سيلقيها وزير التقاليد إن شاء الله حين يمضي من هذا الشهر ثلثاه، وحين يستقبل الناس مساء اليوم الحادي والعشرين منه، هنالك في اجتماع كبير خطير، يضم الأعلام وغير الأعلام من أعضاء الحزبين الشقيقين، ومن أوليائهما وأصدقائهما، ويزدان بهذه المصابيح المنيرة، والكواكب المشرقة من وزراء الدولة، على اختلاف أحزابهم وميولهم.

هنالك في هذا الاجتماع الكبير الخطير، ستُقْبِل هذه الخطبة على أهل الإسكندرية رائعة كالليل، متدفقة كالسيل، نستغفر الله أن من الخطأ البياني والضعف الأدبي أن يُشبَّه تدفق الخُطَب بتدفق السيل في هذه الأيام التي ينحدر فيها النيل هائلًا مخوفًا كأن في كل موجة من موجاته عفريتًا من الجن؛ فهو لا يدع شيئًا مَرَّ به إلا اقتحمه اقتحامًا، أو التهمه التهامًا، أو التقمه التقامًا حتى أزعج الظاعن والمقيم، وروَّعَ القريب والبعيد، وأقام وزارات الأشغال والحرب والأمن وغيرها من الوزارات على قدم واحدة لا على قدمين.

إذن؛ نستقبل خطبة وزير التقاليد، على أهل الإسكندرية رائعة كالليل، متدفقة كالنيل، وهنا مشكلة أخرى؛ فإن السجع لا يستقيم بين الليل والنيل، كما كان يستقيم بين الليل والسيل؛ لأن نون النيل مكسورة. فهل يأذن لنا المجمع اللغوي في فتحها ليستقيم الكلام، فما ينبغي أن نتحدث عن خطبة يلقيها وزير التقاليد بكلام لا يستقيم. مهما يكن من شيء، فستكون هذه الخطبة رائعة، بارعة، وعنيفة مخيفة، ورقيقة رشيقة، ومفحمة ملزمة. وسيؤمن الإسكندريون، ثم يؤمن معهم المصريون، ثم يؤمن معهم الشرقيون بأن عصر الفصاحة والبلاغة والبيان المعجز لم ينتهِ بَعْدُ، وأن الأمة العربية ما زالت بخير، وأن من حقها أن تطمئن على أنها ما زالت لغة الضاد، التي لا ينبغي الشك في أنها أفصح اللغات؛ فوزير التقاليد أفصح مَنْ خَطَبَ ومَنْ سيخطب، وأبلغ مَنْ كَتَبَ ومَنْ سيكتب، وأبرع مَنْ دَافَعَ ومَنْ سيدافع، وأقدر مَنْ حَاوَرَ ومَنْ سيحاور على إفحام الخصوم.

والناس مختلفون في الموضوعات التي سيتناولها وزير التقاليد في خطبته السياسية الخطيرة حين يلقيها في اجتماعه السياسي الخطير، فمنهم من يزعم أنه سيثبت بالبرهان القاطع، والدليل الساطع أن النظام مستقر، وأن أمور الأمن تجري على ما يرام، ومنهم من يظن أنه سيتنبأ بما ستجري به الحوادث: إذا جاء الشهر المقبل، فسيكون شيء من تغيير ولكنه يسير، يقف عند إخراج وزير وإدخال وزير، وقد يتجاوز ذلك إلى إقامة رئيس مكان رئيس، ومنهم من يقول إنه سيتحدث عن الصلة بين مصر وإنجلترا، وسيزف إلى سامعيه أنباء مفاوضات لا ريب فيها، ومعاهدات لا مفر منها، وسينتهي من ذلك إلى إعلان أن الوزارة لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن …

أما أنا فلا أصدق شيئًا من هذا ولا أَمِيل إليه، وإنما الظن أن وزير التقاليد قد أحس أن غيبة البرلمان قد طالت، وأن سكوت الوزارة قد اتصل، وأن الحكومة قد أقدمت على أمور، وأحجمت عن أمور، وأن الشعب في حاجة إلى خطبة سياسية رائعة جامعة، تبين له عما خفي من سياسة الوزارة، وتفسر له من سيرتها الغامض والملتوي.

وإذن؛ فستكون خطبة وزير التقاليد السياسية أشبه الأشياء بخطبة برلمانية، يُراد بها طمأنة البرلمان على ما كان، وإذا اطمأنَّ البرلمان فقد اطمأنَّ الشعب؛ لأن البرلمان صورة الشعب كما يقول فقهاء الدستور.

وعلى هذا، فسيكون وزيرُ التقاليدِ ترجمانَ الوزراء جميعًا ينطق بلسانهم، ويعرب عما ظهر وبطن من أغراضهم وآمالهم، وهو سيبدأ من غير شك بوزارة المعارف عملًا بالحكمة القديمة: ابدأ بنفسك ثم بمن تعول. وهو سيبين للناس كيف نُقِل الأستاذ مصطفى نظيف من مدرسة الهندسة العليا إلى مدرسة أسيوط الثانوية بعد أن شُغِل المنصب الذي كان الأستاذ يُرشَّح له بأستاذ بريطاني عملًا بالحكمة القديمة القائلة: من تواضع لله رفعه! لأنه يحس في المصريين شيئًا من الطموح والكبرياء؛ فهو يريد أن يعلمهم كيف يتواضعون.

وسيبين للناس كيف فُصِل الأستاذ السنهوري من كلية الحقوق بقرار من مجلس الوزراء، في غير تحقيق ولا سؤال؛ لأسباب منها ما هو مكذوب من غير شك، وإن لم يُعرَف بالضبط ذلك الكاذب الذي اختلقه وضلل به الوزراء، ومنها ما هو في حاجة إلى البحث والاستقصاء؛ لأنه لا يعدو أن يكون شبهة يدل كل شيء على أنها باطلة؛ عملًا بما أوصى به الحكماء من أن الغلو في الحذر خير من الركون إلى الثقة، ومن أنه يُباح للوزراء في أوقات الاضطراب أن يأخذوا بالظنة ويعاقبوا على الشبهة، ويسيروا سيرة زياد حين أخذ له أعرابي يَسِير في الليل بمدينة البصرة، فلمَّا سُئِل عن ذلك أنبأ بأنه قادم من سفر بعيد، ولم يعلم بما تقدَّم الأمير فيه إلى الناس، ألا يخرجوا إذا جنَّهُم الليلُ؛ فقال زياد للأعرابي: إنك لصادق، ولكن في قتلك صلاح الرعية! ثم أمر به؛ فأُذِيقَ الموت.

وسيبين للناس كيف اتخذ قانون التعليم الحر وسيلة إلى إنشاء مراقبة جديدة، ينفق فيها المال على بعض الرجال ويفسد بها النظام، وتختلط فيها أمور التعليم، وسيبين للناس كيف بسط سلطانه على المصريين الذين يتعلمون في أوروبا؛ فهو يراقبهم جميعًا، ويأمر الوزارات ألا تُعيِّن منهم أحدًا إلا إذا أذن بتعيينه، وسيبين للناس كيف مثل مصر في مؤتمر التعليم برجل لا يحسن لغة أجنبية، ولا يلم من أمور التعليم بشيء ذي بال، إذا قِيسَ إلى الإخصائيين في الوزارة وفي معهد التربية، وكيف كلف هذا الرجل الذي لا يُحْسِن لغة أجنبية أن يلم بالعواصم الكبرى ليبحث في مكتباتها عن الكتب العربية المخطوطة مع أن البحث عن هذه الكتب ميسور في غير سفر ولا ارتحال.

وسيبين للناس أشياء كثيرة أخرى حتى إذا أشبعهم من وزارة المعارف انتقل إلى وزارة الداخلية، فنوَّهَ ببراعة وزيرها الخطير في حماية الأمن، وإقرار النظام، ومحاربة الوفد، ومطاردة الوفديين، ومراقبة رئيس الوفد ومحاصرته، وحشد الجند له إن سافر أو أقام، ولن يهمل تبسيط الإجراءات ولا حماية الآداب على السواحل ولا جباية الضرائب في غير احترام للقانون، فإذا أشبع الناس من وزارة الداخلية انتقل إلى وزارة المالية، فأثنى على وزيرها النابغة بما هو أهله، وذكر استقباله للمندوب السامي في الصبرية، وذكر جهوده في حل مشكلة الدَّيْن العقاري التي لم تُحَلَّ بَعْدُ، وفي تفريج أزمة الدَّيْن العام التي ترك تفريجها للإنجليز، فإذا أشبع الناس من وزارة المالية انتقل إلى وزارة الحقانية، فذكر أزمة المحامين وكيف اختُلِسَتْ من البرلمان اختلاسًا، وذكر تشريع الصحافيين، وكيف يُراد أن يسبق به البرلمان مسبقًا، وذكر أزمة المحاكم المختلطة وكيف أُهْدِيَتْ إلى الإنجليز إهداء.

ثم ينتقل إلى وزارة الأشغال، فيذكر براعتها في حماية مصر من الغرق ومهاراتها في الإجابة على مذكرات المندوب السامي، حين يكتب إليها المذكرات، ولياقتها في الإعراض عن المصريين حين يسألونها عن بعض ما يعنيهم من الأمر.

وقد ينتقل إلى وزارة الأوقاف إن سمح له الوقت، ولم تُصِبِ التخمةُ أعضاءَ الحزبين الشقيقين، فيذكر عزمها على تغيير قصة المولد النبوي، ويثني على وزيرها، ويُسجِّل له هذه التضحية البالغة التي أقدم عليها في أغسطس الماضي، حين ذكر سعدًا وحده في غرفة من غُرَف داره، لم يشارك في هذه الذكرى أحدًا لأول مرة منذ مات سعد رحمه الله.

ثم ينتقل من هذه الوزارة إلى وزارة أخرى، ثم إلى وزارة أخرى، حتى يصوِّر حياة الوزارات كلها أروع تصوير، وأبلغه، وأشده اختلابًا للعقول وللقلوب، ثم ينظر فإذا رأى السامعين قد تعلقوا بشفتيه وأفنوا أنفسهم في شخصه وأصبحوا ملكًا له، يصرفهم كما يريد، صاح فيهم صيحة تُزلزَل لها الأرض، وتضطرب السماء وتنخلع لها القلوب: هذه سيرتنا أثناء غيبة البرلمان، فهي صورة لسيرتنا أثناء حضور البرلمان، وهي مقدمة لسيرتنا حين يحضر البرلمان في العام المقبل، فهل أنتم لها منكرون؟! هنالك يجيب المجتمعون بصوت واحد: كلا! فيقول الوزير في صيحته العنيفة المخيفة: فهل أنتم راضون؟ فيجيب المجتمعون بصوت واحد: نعم! فيصيح الوزير وقد امتلأ حماسة وقوة وبأسًا ويقينًا وثقة: فليسمع الإنجليز الذين يريدون التغيير!

ولكن الإنجليز قوم ينامون أحيانًا فيغرقون في النوم، ولا تزعجهم مثل هذه الصيحة، ولا يوقظهم مثل هذا الاجتماع!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.