بإنشاء معهد العلوم السياسية الجامعي ومعهد الدراسات العربية، ولما يمضِ عليه إلا عام دراسي واحد، يعقبه بعد بدء قيام أعضائه من الطلاب بالتمرين على قواعد البحث والدراسة.

وأخيرًا قولنا إن السياسة الخارجية هي لب موضوع العلاقة بين مصر والعالم. ومن تحصيل الحاصل أن نقول إنه لا بد من علاقة، أو لا غنى عن علاقة، ولكن على أي وجه تكون أو على أي وجه نرتضي ونريد؟ هذا الوجه تحدده حقيقة لا شك فيها هي أن الشعوب جمعاء قد صارت في هذا الزمن وريثة الحضارات جمعاء، وأن الأوصاف التي تُوصف بها تلك الحضارات قد صارت الآن مجرد تعبيرات خارجية وجغرافية، وأن كل شعب من شعوب العالم يواجه من المشكلات والقيم الروحية والأخلاقية ما تواجهه سائر الشعوب.

ويعجبني قول الشيخ رفاعة في مستهل النهضة المصرية في الحث على معرفة سائر المعارف البشرية المدنية التي لها مدخل في تقدم الوطنية … ولا سيما وأن هذه العلوم الحكيمة العملية التي يظهر الآن أنها أجنبية هي علوم إسلامية نقلها الأجانب إلى لغاتهم من الكُتب العربية. هذه ناحية من نواحي علاقة مصر بالعالم قد فرغت مصر من البت فيها، ولكن لا يزال — فيما يتعلق بغيرها — أوهام بالنفوس عالقة، على الرغم من أن ما يجري تحت أعيننا يدل على أن مصر تشارك فعلًا في شئون العالم. فالسياسة الرشيدة هي تلك التي تقوم على قاعدة قبول أوضاع المشاركة طوعًا، ثم تتعرف حقوقها وواجباتها ومسئولياتها، ثم تضع خططها لتحقيق الخير لنفسها ولغيرها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.