بلاغ أذاعته إدارة الأمن العام في الناس عن مصادرة تاريخ بغداد، أقل ما يوصف به أنه لا يدل على سعة في العقل، ولا استقامة في التفكير، ولا علم بالحقائق الواقعة في هذا البلد، ولا عناية بالحرية، ولا احترام للقانون والدستور. وقد كنت أحسب أن ضيق العقل واعوجاج التفكير حلية قصرها الله على وزارة المعارف منذ جعل أمورها إلى وزير التقاليد، وإلى عبد الفتاح باشا صبري، فإذا نحن نستكشف اليوم أن الله قد طوق بهذه الحلية جيد وزارة الداخلية، وإن كانت أمور هذه الوزارة إلى أكفأ المصريين جميعًا، وأذكاهم جميعًا، وأبرعهم جميعًا، في القول والعمل، وفي النوم واليقظة، وفي الرحيل والمقام: صدقي باشا.

نعم، إن أمر هذا البلاغ غريب مضحك محزن في وقت واحد. غريب لأن إدارة الأمن العام التي أصدرته قد علمت في آخر لحظة أن كتابًا يطبع عنوانه «تاريخ بغداد»، وكان قد طُبع من هذا الكتاب اثنا عشر مجلدًا ضخمًا في سنتين كاملتين. ومن المحقق أن إدارة الأمن العام كانت تجهل الكِتاب وتجهل صاحبه، وتجهل أن أحدًا يفكر في نشره أو إذاعته، وكانت مشغولة عن ذلك بما هو أجل خطرًا: كانت مشغولة بمراقبة الأمن واستقرار النظام، والاحتياط لانتقال المعارضين من مدينة إلى مدينة في القطر، ومن مكان إلى مكان في القاهرة.

وهي كانت موفقة في جهلها كتاب البغدادي؛ فليس من شأنها أن تُعنى بالكتب التي تُنشَر في العلم، ولكن ساعيًا سعى بالكتاب وناشره إلى شيخ الأزهر، وإدارة الأمن العام مُسخَّرة في هذه الأيام لشيخ الأزهر، فلم يكد يقول الشيخ حتى اضطربت الإدارة وصودر الكتاب ليتصفحه رجال الأمن العام، وقد تصفحوه في ساعة أو نصف ساعة، وأنا أؤكد لك أنهم لم يفعلوا؛ فإن هذا الكتاب لا يُتصفَّح في يوم ولا في أيام، ولا يستطيع أن يقضي فيه شيخ الأزهر ولا رجال الأمن العام، وإنما أمر الشيخ فأذعنت الإدارة، وظُلم الكتاب ومؤلفه وناشره وقُرَّاؤه والعلم كله، وفُضِحت مصر، وعرف الشرق والغرب أن في مصر مراقبة لا تقف عند الصحف والتمثيل والسينما، ولكنها تمتد إلى كتب العلم الخالص التي أُلِّفت وشُغف بها المسلمون وعُدت من كنوزهم الخالدة منذ تسعة قرون.

نعم، كان هذا كله بأمر من شيخ الأزهر، وطاعة من إدارة الأمن العام عن غير فهم ولا تحقيق ولا نظر دقيق في الكتاب. ولولا أني أكره أن تعود إدارة الأمن العام فتقترف إثمها مرة أخرى بأمر الشيخ الورع الصالح، وتعتدي مرة أخرى على الحرية والدستور والقانون، في ظل حكومة الحرية والدستور والقانون؛ لأظهرت لها مواضع في الكتاب لا يرضى عنها الشيخ، ولكن ما لي ولهذا وأنا حريص على أن يبقى الكتاب، وعلى أن يتم نشره دون أن يصيبه حذف أو مسخ، ولكن ما دامت هذه الأيام السود قد جعلت رأي الشيخ الظواهري فوق الدين، والعلم فوق الحرية والدستور والقانون، وجعلت إدارة الأمن العام وشرطة الدولة وجندها لعبة في يد هذا البابا الجديد، فمن الحق على هذا البابا ألا يحكم رعاياه البائسين حكم قراقوش، وأن لا يقضي في أمر حتى يفهم ويتبصر.

وأنا أعلم أن عمامة الشيخ تضيق بفهم هذه الكتب العلمية الخالصة التي يطبعها في مصر جماعة من المصريين والأجانب الشرقيين والغربيين، والتي يجب أن تصادر لأن بعضها يمس أبا حنيفة، وبعضها يمس القرآن، وبعضها يمس الحديث. وهي تطبع بين سمع الشيخ وبصره، وسيتم طبعها، وسيعجز الشيخ عن مصادرتها؛ لأن الذين ينشرونها ليسوا مصريين ولا شرقيين، ولكنهم أوروبيون تحميهم الامتيازات، وهم يأبون أن يدينوا لبابا الإسلام بعد أن أفلتوا من بابا المسيحية. ستطبع هذه الكتب، وستُرسل إلى أوروبا، وستنشر في أطراف الأرض شرقًا وغربًا، وسيحظر الشيخ قراءتها على المصريين وحدهم، ولكنهم سيقرءونها رغم الشيخ، إلا أن تطلق يده فيأمر بتفتيش الدور والبيوت الخاصة، ويأذن للشرطة أن تقف المارة وتسألهم عما في أيديهم من كتب، وما في حقائبهم وجيوبهم من أوراق؛ ويومئذ يعلم الشيخ وأنصاره إلى أين ينتهي بهم الطغيان.

تضيق عمامة الشيخ إذن بهذه الكتب، فمن الحق عليه أن ينشئ مكتبًا خاصًّا لمراقبة العلم، وأن يحشد في هذا المكتب عددًا ضخمًا من الشيوخ يرزقهم من أموال الدولة ليحموا دين الدولة ومذهب الدولة من عدوان العلم والعلماء عليهما.

غريب بلاغ إدارة الأمن العام ومضحك أيضًا؛ فقد استكشفت إدارة الأمن العام أمس أن للدولة مذهبًا رسميًّا في الفقه، ثم ينكر الناس على المصريين أنهم أذكياء، وأنهم بارعون، وأنهم مستكشفون، وأين يقع استكشاف حسنين بك للصحراء من استكشاف إدارة الأمن العام والرياسة الدينية العليا مذهب دولتنا الرسمي في الفقه؟

نعم، يقال إن دولتنا ليس لها مذهب رسمي في الفقه؛ وإنما هي بقية من حكم الترك، ويقال إننا منذ زمن طويل فكرنا في أن يكون تشريعنا الفقهي معتمدًا على المذاهب الأربعة، ويقال إن السلطان حسينًا — رحمه الله — قد تقدم في ذلك وأمر به، ويقال إننا خطونا في هذا السبيل خطوات قصارًا أو طوالًا، ويقال إن كثرة المصريين ليست حنفية المذهب، وإنما هي مقسمة بين مذهب مالك والشافعي — رحمهما الله. كل هذا يقال، ولكن الذين يقولونه هم العلماء الذين يكرههم الشيخ، وتخافهم إدارة الأمن العام؛ وإذن فقولهم يجب أن يُكذَّب، ويجب أن يصادر، ويجب أن يُعرف أن للدولة مذهبًا رسميًّا في الفقه هو مذهب أبي حنيفة، كما أن لها دينًا رسميًّا هو الإسلام.

وإذن فتعالوا أيها المالكية، تعالوا أيها الشافعية، تعالوا أيها الحنابلة، تعالوا أيها المجتهدون، تعالوا ننظم شئوننا وندبر أمورنا؛ فقد أصبحنا قلة في الفقه، كما أن المسيحيين واليهود قلة في الدين، تعالوا ننظم شئوننا الفقهية ونطلب إلى الدولة أن تحمينا كما نظم المسيحيون واليهود أمورهم الدينية وطلبوا إلى الدولة أن تحميهم فحمتهم.

بأي عقل يفكر الشيخ وتفكر معه إدارة الأمن العام؟ ماذا كانا يصنعان لو أن الخطيب نقد الشافعي أو مالكًا أو ابن حنبل؟ أكانا يصادران الكتاب؟ لا؛ لأن مذاهب هؤلاء الأئمة — رحمهم الله — ليست مذاهب رسمية للدولة، وإن كانت مذاهب للأمة المصرية، وإن كان أصحابها أئمة في الدين لهم من الحرمة والجلال مثل ما لأبي حنيفة؛ فالمسألة إذن مسألة الدولة. هي مسألة سياسية، إذن يجب أن يكون في الأمر سر، أو أن يكون بلاغ إدارة الأمن العام سخيفًا يدل على التورط والاضطراب.

وقد ذكرت للشيخ ولإدارة الأمن العام كتاب نهج البلاغة، وفيه ذم قبيح لأبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية — رضي الله عنهم — فلم يأمر الشيخ بمصادرته، لماذا؟ لأن هؤلاء الخلفاء لا يتصلون بالدولة ولا بمذهبها الرسمي، ومع ذلك فهم أئمة الإسلام وأصحاب النبي، والمسلمون جميعًا يكبرونهم إلا جماعة من الشيعة. أفتراهم أهون على الشيخ من أبي حنيفة؟ رحم الله أبا حنيفة، إنه لمظلوم، وإن الشيخ ليسيء إليه ويعتدي على حرمته ومكانته حين يتخذ اسمه ومذهبه وسيلة للظلم.

لم يكن أبو حنيفة — رحمه الله — جبانًا ولا ضعيفًا، ولم يكن يشفق من النقد، ولم يكن يخاف السلطان ولا يحفل به؛ وإنما كان رجلًا شجاعًا مستقل الرأي، يُعلِّم مذهبه في مسجد الكوفة، ويصبر لنقد الناقدين، ومعارضة المعارضين. ولقد أراده ابن هبيرة على القضاء فأبى عليه، وأراده العباسيون على القضاء فأبى عليهم، ولقي من الأمويين والعباسيين مشقة وظلمًا، فلم يحفل بأولئك ولا هؤلاء. كان أيام الأمويين معارضًا هاشمي الهوى، وكان أيام العباسيين معارضًا علوي الميل، وكان مع هذا كله لا يرى رأي الشيعة، وإنما يرى رأي المرجئة، أفمثل هذا الرجل يحتاج إلى الشيخ الظواهري ليحميه من نقدٍ نُشر في كتاب؟ إنما يشفق من النقد ويتقيه بالشرطة وسلطان الدولة أمثال الشيخ الظواهري، من هؤلاء الذين لا يحسون ثقة بأنفسهم، فهم يحتاجون دائمًا إلى من يتكئون عليه، فأما أبو حنيفة وأضرابه من أئمة المسلمين فهم أعلى قدرًا، وأكرم أنفسًا، وأعز جانبًا من أن يحتاجوا إلى حماية هذا الشيخ أو إدارة الأمن العام.

وبلاغ إدارة الأمن العام محزن أيضًا؛ فقد أرادت أن تصلح ظلمًا فتورطت في ظلم شر منه، أرادت أن تنفي مصادرة الكتاب، فأعلنت أنها اتفقت مع الناشر كتابةً على حذف جزء وبعض جزء من الكتاب، وأنبأتنا الأهرام أن الاتفاق تم بين الناشر والشيخ في الإسكندرية، ثم أمضته إدارة الأمن العام، وأذعنت له ونسبته لنفسها في بلاغها الرسمي، كأنها تجعل شيخ الأزهر فوق التبعات، أو كأنها تنتحل لنفسها من الفهم والفقه ما ليس لها.

وإدارة الأمن العام تعتقد أن حذف ما حذفته من الكتاب بأمر الشيخ أخف من مصادرته، وهذا دليل جديد على حظ إدارة الأمن العام والشيخ من سعة العقل واستقامة التفكير؛ فكل رجل واسع العقل، مستقيم التفكير، معتدل الذوق، يوافقنا على أن مصادرة الكتاب وإخفاءه كله أهون من مسخه وتشويهه. وليس هناك فرق أمام الأخلاق، وأمام الذوق، وأمام القانون، وأمام العدل الطبيعي بين من يعتدي علي فيسرق مني أو يغصب درهمًا، ومن يعتدي عليَّ فيسرق أو يغصب كل ما أملك.

ذلك أن السرقة والغصب هما السرقة والغصب قلَّ المسروق والمغصوب أو كثر. فكيف إذا أضيف إلى هذا الغصب حذف وبتر ومسخ وتشويه؟ كلا، إن اعتداء الشيخ وإدارة الأمن العام قائم، وظلمهما صارخ، وما زال العلم يطلب منصفًا ومجيرًا، وإذا لم يجد العلم منصفًا ولا مجيرًا من الحكومة، فسيجد منصفًا ومجيرًا من العلماء آخر الأمر. وأنا أتحدى الشيخ، وأتحدى إدارة الأمن العام، وأتحدى ناشر الكتاب أيضًا، وأعلن إليهم جميعًا في صراحة وحزم، أن هذا الجزء الذي حذف من الكتاب ظلمًا وعدوانًا، وتجنيًا على العلم، سينشر، وسينشر في مصر، وستنشره أيد مصرية؛ لأن الدستور والقانون وأصول العدل الطبيعي، كل أولئك يبيح نشره. نعم، سينشر في مصر بأيد مصرية، وستصادره إدارة الأمن العام، ولكن إدارة الأمن العام يومئذ ستؤدي حسابًا عن هذه المصادرة أمام القضاء.

أعرف أن في مصر ظلمًا، وهذا شيء لا شك فيه، ولكني أعرف أيضًا أن في مصر عدلًا، وأن أنصار هذا العدل إن أذعنوا للحكومة فيما يتصل بالسياسة والإدارة، فلن يذعنوا لها في ظلم العلم. وإذا كانت الحكومة لا تحفل بمعارضة السياسيين، فإني أنصح لها أن تحذر مقاومة العلماء؛ فإنها أشد خطرًا، وأبعد أثرًا، وأبقى على الزمان مما يُقدِّر الظالمون.

وبعدُ، فهل من الحق أن الكتاب قد صودر دفاعًا عن أبي حنيفة وعن مذهب الدولة الرسمي في الفقه كما تقول إدارة الأمن العام؟ إن في مصر ألسنة تلهج بغير هذا، وقومًا يزعمون أن أبا حنيفة — رحمه الله — قد اتخذ دريئة وستارًا؛ وأن أبوابًا أخرى في الكتاب وآراء وأحاديث وآثارًا هي التي دعت إلى هذه المصادرة.

فلما كتبت الصحف واشتدت في الكتابة، وأوشك الأمر أن يفتضح تُرك الكتاب، وحذف ما حذف منه سترًا لموقف سيئ وظلم قبيح. في مصر ألسنة تلهج بهذا الكلام، وقوم يذيعونه ويؤكدونه، ولست أدري أصحيح هو أم غير صحيح، ولكني أعلم أن علماء الدين كان ينبغي أن يكون حبهم لأبي حنيفة أطهر وأكرم من هذا.

ومهما يكن من شيء، فإن تصرف الشيخ وإدارة الأمن العام قد أعلن أمر هذا الكتاب أحسن إعلان، وخدم الخطيب البغدادي أحسن خدمة، وأصبح من الحق أن يعرف الناس هذا الكتاب، وأن يوجز لهم ما فيه مما حذفته الحكومة وما لم تحذفه، ومن هذه الفصول التي يلهج بها اللاهجون. ولعلي أوفق في وقت قريب إلى أن أوجز للقراء هذا كله، إلا أن تغضب إدارة الأمن العام فترسل الجند والشرطة لينزعوا الكتاب مني انتزاعًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.