كثر حديث الصحف الوزارية الرسمية والصحف الموالية للوزارة عنها في هذه الأيام؛ حتى أصبح شيئًا يشبه الإلحاح فيما لا معنى للإلحاح فيه. فالوطنية المصرية — بحمد الله — أقوى وأظهر وأصرح من أن يحتاج المصريون إلى أن ينبهوا إليها، أو يدلوا عليها، أو يحثوا على الاستزادة منها. وما كنا لنحفل بهذا الحديث الكثير الذي تخوض فيه بعض صحف الوزارة عن الوطنية المصرية، وما يجب لها من القوة والكرامة ومن العزة والإباء، لولا أنَّ ممَّا يدعو إلى الضحك حقًّا ويدعو إلى الحزن حقًّا أن تتخذ الوطنية تجارة، ويلجأ إليها بعض الناس، حين يشتد الحرج وتزدحم الخطوب، فإذا هدأت من حولهم العواصف، واستقامت لهم الريح نسُوا حديث الوطنية، وزعموا أنَّ الذين يتحدَّثون عنها ويدعون إليها إنما يتحدثون عن الثورة ويدعون إلى الانتفاض؟

هؤلاء أنصار الوزارة القائمة، يُذكِّرون الشعب المصري الآن بكرامته ووطنيته، ويُنكِرون على صحف المعارضة أنها تطالب الوزارة بالاستقالة، ولا تجمع كلمتها لتأييد هذه الوزارة فيما بينها وبين الإنجليز من خصومة، فقد نحب أن نعلم أين كانت هذه الصحف الوزارية؟ وأين كان سادتها الوزراء؟ وأين كان الرجل الطيب وزير الخارجية حين طار نائب المندوب السامي إلى القاهرة، وحين اقتحم ثكنات الشرطة وأقسامها يفتش عليها، ويتحرى من أمرها ما لا تبيح الوطنية، ولا يبيح الاستقلال لوزارة أن تسمح لأجنبي مهما يكون أن يبحث عنه، أو أن يعلمه، أو أن يتحراه؟

في تلك الأيام القريبة التي كان المندوب السامي يفتش فيها على الشرطة في الإسكندرية، والتي كان نائبه يفتش فيها على الشرطة في الإسكندرية والقاهرة، كانت وطنية هؤلاء الناس نائمة تسرف في الغطيط. لا تحس شيئًا، ولا تنطق حرفًا، ولا تأتي حركة، وكان حب هؤلاء الناس للاستقلال وحرصهم على الكرامة القومية يتنزهان في مكان بعيد، يلعبان مع النسيم وموج البحر، أو يصعدان إلى القمم، وينحدران في الأودية، وكان المعارضون وحدهم هم الذين يحسون وهم الذين يشعرون، وهم الذين يألمون وينكرون، وهم الذين يوقظون وطنية الوزراء وأنصار الوزراء، وينبهون حب الوزراء وأنصار الوزراء للكرامة والاستقلال، ونحب أن نعلم أين كانت وطنية الوزراء وأنصارهم؟ وأين كان حب الوزراء وأنصارهم للاستقلال وحرص الوزراء وأنصارهم على الكرامة، ودفاع الوزراء وأنصارهم عن الحقوق، حين عبث الجنود البريطانيون بأموال الناس وأجسامهم ودمائهم في مدينة القاهرة في الليل حينًا، وفي النهار حينا آخر، في الصحراء مرة، وفي المدينة مرة أخرى، في هذا الوقت سكت الوزراء وأنصار الوزراء سكوتًا لم يكُن من ذهب، ولم يكُن من فضة، ولم يكن من نحاس. وإنما كان من معدن، ليست له قيمة ولا خطر. في ذلك الوقت تحدث المعارضون، ثم ألحوا في الحديث، ثار المعارضون، ثم ألحوا على الوزراء يسألونهم ماذا صنعوا، وماذا يريدون أن يصنعوا؟ وأين المذكرة التي صدرت من وزارة الخارجية إلى دار المندوب السامي، وأين الرد الذي جاء من دار المندوب السامي إلى وزارة الخارجية؟ وبعد التي واللتيا، وبعد كلام طويل من المعارضة، وصمت طويل من الوزراء والأنصار، ظهر بلاغ رسمي فيه اعتراف بما أنكر المعارضون من الحوادث، وتسجيل لها، وفيه نبأ بأن السلطة العسكرية البريطانية تحقق مع الجنود الآثمين.

فما أخبار هذا التحقيق؟ وإلى أين انتهى؟ وهل رضي الذين أصابهم الاعتداء، وكيف كان إرضاؤهم؟ وهل رضيت الوطنية المصرية التي أُهِينَت في أرضها، واحتُقِرت في وطنها؟ وكيف أُرضِيَت؟ وأين اعتذار الحكومة الإنجليزية إلى الحكومة المصرية؟ وأين سعي المستر بترسون بذلك إلى الرجل الطيب عبد الفتاح يحيى باشا؟

تستطيع أن تسأل عن هذا كله هؤلاء السادة الوزاريين، الذين أصبحوا في هذه الأيام دعاة إلى الوطنية وحماة للاستقلال، وحَفَظة للكرامة القومية.

تستطيع أن تسألهم وتنتظر الجواب، ولا تيأس أن طال الانتظار؛ فالقوم مشغولون عن هذه الأحداث الجسام بحدث آخر جسيم، وهو أنَّ وزارتهم قد تستقيل أو تقال.

إنَّ الذين يفوضون إلى دار المندوب السامي حل مسألة الدَّيْن بعد أن أعلن الاستقلال، وبعد أن أُنشِئَت في مصر وزارة للخارجية، وبعد أن بث السفراء والقناصل في أقطار الأرض، لا ينبغي لهم أن يذكروا الوطنية ولا الاستقلال. إنَّ الذين يفوضون الإنجليز في حل مشكلة المحاكم المختلطة، ولا يجرءون على أن يواجهوها بأنفسهم، ولا أن يتحدثوا فيها إلى الدول الأجنبية قبل أن يأذن لهم الإنجليز، لا ينبغي أن يذكروا الوطنية ولا الاستقلال. إنَّ الذين يفوِّضون الإنجليز في معالجة الامتيازات ومشكلاتها، لا يأخذون أنفسهم بهذا، ولا يسعون إليه إلَّا أن يظلهم تأييد الإنجليز، أو يسبق إليهم إذن الإنجليز، لا ينبغي لهم أن يذكروا الوطنية ولا الاستقلال. إنَّ الذين يؤثِرون الموظفين من الإنجليز على الموظفين من المصريين، إنَّ الذين يُقصون أستاذًا من أساتذة الهندسة إلى أسيوط، ويضعون مكانه أستاذًا إنجليزيًّا، إنَّ الذين يقدرون على فصل أستاذ من أساتذة الحقوق المصريين، ويعجزون عن إبعاد معلم من معلمي اللغات في هذه الكلية لأنه أجنبي، ولأنه أجنبي ليس غير، لا ينبغي لهم أن يذكروا الوطنية ولا الاستقلال. إنَّ الذين يَشُقُّونَ على مواطنيهم ويستبيحون إذلالهم وإخضاعهم لصنوف العذاب، وأخذهم بالعنف والجور في جباية الضرائب، يتقاضونها منهم في أيامها، وقبل أن يحين موعدها، لا ينبغي لهم أن يذكروا الوطنية ولا الاستقلال. إنما الذين يستطيعون أن يذكروا الوطنية والاستقلال وهم صادقون، وأن يملَئُوا بها أفواههم وهم جادُّون لا هازلون، هم هؤلاء الذين لا يَقبلون من الأجانب ضيمًا، ولا يرضون من الإنجليز تدخلًا في شئون الشرطة، ولا في شئون الري، ولا يؤثرون الأجنبي على المصري، ولا يخافون الأجنبي دون المصري، ولا يستبيحون لأنفسهم تعذيب مواطنيهم وإظهارهم للإنجليز في مظهر الضعفاء الأَذِلَّاء، ولا يفوضون الإنجليز في حل المشكلات، والكرامة تفرض عليهم، والحق يفرض عليهم، والاستقلال يفرض عليهم أن يحلوا مشكلاتهم بأنفسهم.

هؤلاء هم الذين يستطيعون أن يذكروا الوطنية، وأن يدعوا إليها، وأن يذكروا الاستقلال ويذودوا عنه، وأن يقولوا فيصدقهم الشعب، وأن يدعوا فيستجيب لهم الشعب، وأن يعملوا فيحسب الإنجليز حسابًا لما يعملون. ويستطيع الوزاريون أن يلتمسوا هؤلاء الدعاة الصادقين إلى الوطنية والحماة الصادقين للاستقلال في غير دواوين الوزارة، وهم لا يختلفون الآن إلى المكاتب والدواوين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.