يسبق إلى الخاطر كلما كثر الكلام عن التمثيل النسبي واستبداله بنظام الانتخاب الذي جرينا عليه في مصر أن نظامنا هذا بعيد جدًّا من طرق التمثيل النسبي، وأنه بمثابة الطرف الآخر الذي يقابله ويناقضه، فهما طرفان لا يتلاقيان.

والواقع أن نظامنا الذي جرينا عليه وسط بين نظامين متباعدين: أحدهما الانتخاب الفردي للحصول على الكثرة البسيطة، والآخر التمثيل النسبي لتمثيل كل حزب بنسبة نصيبه من أصوات الناخبين.

فالانتخاب الفردي للحصول على الكثرة البسيطة Simple Plurality يعطي حق النيابة كل من يحصل على أكثر الأصوات في الدائرة، ولو كان المرشحون الآخرون أمامه قد حصلوا على أضعاف أصواته.

فإذا كان عدد الناخبين في الدائرة خمسة عشر ألفًا وكان المرشحون فيها أربعة أو خمسة، فالمرشح الذي يحصل على أكثر الأصوات ينجح كيفما كانت نسبة أصواته إلى المجموع، ولو كان المرشحون الآخرون يزيدون عليه وينالون ضعف ما ناله من أصوات الناخبين.

فإذا حصل على خمسة آلاف صوت كان له حق تمثيل الدائرة، لأن نصيبه من الأصوات أكثر من نصيب المرشح الذي حصل على أربعة آلاف ومن نصيب كل مرشح آخر دون ذلك.

وعيب هذه الطريقة أن خمسة آلاف صوت ترجح على عشرة آلاف صوت لأن أصحابها متعددون.

أما التمثيل النسبي فلا يتأتى فيه هذا التفاوت، لأن كل صوت يدخل في الحساب، فتصبح نسبة الكراسي البرلمانية في النهاية مساوية لنسبة الناخبين.

وطريقتنا التي جرينا عليها في مصر وسط بين الطريقتين؛ لأن الكثرة البسيطة لا تكفي لتمثيل الدائرة، بل لا بد من الحصول على أكثر من نصف أصوات الدائرة بالغًا ما بلغ عدد المرشحين، فإذا كان عدد الناخبين خمسة عشر ألفًا كما تقدم فالذي يمثل الدائرة يحصل على سبعة آلاف وخمسمائة صوت يزيد عليها صوت واحد على الأقل لضمان صحة النيابة، فإن لم يحصل أحد المرشحين على هذه النسبة في الدور الأول أعيد الانتخاب بينه وبين من يليه وانتخب من يحصل على الكثرة المطلقة من الاثنين المتنافسين.

هذه الطريقة نسبية أيضًا وليست من قبيل الكثرة البسيطة التي تكتفي بمجرد الزيادة ولا تلاحظ فيها النسبة إلى أصوات الدائرة على وجه من الوجوه.

وعيبها: أن الدوائر لا تتساوى في عدد الناخبين، فينجح في دائرة من يحصل على ثلاثة آلاف، ويخفق في دائرة أخرى من يحصل على أربعة آلاف، ويتقدم إلى الاقتراع ألف في إحدى الدوائر ويبلغ عدد المتقدمين في دائرة أخرى ألفين أو أكثر، فينتهي الأمر أخيرًا بالتفاوت البعيد بين نسبة الأصوات ونسبة الكراسي في البرلمان، ويحصل حزب من الأحزاب على عشرين في المائة من كراسي البرلمان وقد حصل على أربعين في المائة أو زاد عليها في أصوات الناخبين.

لهذا فكر الساسة وفقهاء الدستور في ابتداع نظام يحفظ النسبة بين أصوات الناخبين وعدد النواب، فيكون للحزب نصف النواب إذا كان له نصف الناخبين، ولا يضيع صوت في الحساب الأخير.

وقد لجأ الساسة وفقهاء الدستور إلى أفانين من الطرق لتحقيق هذه النتيجة، ولا تزال هذه الطرق قابلة للزيادة والتنقيح، وكلما جربت طريقة منها ظهرت لها عيوب تدعو إلى التعديل.

فمن هذه الطرق طريقة الأصوات المتعددة التي تخول الناخب أصواتًا بعدد المرشحين في الدائرة، فإذا كان المرشحون خمسة كان للناخب خمسة أصوات يوزعها بين المرشحين كما يشاء، وجاز له أن يخص أحدهم بأصواته الخمسة كلها كما جاز له أن يوزعها بين اثنين أو ثلاثة من المرشحين.

وعيب هذه الطريقة: أنها تفتح الباب للمناورة واتفاق فئة من الناخبين على جمع الأصوات كلها في ناحية واحدة، فيصبح في وسع مائة ناخب أن يضعوا خمسمائة صوت في كفة واحدة فترجح هذه الكفة لا محالة بالإضافة إلى ما عداها من أصوات الناخبين غير المتفقين.

ومن طرق التمثيل النسبي إعطاء الناخب أصواتًا تقل عن عدد المرشحين ليستثني واحدًا على كل حال، ويتبين من جمع الأصوات من يخرج من الميدان باتفاق معظم الناخبين، وعيب هذه الطريقة هو عيب الطريقة السابقة وإمكان المناورة فيها على النحو المتقدم، فليست هي مقياسًا صحيحًا لنسبة التمثيل.

ومن طرق التمثيل النسبي طريقة الترتيب والأولوية، فيكتب الناخب ورقته ويرتب فيها المرشحين على حسب الأولوية عنده، أو يضع رقمًا بإزاء كل اسم ليدل على ترتيبه، ويلاحظ هذا الترتيب على التوالي حتى يستوفى العدد المطلوب من النواب.

وهناك طريقة التمثيل النسبي بالقائمة الواحدة أو القوائم المتعددة، وخلاصتها كما بينا في مقال الأسبوع السابق أن يقدر عدد الأصوات اللازمة للحصول على كرسي واحد، وأن ينال الحزب من كراسي البرلمان بنسبة أصوات الناخبين التي حصل عليها في جميع القوائم، فلا تختلف نسبة الأصوات، ونسبة الكراسي أقل اختلاف.

وقد دلت تجارب الأمم الدستورية على أن التمثيل النسبي مفضل في حالة واحدة وهي حالة الأحزاب المتعددة والحكومات التي تقوم على الائتلاف بين حزبين أو أحزاب كثيرة، فإن التمثيل النسبي هو حيلة الضرورة لقيام الحكم في تلك البلاد على أساس الدستور، ونقول إنه هو حيلة الضرورة لأن الأمم لا تلجأ إليه إذا استطاعت أن تحصر مسئولية الحكم في هيئة واحدة تحاسبها آخر الأمر على النجاح أو الإخفاق، ولا بد من حصر كل مسئولية في كل حكومة دستورية، وليس من حصر المسئولية أن يتوزع الحكم بين ثلاث هيئات أو أربع يجري عليها التغيير بين حين وحين ويختلف تأليفها على نحو جديد كل فترة قصيرة، ولعل هذه الفترة لا تطول أكثر من بضعة أسابيع.

فلا دستور على حقيقة المعنى حيث لا مسئولية وزارية، ولا مسئولية وزارية حيث تسقط الوزارة لاختلاف الأحزاب على الدوام، ولا يدري أحد من المسئول منها عن الاختلاف، أو يدري ولكنه لا يستطيع أن يرتب على المسئولية نتيجتها اللازمة عند قيام الحكومات.

هذا التمثيل النسبي إذن ضرورة لا تلجأ إليها الأمم باختيارها، وإنما الأساس الصالح للحكم الدستوري أن ينفرد الحاكمون بمسؤولية واحدة، وخير الوسائل لتحقيق هذه الغاية كما ثبت من تجارب الأمم الدستورية حتى الآن هي تداول الحكم بين حكومة ومعارضة كلتاهما معروفة البرنامج معروفة الرأي في موضوعات الموافقة والمخالفة، وكلما تقادم العهد على الفريقين واتسع المجال لظهور فريق ثالث بينهما عملت بداهة الأمة عملها فانقسم الناخبون إلى معسكرين جديدين وانضم كل من المتوسطين إلى الفريق الذي هو أقرب إليه.

ولا يعيب هذه الطريقة أن الفريق المعارض قد يعادل الفريق الحاكم بنسبة الأصوات أو يقف منه في موقف قريب من المعادلة، فإن هذه المعارضة لازمة في هذه الحالة، إذ يكون الحزب الغالب محتاجًا إلى قوة مثل قوته تمنعه أن يشتط في ناحيته الحزبية، وتوجب عليه أن يتوسط بين الطرفين المتباعدين.

إنما يعيب هذه الطريقة أنها تمكن أحد الفريقين من احتلال معظم كراسي البرلمان وليس له معظم الأصوات بين الناخبين، فيكون له مثلًا أربعة أخماس الكراسي وناخبوه لا يزيدون على النصف أو يزيدون عليه بقليل.

فإذا حدث هذا فإصلاحه ممكن بغير التمثيل النسبي أو انتخاب القائمة، ومن وسائل هذا الإصلاح الاجتهاد في التسوية بين الدوائر عند تقدير عدد الناخبين، ومنها معاقبة المتخلفين عن الاقتراع ليتساوى نصاب النجاح بين جميع الدوائر على قدر الإمكان، ومنها تعديل نظام المركزية في حكم الأمة بأسرها والتوسع في اختصاص الهيئات المحلية، كي يعوض الناخبون المحليون في دائرتهم ما فاتهم من التمثيل في البرلمانات العامة.

وقد يتعذر إصلاح العيوب جميعًا بهذه الوسائل؛ فيظل بعضها مع الزمن محتاجًا إلى الإصلاح، ولكن هذه العيوب أهون جدًّا من عيوب القائمة والأصوات النسبية، ومنها التشجيع على الانقسام وتعديد الأحزاب وفقد النواب استقلالهم أمام اللجان الحزبية التي تشرف على كتابة القوائم، وانعزال النواب عن ناخبيهم شيئًا فشيئًا حتى تنقطع الصلة بين النائب وناخبيه، ويربى على ذلك كله في الضرر ضياع المسئولية الوزارية حيث يقع التشجيع على تعدد الأحزاب في المجالس وفي الوزارات.

ونعود فنقول: «إن الخلائق فاعلم شرها البدع» … وهذه القوائم والتمثيلات النسبية بدع لم تثبت حقها ولا رجحانها على غيرها حتى الآن.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.