أيها الزميل …

تعلم أن أعضاء المجمع حين أجمعوا على ضمك أنت وزميلَيْكَ الكريمين (يقصد الأستاذين: محمد خلف الله أحمد، وعزيز أباظة، اللذين اختيرا مع أحمد بدوي كأعضاء في مجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة ١٩٥٩م. (المحرر)) إليهم، كانوا يقدِّرون فضلكم ويعرفون لكم جميعًا مكانتكم في حياة الأمة الأدبية والعلمية والفنية؛ فما التقديم وما الاستقبال إلا لتأكيد بعض المعاني، وهي معانٍ نرى أن من حقها أن تُؤكَّد. نستقبلك أيها الزميل والجمهور في الأيام القريبة تُعرَض عليه صورٌ من حياة هذا المجمع، أقل ما يقال عنها إن الذين يعرفونه يستغربونها، ونحن لو صدقناها لعرفنا عن أنفسنا الكثير مما لا نعرف؛ لعرفنا مثلًا أن منَّا السريع الغضب، وأن منَّا الطويل البال، وأن منَّا الغواص في المعاجم يستخرج منها الدرر، ومنَّا مَن يستثقلها ويفضِّل عليها النصوص الحية، وأن منَّا المخترع الذي يخترع لكلِّ شيء اسمًا، ومنَّا مَن لا يجيد شيئًا من ذلك، وأن منَّا مَن يهيم بالقلب والإبدال فيودعهما — كما قيل — سرَّ الليالي، أو يستنشق — كما قيل — شذا العرف من علم الصرف.

أيها الزميل …

نحن لا نعرف هؤلاء ولا أولئك، وإنما نعرف رجالًا يحبون هذه اللغة حبًّا جمًّا ويؤمنون بأنها أعظم ما أثمرت الحضارة العربية، وأنه عمل في بنائها جميع أبناء الأمة العربية على تنوُّع أصولهم، وقدموا منها ما حفظوا من آداب وفنون وعلوم، يؤمنون بأن اللغة مما يُصنع — وهل عُرف نبات يؤتي ما ينفع دون أن يُستأنس — والنبات الذي لا تتولاه يد الإنسان نَصِفُه بأنه بري، إن لم نقل شيطاني والعياذ بالله. وهذه مصر كنت كلما سمعت قولهم: «مصر هبة النيل» كنت أقول: «مصر هبة المصريين»؛ فالنيل يجري من منابعه لمصبه آلاف الفراسخ، ولكن لا نجد على جانبيه إلا مِصرًا واحدة هي التي صنعها المصريون.

كيف فعلوا ذلك؟ لقد وصفتَ ما فعلوا — أيها الزميل — وصفًا رائعًا فيما كتبتَ، وخصوصًا في الكتاب الذي أحبه «في موكب الشمس». فأنت خير مَن عبَّر بالعربية عن الشخصية المصرية، وأنت استطعتَ تذليل ما بين الساميات والمصريات، فخليق بالمجمع أن يدعوك للعمل في بناء اللغة العربية.

ولكن من حقنا أيها الزميل أن نستنبئك.

أنبئنا عن الدراسات التي أولعت بها فتًى وازدانت بك أستاذًا؟ ما خطبها؟ أحق ما يقال من موقف جامعاتنا منها، أصحيح أن اهتمام واحدة منها بالدراسات المصرية يُسقِط عن الجامعات الأخرى العناية بها؟ أَلَنا أن نصدق اتجاهًا مماثلًا كاد أن يودي بالدراسات العربية في كليات الآداب، ولكن الله سلَّمَ؟

أحق أيها الزميل أنه قد استُحدثت أُسس جديدة لتصنيف العلوم وللتمييز بين النظري والعملي، وبين الضروري والكمالي، وبين ما ينفع وما لا ينفع؟ وأقول إن ذلك لم يفت في ساعد «بدوي» العالِم، فأخرج للناس في الشهور القريبة معجم اللغة المصرية، ولكن الجامعة التي علَّمت «بدوي» وأقرانه قد تطوَّرت إلى شيء آخَر نرجو بإخلاص أن يكون أحسن وأصلح.

وهذا شأن المستقبل، والمستقبل محجوب فَلْنتركه وَلْننتقل للماضي، ولماضيك في المنية، منية ابن الخصيب في مصر الوسطى؛ عرفوها في القديم بالإقليم السادس عشر أو إقليم الوعل، والأفضل أن نقول المنية، فالأرقام وأسماء الوعل وابن آوى والأرنبة وما إليها، وخطوط الطول والعرض والجهات الأصلية؛ دلالتها نسبية ليست قاطعة. أَقَرأ للدكتور بدوي هذه الحاشية: «أُحب أن أنبه القارئ إلى أنني عندما أشير إلى الجهات الأصلية في مصر، أنحو نحو المصريين القدماء، فأهل الجنوب قبلتي وأستدبر الشمال، ثم أتخذ من الغرب يمينًا ومن الشرق يسارًا، فهكذا فعل المصريون عندما جعلوا منبع النيل — وهو خالق هذا الوجود المصري — قبلتهم، فوقع الغرب على يمينهم ووقع الشرق على يسارهم.» فَلْنقل «المنية» إذن، وَلْنسمع ما قاله الدكتور بدوي عنها: «فإقليم الوعل كان ولا يزال من أغنى أقاليم الوادي، وأهل إقليم المنية القائم على أنقاضه ما زالوا قومًا يحبون الخير ويكرهون الشر، وفي طبيعتهم ميل إلى حب الاعتدال والبُعْد عن التطرف؛ ويرجع ذلك في الغالب إلى موقع الإقليم من ناحية، وإلى ما وفرت عليهم طبيعة إقليمهم من كثرة الخير وسعة الرزق.»

المنياويون كانوا وما زالوا قومًا يحبون الخير ويكرهون الشر، ونحن نقول: وهذا حق — وأما عن الاعتدال والبعد عن التطرف، فقد يصح أن يكون للبعض منَّا قدر من التحفظ البسيط — والمنية من أقاليم مصر الوسطى، ومصر الوسطى تبدأ عند الدكتور بدوي من القوصية في شمال أسيوط، وتنتهي عند أطفيح. على أن الأقدمين قسَّموا أقاليم الوادي بين الجنوب والشمال فقط، سجَّلوا ذلك على حجارة معبد صغير وجدها الأثريون مطمورة في جدران معبد الكرنك؛ لقد استوقفني ذلك: لم يُطمر الحجر المسطر؟! أَلِحفظه من التدنيس؟ أيماثل هذا ما كان يفعله اليهود عندما كانوا يدفنون الأوراق المسطرة؟ لا تُمزَّق ولا تُحرَق بل تُدفَن فيما يُعرَف باسم الجنيزة، ومن أشهرها جنيزة مصر العتيقة، أَلَا يدلنا ذلك على أن الدراسات المصرية مفتاح الحضارات القديمة؟ ونعود لمصر الوسطى؛ لا شك في أنها تتميز عمَّا يقع شمالها وما يقع جنوبها، ولا شك أن ما يقع جنوبها أقرب إلى قلب الدكتور بدوي مما يقع شمالها، ولكن مصر الوسطى هي الأثيرة بحبه، ويبدو لي أن الدولة الوسطى في مصر القديمة حظيت هي أيضًا بحبه؛ ولا عجب فالدولة الوسطى هي دولة مصر الوسطى، فجاءت الفصول الخاصة بها من خير ما في موكب الشمس.

أتذكُر أيها الزميل رحلتنا في النيل من المنية لبني حسن؟ لقد مررنا بأماكن كنتَ أتمنَّى فيما بيني وبين نفسي أن يكون فيها المستقر، ولكنني كنتُ أتذكر أني تمنيت نفس الشيء في أسوان وفي قنا وفي النيل عند رشيد وفي التلال الصحراوية المطلة على البحر؛ ذلك لأن بكل إقليم من هذه وغيرها شيئًا من سحر مصر، وسحر مصر هذا أيها الصديق هو الذي دفعك للبحث عنها، وما درس التاريخ إلا رحلة ارتياد، رحلة اكتشاف، لقد سمَّى نهرو كتابَه الجميل في تاريخ وطنه: «اكتشاف الهند».

ولقد حاوَلَ شُبَّان من جيلٍ سابق كجيلك أيها الزميل أن يُقدِموا على الرحلة التي أقدمتَ عليها، ولكن كان حظك أسعد من حظهم، فإن مصر في أيامك كانت قد نالت قدرًا من حق التصرف في شئونها مكَّنها من أن تحقِّق لك ولأقرانك ما كنتم تصبون إليه من درس ماضيها المجيد. أقدمتم على تلك المغامرة العلمية — وما أحلى المغامرات العلمية! — ووُفِّقتم إذ اخترتم لها التاريخ المصري، فلا يزال لهذا التاريخ شبابه، ولا تزال له طرافته وجِدته وأسراره، ومَن يوغل فيه بإقدام المغامر وعزمه، وصبر الباحث وجِده، فإنه يضيء ظلماته ويفك عُقدًا.

لقد كانوا حتى قرن واحد من الزمان لا يجدون إلا أدب العهد القديم إذا ما أرادوا أدبًا يمثِّل الشرق القديم، كانوا يعرفون أن أقدم ما في ذلك الأدب لا يعود إلى ما سبق منتصف القرن التاسع قبل الميلاد إلا قليلًا، وكانوا يعرفون أن أهل مصر وأهل أرض الرافدين كانت لهم آداب سبقت كُتب العهد القديم بعشرات القرون، وأن تلك الآداب تناولت الملاحم والقصص والمنظومات والأمثال والآداب التعليمية والدينية، ولكنهم لم يعرفوها إلا عن طريق الرواية كما في الأدب العبراني. فجاء ما عُرِف عن مصر عن طريق الصدفة منقطع الإسناد مكتوبًا بلغة مات أصحابها، وجاء ما عُرِف عن أدب العهد القديم متصل الإسناد جزءًا من تراث أمم النصرانية جمعاء، وكان من حظه أن نُقِل للإنجليزية في أزهى عصور النثر الإنجليزي.

ومهمتك أيها الزميل ومهمة أصحاب الدراسات المصرية، إحياءُ ذلك الأدب المصري ووصفه بوصفه الجدير به في تاريخ الإنسانية، وقد لاحظتُ أيها الزميل أنك تحيل القارئ على الدراسة المقارنة القيِّمة التي قام بها العلَّامة Peer للآداب المصرية والبابلية والعبرية؛ إننا نطمع أن تتولَّى استيفاءَ ما أوجز Peer مضيفًا إليه الأدب العربي الأول. إن القليل الذي نبَّهَ إليه Peer فتَحَ آفاقًا وأنارَ سبلًا، وإن أسلوبك العربي في ترجمة النصوص المصرية — وأذكر منها النبوءة التي قلتَ إن أمنمحات نسبها لنبيء يُدعَى نفررهو (ص٩٣، موكب الشمس، جزء ٢) — لَيدل على ما تستطيع العربية أداءه لإحياء الأدب المصري. لقد استوقفني في ترجمتك كلامُ النبيء عن «ابن الإنسان»، تعبير له ما بعده، أَلَا يدل ذلك أيضًا على ما ذهبتَ إليه في مقام الدراسات المصرية في الشرق القديم؟ هذا من الناحية الأدبية، وأما ما يستطاع أداؤه من الناحية اللغوية فهو مما أرجو أن تدلنا عليه وأن تسير فيه.

أيها الزميل، أنت تستطيع الإحياءَ لأنك كتبتَ عن أحياء، ظننتُ لأول وهلة أنك كتبتَ لأنك تتوخى الإنصاف قبل كل شيء، أو لأنك لا تحب أن تظلم السابقين؛ عملًا بقول أبي العلاء:

لَا تَظْلِمُوا الْمَوْتَى وَإِنْ طَالَ الْمَدَى

إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمُ أَنْ تَلْتَقُوا

ولكنني أدركتُ أنك كتبتَ ما كتبتَ لأن أشخاص ذلك التاريخ أشخاص أحياء. أتذكر غضبك لِما اعتبرته وصمة باطلة نسبها مؤرخ على شهرته لإخناتون، أتذكر معالجتك لشئون العلاقات الخارجية في أيام الدولة الحديثة كما لو كانت من الشئون الجارية.

أيها الزميل، لقد شهد الماضي صراعًا عنيفًا بين المشخصات السامية والمشخصات المصرية، وقد آنَ أن يشهد مجمع اللغة العربية بفضل عملك فيه تحوُّلَ الصراع إلى تعاون مثمر في بناء اللغة العربية وريثة الساميات والمصريات، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.