كتب المحلل السياسي لجريدة «التيمس» اللندنية مقالًا عنوانه «بريطانيا لا تنوي أن تسلم قنال السويس لمصر أو تقدمه على صينية فضة!» جاء فيه:

يشرف ثغر بورسعيد على قنال السويس جنوبًا وعلى أهم نقطة استراتيجية شمالًا وشرقًا، وليس هذا الموضع المتمايز جديدًا بل إنه قديم يرجع إلى عهد الفراعنة. وإن لم تكن مدينة بورسعيد ولا قنال السويس قد برزا إلى الوجود، فكانت تلك البقعة مركزًا حربيًّا خطيرًا عندما كان الفراعنة يرمون إلى سيادة العالم ويحاربون الآشوريين.

وكذلك في عصور انحلال القوة المصرية أوى إليها عدد عديد من جيوش الغزاة وزادت أهمية تلك البقعة ألف مرة في يوم ١٧ نوفمبر سنة ١٨٦٩ عندما افتتح الخديو إسماعيل قناة السويس البالغ طولها مائة ميل وعمقها تسع ياردات وعرضها خمسًا وستين ياردة، فربط أوروبا بالهند وأستراليا وسائر الشرق الأقصى، فاعتقد ساستنا الإنجليز ورجال الحرب والبحرية أن بقعة السويس جوهرية في الدفاع عن كيان الإمبراطورية.

ولذلك كان تزعزع المفاوضات بين مصر وإنجلترا أمرًا في غاية الخطورة بالنسبة لسياستنا الخارجية، وكل مدار المفاوضات كان حول نقطة واحدة وهي كيف تستطيع بريطانيا أن تجعل سيطرتها مستمرة على الطريق المائي الوجيز الذي يربطها بأملاكها وراء البحار السبعة.

وقد اضطرت إنجلترا أثناء الحرب الأخيرة أن تختار طريق المحيط ورأس الرجاء، فتعلم رجال الحرب في هويتهول «مقر الحكومة» درسًا لا ينسونه في عجلة.

ولعل بعضهم كان نسي أن التحكم في مصر قد حاوله نابوليون والقيصر غليوم الألماني، وأن كل الفتوح الأجنبية تمت عن طريق الشرق بما فيها فتوح قمبيز والإسكندر والرومان والعرب، وحتى نحن الحديثو العهد بغزو مصر، دخلنا عن طريق قنال السويس والإسماعيلية، مع أن القنال شريان بحري دولي محفور لاستعمال كل الأمم.

ولم يحصل غزو لمصر من الغرب إلا للفاطميين في القرون الوسطى، وهؤلاء وفقوا لقرب الجوار من الغرب، ولذا حاول روميل وموسوليني ذلك فمُنِّيَا بالفشل على الرغم من سلطانهم في طرابلس، وقرب إيطاليا لشاطئها.

ولهذه الأسباب أبدت حكومة أتلي رغبتها عن التمسك بقنال السويس بشرط ألا تملكه دولة معادية.

وقد ثبت لرجال السياسة والحرب والبحرية أنه بتغير وجه الحروب واختراع القنبلة الذرية وسهولة الطيران أصبح الاحتفاظ بالقناة عن طريق الحاميات والثكنات ضلالة عتيقة مضى وقتُها وانقضى عهدها وتمسك بقديم بال بائد من الأفكار الآفنة.

ووقر في أذهان ساستنا أن الجلاء التام عمل سياسي واجب، بشرط أن تؤسس إنجلترا أمكنة ومعسكرات ومطارات في آسيا (على الشاطئ الآخر للقنال أو قريبًا منه)، يجعل الدفاع عنه ممكنًا وبشرط أن تنشئ مصر ما تشاء من المنشآت مما تحتاج إليه جيوشنا في وقت الشدة.

ولكن هذه التحوطات اقتضت عملًا سياسيًّا بالغًا في الأهمية، وهو عقد محالفة بين مصر وبريطانيا، وأن معاهدة سنة ١٩٣٦ كانت تنص على بناء ثكنات شرقي القنال ليعسكر فيها جنودنا، وإنما هذه الثكنات لم تبن ولم تجهز؛ لأن الحرب العالمية الثانية دهمت العالم وقطعت خطوط الرجعة، فصارت القاهرة والإسكندرية أهم بقاع العالم بالنسبة لسياستنا في الشرق الأوسط.

وبانتهاء الحرب نهض المصريون بإعادة النظر في معاهدة سنة ١٩٣٦، وهذا حق من حقوقهم المقدسة، فطالبوا بالجلاء التام الناجز، فأعلنه الرئيس أتلي وأحسن صنعًا بإعلانه، بدلًا من أن يظهر المصريون بمظهر الحصيف المقدر لحركتنا تبدَّوا لنا في هيئة المفاوض الماكر القوي الذاكرة الذي لا ينسى شيئًا في الماضي ولا يغفل شيئًا عن المستقبل.

فسافر سفير مصر عمرو باشا وهو الشاب النشط النابه الذي عرفناه باقتراحات جديدة تجعل مهلة الجلاء ثلاث سنين بدلًا من خمس.

ولكن صدقي باشا رئيس الوزارة والمفاوضة خرج من قاعة رياسته المزدانة بالمرايا والأزهار، يلبس قميصًا أخضر ورباط عنق أحمر وحذاء شاطئ ذا لونين هما البني والأبيض وقال: لا.

ويهمس بعض الواقفين على خفايا الأمور أن لفيفًا من المصريين راغب في التوقيع وقابل بالشروط، ولكنهم يخشون جانب المعارضة المتطلعة للعودة إلى الحكم، وهي التي تمثل حزب الوفد، ولذا فإن مظهر التشدد، سواء في أمد الجلاء أو في حل مسألة السودان، قد يعصف بالمعاهدة أو يؤجلها أجلًا غير مسمى، وتذهب الجهود التي بُذلت في سبيلها من مايو إلى سبتمبر سنة ١٩٤٦ عبثًا.

ولا سيما وأن لورد ستانسجيت (كابتن ودجودن) رجل لين الجانب طيب القلب، له سوابق عطف على مصر وحقوق المصريين في وطنهم، وقد يتم على يده ما لا يتم على أيدي غيره، ونحن لا نتهدد من طرف خفي ولا نعلم الغيب، وإنما نعتقد أن هذه فرصة سانحة لا يجوز لسياسي حكيم أن يُفرط فيها؛ لأن العبرة في المحالفات والعهود ليست بالنصوص وحدها، بل بما يصحبها من الثقة وحسن النية وحلول الألفة والمودة محل الشك والريبة.

إن مصر لم تطلب الجلاء التام الناجز وحده، بل طلبت السيطرة على السودان بل وادي النيل كله، دع عنك الوصاية على طرابلس، قطعًا لكل رجاء إيطالي في العودة إلى جوارها من الغرب.

وليس هذا الوقت بالذات وقتًا صالحًا للتشدد، فإن جو العالم مظلم والأمن مضطرب، ويا حبذا لو لم يركن كبار الساسة إلى الرأي العام المكون من رجال الشارع وليسوا دائمًا واقفين على حقيقة الأمور.

إن المحالفات ينفذها رجال متمايزون وتبرمها مجالس نيابية وتمحصها صحف سيارة، ولكن كلمة واحدة طائشة أو فكرة مبتسرة تُقال في غير موضعها قد تنقض خير ما فيها أو تقوض بناءها.

إن السودان منذ عهد المهدي وكتشنر ومنذ هزم المصريون والإنجليزي جيش (الغيزى ويزى) الدراويش ووضعت معاهدة سنة ١٨٩٩ حكمت بملك البلاد حكمًا ثنائيًّا، وكان كل شيء يسير على ما يرام إلى سنة ١٩٢٤ عندما اغتال بعض المصريين من رجال الوفد حياة السير لي ستاك سردار الجيش المصري، فأخطأ اللورد اللنبي بتوقيع قصاص على مصر، وكان من بين تهديده ووعيده لزغلول باشا حرمان مصر من ماء النيل.

ومن تلك اللحظة بدأت مخاوف المصريين على حياتهم وأرضهم ومستقبل أنسالهم وأجيالهم الآتية وهم على حق في هذا، ولكن بريطانيا لا يخطر ببالها أن تقدم على مثل هذا العمل الذي كلف لورد اللنبي منصبه، فعزل ملومًا على لفت أنظار المصريين إلى هذا الخطر.

إن بريطانيا على كل حال لا تنوي أن تسلم السودان لمصر أو تقدمه على صينية فضية (كما تقدم الهدايا والتحف)؛ لأنها قد تقصد إلى الالتجاء إليه وتعميره بعد أن ألمحنا لزعماء السودان بنظام الحكم الذاتي الذي يشبه حكم الدومنيون فوعى معظمهم تلك الإشارة.

ولكن عند مصر ورقة باقية في جعبتها، ورقة رابحة حتمًا وهي انتهاء امتياز قناة السويس في ١٧ نوفمبر سنة ١٩٦٨ (وكانت الشركة قد حاولت في سنة ١٩١٠ مد أجل الامتياز مائة سنة ففشلت) وعندما ينتهي أجل الامتياز تتحكم مصر في قنالها وتفرض على البواخر أعلى ضريبة وأغلى الأجور، وحينئذ إما تعدل السفن عن اختيار أقرب الطرق أو تردم مصر القناة ردمًا وتهدم ضفتيها هدمًا فنستريح من متاعبه إلى الأبد.

إن بناء شركة قناة السويس الذي يحتل نصف شارع أستورج في باريس مؤسسة ضخمة، وقد وصلت قيمة السهم بعد عشرة شلنات، وهو الثمن الأصلي، إلى ١٢٢ جنيهًا، حتى أغرى الطمع بعض حذاق المهندسين والرسامين بتزوير ألوف من الأسهم ونجحوا في ترويجها إلى أن قُبض عليهم.

إن قناة السويس عمل مالي من أضخم الأعمال في العالم، ومجموع موظفيها في باريس ومصر يزيد على خمسمائة وخمسين موظفًا، ومجلس إدارتها يتقاضى مرتبات ضخمة لقاء عمل قليل، وقد شارفت الشركة أثناء الحرب على الخراب بسبب تهديد الألمان، وقد عادت المياه إلى مجاريها وكادت نسبة المرور تعود إلى ما قبل الحرب، وهي من ٣٠ إلى ٣٥ مليون طن في العام، بواقع ٨ شلنات للطن الواحد، وهو ما يبلغ نحوًا من مليون ونصف مليون جنيه قد ينصب في خزائن الحكومة المصرية إذا رغبت في استمرار حركة القنال للبواخر الأجنبية.

ولا يعقل أن تضحي مصر بمثل هذه الثروة الضخمة خوفًا من غزو جديد إذا أنفقت ربع إيراد القناة وحده في الاستعداد للدفاع عنها وقت الخطر، فإن الشركة نفسها قد دفعت لحملة الأسهم أضعاف أضعاف رأسمالها الأصلي.

وتوجد مئات الأسر المعروفة تعيش وتموت وتورث حياتها لأحفادها على صدى صوت بعض هذه الأسهم.

فماذا يحدث في سنة ١٩٦٨ عندما ينضب هذا المعين؟ إن بعضهم يزعم أن كل شيء سيعود إلى الخير في النهاية! ولكن هذا الخير لمن؟ أهو لحملة الأسهم، وجلهم من أولاد الذوات المتوكلين على شق القناة، أم لمصر التي تترقب ١٧ نوفمبر سنة ١٩٦٨ بفارغ الصبر؟

إن تطور الحياة واختراع الطيران والقنبلة الذرية ويقظة المصريين، كلها تنبئ بأن قناة السويس قد «عاشت» كما يقول الفرنسيون؛ أي إنها بلغت نهايتها، ولم تر قناة أو نهر من العز والسلطان ما شهدت قناة السويس وشهد ذووها.

وهذه هي القناة التي وقفت بريطانيا في سبيل شقها منذ أول النصف الثاني للقرن التاسع عشر، حتى تمكن نيكونسفيلد من شراء ٣٥٠ ألف سهم من أسهمها فاحتضنتها وما زالت تعمل حتى استولت عليها وانتقل الشأن والبأس من عالم المال وحده، إلى عالم السياسة والحرب، فيا لها من بقعة أرض وشريان ماء بزَّتا البحور والبرور في تاريخ العالم!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.