غابت عن القاهرة في أيام العيد شموسها المشرقة ونجومها المتألِّقة؛ فأظلم جوها وكان من حقه أن يُضيء، وأقفرت أرضها وكان من حقها أن تعمر، وفَتُرَ فيها العيد وكان من حقه أن ينشط ويقوى ويملأ الناس نشاطًا وقوةً. وليست هذه الشموس المشرقة والنجوم المتألقة رجال الوفد وزعماءه؛ فهؤلاء قوم يستطيعون أن يذهبوا ويستطيعون أن يجيئوا؛ فلن يُظْلِمَ لذهابهم جَوٌّ ولن تضيء بمجيئهم سماء، أولئك قوم لا يعرفهم أحد ولا يعرفون أحدًا، لا يَخِفُّ لوداعهم أحد إذا ذهبوا ولا ينشط لاستقبالهم أحد إذا جاءوا. هم قوم مثلك ومثلي لا يحسهم الناس، وأكبر الظن أنهم لا يُحِسُّون أنفسهم؛ فانتقالهم واستقرارهم سواء. إنما الشموس المشرقة والنجوم المتألقة والكواكب الوضيئة والمصابيح المضيئة هم وزراؤنا الأفذاذ، الذين تتنافس فيهم مدن مصر وتختصم حولهم قرى الريف، لا يُلِمُّون بمدينة إلا امتازت من المدن، ولا ينزلون بقرية إلا ارتفعت فوق القرى، يصحبهم اليسر أينما كانوا، ويسبقهم البشر إلى حيث يَمَّمُوا، فمَقْدِمُهُم خير كل الخير خليق أن يشتدَّ فيه التنافس ويعظم فيه الخصام.

غابوا عن القاهرة أيام العيد؛ فغاب عنها العيد، وتفرقوا في المدن والقرى؛ فتفرق معهم العيد في المدن والقرى، كل أخذ معه جزءًا يوزعه على الناس توزيعًا، ويقسمه بينهم تقسيمًا، وكان رئيس الوزراء الرجل الطيب أعظمهم حظًّا من العيد، أخذ معه نصفه أو ثلثيه هدية إلى أهل مصر العليا؛ فلم يكد يبلغ أسوان حتى استحالت عيدًا كلها، وكانت أسوان وفيَّة عارفة للجميل، شاكرة للنعمة مقرَّة بالحق؛ فاستقبلت رئيس الوزراء أحسن استقبال، واحتفلت له أفخم احتفال، ولم يكد يبلغ الفندق فيها حتى وقف له الأجانب رافعين قلانسهم صائحين حتى بلغ صياحهم عنان السماء.

وفي أثناء ذلك كان رئيس الوفد ينتقل بين سمنود والمنصورة والقاهرة؛ فلا يشعر به أحد ولا يحتفل له أحد، ولا يرفع الأجانب له قلانسهم، ولا يمتلئ الجو من حوله بالصياح؛ لأن رئيس الوفد لم يكن يحمل معه إلى الناس عيدًا ولا جزءًا من عيد، وإنما كان رجلًا عاديًّا، يؤدي واجبات عادية، فيتركه الناس وما يؤدي من واجبات. وأحست الوزارة خطر هذه الرحلة التي عمد إليها الرجل الطيب في أقصى الصعيد، وأشفقت الإدارة من إقبال الناس على رئيس الوزراء، وهتاف الناس لرئيس الوزراء؛ فاحتاطت الوزارة واستعدت الإدارة، وحمت الناس من فتنة رئيس الوزراء، وحمت رئيس الوزراء من كَلف الناس به وتهالكهم عليه.

وشهدت أسوان وشهدت الأقصر أيامًا لم تشهدها مدينة من مدن مصر في يوم من أيامها العظام؛ حُشِدَت الجنود في أسوان ألوفًا، واحتفرت الخنادق في أسوان طويلة عريضة عميقة، وهَمَّ رئيس الوزراء أن يصلي الجمعة في مسجد عَيَّنَه؛ فكثر الناس الذين هموا أن يصلوا في هذا المسجد، حتى اضطرت الوزارة إلى أن تأمر بإغلاق المسجد ورد المصلين عنه اتقاءً للفتنة، ودفعًا للكوارث والأحداث.

ومع أن الوزارة قد بذلت من الجهد ما لم تبذله الوزارات، وحشدت من الجند ما لم يحشد من قبل. ومع أن الجند كان نشيطًا جريئًا، يُعْمِلُ العصي والسياط في غير حساب. ومع أن الخنادق كانت مُخِيفَة، ومع أن الاحتياط لم يبلغ في يوم من الأيام ولا في مكان من الأمكنة ما بلغ في أسوان؛ فقد استطاعت جماهير الناس أن تقتحم المدينة اقتحامًا، وتردَّ الجند ردًّا، وتحتفل برئيس الوزراء رغم الوزارة، وتنصر رئيس الوزراء على الوزارة، وتسجل للوزارة على نفسها يومًا مشهودًا، وتُثبِت للناس جميعًا أن الوزارة قد تنتصر على الوزارة، وأن الحكومة قد تنهزم أمام الحكومة، وأن الشعب أقوى وأعظم وأضخم وأنشط من أن يرده وزير الداخلية مهما تبلغ قوته وبأسه عن أن يُظهِر ما يُضْمِر من الحب، ويُكِنُّ من الإكبار والإجلال لرئيس الوزراء.

وكذلك ألقى أهل أسوان أمسِ درسًا بليغًا في التواضع على الوزارة القائمة؛ فعلموها أن التواضع فضيلة بشرط ألا يتجاوز الحدَّ؛ فإن تجاوزه كان نقيصة ولم يعد على أهله إلا بالإخفاق والخذلان، وعلموها أن من الحق عليها ألا تسرف في المفاخرة بقوتها، ولا تغلو في ازدراء قوة الشعب؛ فالوزارة تعلم حق العلم أن الشعب يحبها ويفتن بها، وهي تريد أن تردَّ الشعب عن هذا الحب وعن هذه الفتنة، وتحمله على الاقتصاد فيهما، ولكن الشعوب لا تُصْرَفُ عن الحب بالقوة، ولا تُحْمَلُ على الاقتصاد في الإعجاب والإكبار كرهًا، وما يضرُّ الوزارة أن يظهر حب الناس لها وافتتانهم بها، وأن تقوم الأدلة الناصعة على أن الوفديين قوم يحلمون.

لقد نَشَرَت الصحف أنباء زيارة الرجل الطيب لأسوان، وأنباء زيارة رئيس الوفد للمنصورة، فيا لها من أنباء! رئيس الوزراء يحفل به الناس رغم الوزارة، ورئيس الوفد يلتفت يمينًا وشمالًا وينظر إلى أمام وينظر إلى وراء فلا يجد من يستقبله حين يقبل، ولا يجد من يودعه حين يعود. والغريب أن بين الناس مَنْ يشك في أن الرجل الطيب قد قال الحق ونطق بالصواب، حين أعلن إلى الشعبيين يوم العيد أن وزارته كوزارة صدقي باشا لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي في هذه الأيام. يشكون في ذلك ويأبون تصديقه، ويتكلف رئيس الوفد فيضع حديث رئيس الوزراء موضع الشك والريب.

وأَمْر رئيس الوفد غريب؛ فهو قد ظنَّ أن ما وقع في أسوان لرئيس الوزارة قد وقع له هو في المنصورة، وهو قد اعتقد أن ما حُشِدَ من الجند قد حُشِدَ في المنصورة لرد الناس عنه ورده هو عن الناس، وأن ما حفر من الخنادق قد حفر في المنصورة لأخذ الطريق عليه وعلى الذين يسعون لتحيته، وأن ما رُفِعَ من الجسور قد رُفِعَ في المنصورة لجعل النهر حائلًا بينه وبين قُصَّادِه ومُرِيدِيهِ، وأن هذه العصيَّ والسياط التي كانت تنهال على الرءوس والأبدان فتهشِّم العظام وتلهب الجلود، إنما كانت تنهال على أهل المنصورة؛ لتفرقهم عنه وتَحُول بينهم وبين الالتفاف حوله.

ظن رئيس الوفد هذا فتحدث به إلى ثلاثة أو أربعة من النفر الذين لقوه في خطبة نشرت في الصباح وتنشر في المساء، ولو أن رئيس الوفد فكَّر وقدَّر وتنبَّه؛ لعرف أن شيئًا من هذا لم يحدث له ولا لأصحابه، ولم يُدَبَّرْ له ولأصحابه، وإنما حدث هذا كله لرئيس الوزراء وعشَّاق رئيس الوزراء، ودُبِّرَ هذا كله للرجل الطيب والمفتونين بالرجل الطيب.

وعاد رئيس الوفد إلى القاهرة أمس فلم يجد في محطتها أحدًا، ولم يحفل به في شوارعها أحد، ثم ذهب إلى داره وهو يتحدث إلى الناس بأن أهل القاهرة قد خَفُّوا لاستقباله واحتفلوا بلقائه، وإنما رأى رئيس الوفد ما سيحدث غدًا حين يعود رئيس الوزراء إلى القاهرة؛ فينشط لاستقباله أهل القاهرة، ويحتفلون به احتفالًا يضطر الشرطة إلى إعمال العصي والسياط في الرءوس والأبدان.

ولست أدري إلى أي حد كان ينتهي احتفال الناس برئيس الوزراء لو أن الجمعية العمومية لحزب الشعب اجتمعت يوم العيد وانتخبته رئيسًا لحزب الشعب مكان صدقي باشا؛ إذن لزُلْزِلَت الأرض زلزالها، ولاحتفل الناس بالرجل الطيب احتفالات لا تنقضي: بعضها لأنه رجل طيب ومصر تحب الرجال الطيبين، وبعضها لأنه رئيس الوزراء ومصر تُكْبِرُ رؤساء الوزارات، وبعضها لأنه رئيس حزب الشعب ومصر تذوب في حب الرؤساء لحزب الشعب. ولكن الرجل الطيب رفق بالمصريين وعطف على مصر؛ فأرجأ اجتماع الجمعية العمومية، وأرجأ انتخابه رئيسًا لحزب الشعب؛ حتى لا تخرج مصر عن طورها، ولا تتجاوز في الاحتفال به حدود الرزانة والعقل والحكمة.

والناس يتساءلون بعد ذلك عن سبب هذا الإرجاء؛ فقد ظهر هذا السبب فينبغي أن يبطل العجب. وهم يتساءلون عن الموعد الذي حدده الرجل الطيب لاجتماع الجمعية العمومية وانتخابه رئيسًا لحزب الشعب مكان صدقي باشا، فيجيبهم بعض المجيبين بأن هذا قد يكون قبل عودة المندوب السامي إلى مصر، وقد يكون بعد عودة المندوب السامي إلى مصر، وقد يستكثر الرجل الطيب على نفسه رياسة حزب الشعب تواضعًا لله، وقد يستكثر الرجل الطيب نفسه على حزب الشعب ارتفاعًا عما لا يليق بالرجال الطيبين فلا تجتمع الجمعية العمومية، ولا ينتخب حزب الشعب لنفسه رئيسًا. وما حاجة حزب الشعب إلى رئيس؟ وإنما تحتاج الأحزاب إلى رؤساء حين تنتظر طول البقاء. ومهما يكن من شيء فقد طالت غيبة الرجل الطيب عن مدينة القاهرة، واشتد شوق القاهرة إلى رجلها الطيب؛ فليسرع الفلك في دورته، وليسرع القطار في عودته، ولتستقبل القاهرة رجلها الطيب غدًا سعيدة به، سعيدًا بها، ولتنقضِ هذه الغيبة التي مهما تقصر فهي طويلة.

ومَنْ يدري؟ لعل رئيس الوزراء أن يصل إلى القاهرة قبل الأوان، لعل الناس أن يُفْتَنُوا به ويَهِيمُوا بحبه؛ فيخشى وزير الداخلية عليهم وعليه فيخطفه من بينهم خطفًا ويرده إلينا في قطار سريع، فلوزير الداخلية خطفة في كل شتاء، وأي الناس أحق أن يخطف من رئيس الوزراء؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.