لا ينبغي للإنسان أن يخاف أخاه الإنسان؛ وإنما ينبغي أن يخاف الله وحده. هذا تصوير رائع للحرية الفردية والاجتماعية التي ينبغي أن يستمتع بها الإنسان.

نقلته إلينا الصحف صباح اليوم كما نقلته إلينا الإذاعة أيضًا عن وزير الخارجية الأمريكية. ولست أشكُّ في أن هذا هو المثل الأعلى للحرية كما يتمنَّاها الناس جميعًا، يتبيَّنه المثقَّفون في وضوح وجلاء، ويُحسُّه أوساط الناس ويطمحون إليه في قوة لا يعرف الفتور إليها سبيلًا. وإن كان إحساسهم هذا لا يخلو من غموض، يتفاوت بتفاوت حظوظ الناس من العلم بحقائق الأشياء، ومن العلم الواضح بحقائق ما يريدون، وأي شيء أحب إلى الإنسان من أن يشعر شعورًا قويًّا جليًّا بأنه يستطيع أن يأتي من الأمر ما يشاء، ويدع منه ما يشاء، لا رقيب عليه فيما يأتي وما يدع إلا هذا الضمير الحي الذي يعلم أن الله يراقب سره وجهره، ويعلم من أمره أكثر مما يعلم من أمر نفسه. فهو يُقدم على ما يُقدم عليه ويُحجم عمَّا يُحجم عنه، مطمئنًّا آمنًا راضيًا لا يخشى أن يعوقه عما يريد إلا ما ينبغي أن يعوق الرجل الكريم مما يلائم الحق والعدل، وما ينبغي للناس من هذه الحياة الصافية النقية التي تقوم على الحب والوفاق والمساواة، وتَبْرَأُ من البغي والإثم والعدوان.

إلى هذا المثل الأعلى يطمح الفرد كلما خلا إلى نفسه، وإليه تطمح الشعوب حين تريد أن تُقدم على أمر من أمورها، ترى فيه الخير لنفسها ولا ترى فيه الشر لشعب غيرها.

وما أجمل الديمقراطية وما أجدرها بأن تُحب وبأن تُبذل النفوس والأموال والجهود لصيانتها ونشرها في الأرض، إن كانت تريد حقًّا أن تبلغ بالناس هذا المثل الأعلى. وليس غريبًا أن يكون وزير الخارجية الأمريكية مستعدًّا للتضحية بالسلم على حب الناس له وحرصهم عليه في سبيل هذه الديمقراطية التي تريد أن تؤمِّن الناس من الناس، وأن تكفل لهم هذه الحرية الرائعة التي لا يخاف في ظلها أخاه الإنسان؛ وإنما يخاف في ظلها الله وحده لا يشرك به أحدًا ولا يشرك به شيئًا. ولكن السؤال الذي يعرض لكل مثقَّف حر حين يقرأ أو يسمع هذا الكلام الرائع الذي تحدَّث به وزير الخارجية الأمريكية، هو: أين تحققت هذه الحرية للأفراد والشعوب؟ وفي أي قطر من أقطار الأرض يمكن أن يجدها الناس؟

في الحق إن هذا العالم الذي نعيش فيه الآن، والذي يأخذه الخوف من جميع أقطاره، والذي يعيش الناس فيه قلقين وجلين، لا يجد الأمن إلى نفوسهم سبيلًا؛ قد عرف هذه الحرية أو ذاق طعمها في يوم من الأيام.

إن الحق الذي ليس فيه شك، هو أن الإنسان لم يخَفِ الإنسانَ في يوم من الأيام كما يخاف بعض الناس من بعض في هذه الأيام. أحق أن الأمريكيين أنفسهم على اختلاف طبقاتهم وتباين أصولهم آمنون لا يخاف بعضهم بعضًا، ولا يخافون شعبًا غيرهم من الشعوب، وأنهم قد أمَّنوا أصدقاءهم كما أمَّنوا أنفسهم؛ فأصبح العالم الذي يسمونه العالم الحرَّ مطمئنًّا راضيًا يحيا بالأمل ويطمح إلى الخير، ويطمح في الرقي ويسعى إليه في رضًا وغبطة وابتهاج، وهو من أجل ذلك حريص على هذه الحياة الراضية لا ينقصها عليه قلق أو خوف.

كم كنت أتمنى أن يكون هذا حقًّا أو أن يكون بعضه حقًّا، وأن يكون العالم الحر نفسه قد أَمِنت شعوبه وأصبحت لا تخاف إلا العالم الآخر الذي تتهيأ أمريكا لحربه كما يتهيأ هو لحربها. ولكني أقرأ مصبِحًا وممسيًا وأسمع مصبحًا وممسيًا، ما دام العالم الجديد قد أتاح لنا أن نعرف الأخبار دون أن نبذل في سبيل العلم بها أيسر الجهد — أقرأ وأسمع أن شعوب هذا العالم الحر ليست من الأمن والاطمئنان ولا من الدعة والسعة بحيث يحب لها وزير الخارجية الأمريكية أن تكون، وأقرأ وأسمع أن في العالم الحر أممًا تستعبد أممًا أخرى وتبسط عليها سلطان الخوف والذل والجوع والحرمان، وتفرض عليها ألا تخاف الله وحده؛ وإنما تخاف الإنسان قبل أن تخاف الله.

ما حال الطوارئ هذه التي قرَّر مجلس الوزراء في فرنسا إعلانها في الجزائر، لا لشيء إلا لأن أهل الجزائر يريدون أن يكونوا أحرارًا في وطنهم كما أن الفرنسيين أحرار في وطنهم، يخافون الله وحده ولا يخافون الفرنسيين الذين ينبغي أن يكونوا لهم إخوانًا لا سادة؟ ولست أعلم أن أهل الجزائر قد خرجوا من إنسانيتهم منذ ألمَّ الفرنسيون بأرضهم، ولست أعلم كذلك أن الجزائر من هذا العالم الذي أصبح خطرًا يملأ الأرض خوفًا، وإنما أعرف أن الجزائر جزء من هذا العالم الحر له من الحق في الحرية والأمن مثل ما لغيره من البلاد الديمقراطية.

فلماذا يُعاقَب أهل هذه البلاد على طموحهم إلى هذا المثل الأعلى بالخوف المقيم، والقلق المتصل، وبحال الطوارئ هذه التي تبيح للجيش الفرنسي وللشرطة الفرنسية أن يعتقلاهم ويَصُبَّا عليهم من ألوان النكال ما يشاءان دون أن يكون عليهما حسيب أو رقيب؟!

أتكون هذه هي الحرية التي يريد وزير الخارجية الأمريكية أن يضحي في سبيلها بالسلام كما تحدث بذلك في ذلك الكلام الرائع الجميل الذي نقلته إلينا الصحف والإذاعة صباح اليوم؟!

وليست فرنسا وحدها هي التي تخيف الإنسان من الإنسان، وتنشر القلق والروع في بلاد من حقها أن تأمن وتطمئن، ومن حق أهلها أن يكونوا أحرارًا لا يخافون إلا الله وحده لا يشركون به أحدًا ولا يشركون به شيئًا. ولكننا نقرأ أنباء البطش والعدوان في أقطار أخرى من العالم الحر؛ لأن الأقوياء في هذا العالم نفسه يؤمنون بالحرية لأنفسهم ولا يؤمنون بها لغيرهم من الناس. وما أحسب أن وزير الخارجية الأمريكية يجهل مواطن الخوف والقلق في هذا العالم الحر، وما أحسب أنه يجهل أن بين سمع العالم الحر وبصره مليونًا من الناس قد أُخرِجوا من وطنهم بغير الحق، واضطروا إلى حياة الخوف والجوع، وفُرض عليهم أن يعيشوا غرباء بائسين يستمدُّون حياتهم من الصدقة والإحسان.

أفتكون هذه الحرية هي التي تستحق أن يضحي وزير الخارجية الأمريكية وحلفاؤه بالسلام في سبيلها؟

أليس خيرًا من ذلك أن يكفل وزير الخارجية الأمريكية وحلفاؤه هذه الحرية الصحيحة الكاملة الآمنة للعالم الحر نفسه، حتى إذا استيقنوا أن ليس في العالم الحر شعب خائف ولا قلق ولا مُعرَّض للبؤس والضر، أحاطوا هذه الحرية وصانوها وحرصوا على أن يذودوا عنها وأن يضحوا في سبيلها بالسلام، إذا لم يكن بد من التضحية بالسلام؟!

ليت شعري متى يُتاح للناس ألَّا يخدعوا أنفسهم ولا يخدعوا غيرهم بهذه الألفاظ الجوفاء التي تدوي في الفضاء وتملأ الآذان، فإذا التمست ما وراءها لم تجد شيئًا، وإنما ذكرت المثل العربي القديم: جوع وأحاديث …؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.