ولكن طموح الشعب شيء، وبلوغها ما تطمح إليه شيء آخر، وبين هذين الشيئين عبث ولهو في بعض المواطن، ومكر وكيد في بعض المواطن الأخرى، وحزن وأسًى أحيانًا، وعرق ودماء ودموع — كما قال المستر تشرشل منذ سنين — أحيانًا أخرى …

الواقع أنك تنظر إلى الإنسانية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، فترى طموحًا في كل مكان، ولكنك ترى السعي إلى بلوغ الأهداف التي تطمح إليها الشعوب يختلف اختلافًا كثيرًا باختلاف الأمزجة والظروف التي تحيط بهذه الشعوب. ففي أوروبا طموح شعبي إلى العدل الاجتماعي، يختلف قوة وضعفًا باختلاف ما لهذه الشعوب من حظٍّ في الرقي، وباختلاف أمزجتها واستعدادها للهدوء والحدة، وللخمود والنشاط. هذه الشعوب تريد أن تحقق ديمقراطية اشتراكية، وتلك الشعوب تريد أن تحقق ديمقراطية شيوعية، وشعوب أخرى تضطرب بين أولئك وهؤلاء.

وفي أوروبا طموح سياسي أيضًا، فهناك شعوب تستمتع بالاستقلال والتسلط على أمم الأرض، وهناك شعوب تستمتع بالاستقلال البسيط الذي لا تسلط فيه، وهناك شعوب فقدت استقلالها بعد الهزيمة، وأخرى فقدت استقلالها بعد الانتصار، وكل هذه الشعوب طامحة إلى أكثر مما في أيديها. فالشعوب المتسلطة تريد أن توسِّع سلطانها، والشعوب المستقلة تريد أن تضيف التسلط إلى الاستقلال، والشعوب التي فقدت استقلالها تريد أن تسترده، والأمور تختلط بين هذا كله في أوروبا اختلاطًا شديدًا يملأ كثيرًا من النفوس رثاءً للإنسان الذي خَيَّل إليه الغرور أنه يقدر على كل شيء، ثم أظهرت له الحقائق الواقعة أنه لا يكاد يقدر على شيء! وإن فيما يحدث الآن في جنوب أوروبا عامةً — وفي بلاد اليونان خاصةً — لعبرة لمن يريد أن يعتبر، ولكنَّ الذين يحبون الاعتبار ويحرصون على الانتفاع بحوادث التاريخ قليلون. لقد اعتدى المحور على اليونان، وكانت بلاد اليونان في ذلك الوقت خاضعة لنوع من الدكتاتورية، يشرف عليه الجنرال متكساس، فلم تكد تعرض للعدوان حتى نسيت أحقادها وضغائنها، ووقفت موقفًا رائعًا أعجب به العالم الحديث، كما أعجب العالم القديم بمواقف أخرى رائعة للشعب اليوناني العظيم. وقد كاد هذا الشعب الصغير الكبير يقهر إيطاليا، لولا أن أسرع هتلر فأعان حليفه موسوليني. ثم امتحنت الأمة اليونانية في كل شيء، وفقدت كل شيء إلَّا الشرف والكرامة. ثم انتصر اليونان مع المنتصرين، ولكنهم لم يظفروا بعد باستقلالهم كاملًا، فما زال وطنهم محتلًّا، وما زال مستقبلهم موضوع الصراع بين شرق أوروبا وغربها. يريد فريق من اليونانيين ديمقراطية معتدلة، وتؤيدهم ديمقراطية الغرب، ويريد فريق آخر ديمقراطية متطرفة، وتؤيدهم شيوعية الشرق. ويختلط الأمر على الشعب اليوناني، فيعجز حتى عن أن ينشئ لنفسه حكومة مستقرة، تستفتي الشعب استفتاءً صحيحًا، وإذا الأمة اليونانية تعود إلى شيء يشبه الدكتاتورية. فهذا الوصي على العرش يجمع اليوم بين رياسة الدولة ورياسة الحكومة، فهو مسئول وهو غير مسئول، أمره في ذلك كأمر الجنرال ديجول في فرنسا، لولا أن شئون الحكم في فرنسا تسعى إلى طريقها الطبيعية سعيًا هادئًا مستقرًّا؛ لأن فرنسا تستمتع باستقلالها كاملًا، ولا تخضع لهذا الصراع بين ديمقراطية الشرق وديمقراطية الغرب، وإنما تخضع لتطورها الطبيعي.

ولا يدري أحد أتنجح هذه التجربة الجديدة في اليونان أم تخفق؟ ولكن الشيء الذي ليس فيه شك، هو أن الشعب اليوناني لو خُيِّر لاختار، ولكنه ليس حرًّا في هذا الاختيار، ولن يكون حرًّا إلَّا إذا جلا عنه المحتلون من الأجانب، وترك الشرق والغرب له تدبير أمره كما يريد. وليست الحال في بلغاريا ورومانيا بخير منها في بلاد اليونان، وإن كنا لا نعرف من أمر هذين القطرين شيئًا؛ لأن السلطان الروسي يفرض عليهما رقابة لا تطاق. فأمَّا بلاد المجر فقد أعلنت فيها حالة الطوارئ — بعد أن شملتها الفوضى — وكاد يشملها الخراب. وليست الأمور مستقرة في بولندا، وليس الأمن شائعًا في ألمانيا والنمسا وإيطاليا، وإنما هو الاضطراب الشامل، والصراع الذي يختلف قوةً وضعفًا بين ما تريده الشعوب وما تريده حكومات المنتصرين. والذين يظنون أن الأمور في أفريقيا خير من الأمور في أوروبا، يخادعون أنفسهم خداعًا شديدًا، فيكفي أن تنظر إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط الأفريقي، لتعلم أن العرب في شمال أفريقيا ساخطون مضطربون، وأن أهل ليبيا خائفون مرتقبون، وأن أهل مصر مشفقون وجلون. فأمَّا فلسطين، فأنت تعلم ما يجري في فلسطين، وأمَّا سوريا ولبنان فأنت تعلم ما يجري في سوريا ولبنان. فإذا بلغت تركيا فهناك الخوف كل الخوف، والقلق كل القلق، وإبقاء الجيوش معبأة في بلد غير محارب، ولكنه يخاف المكروه. فأمَّا إيران فقد أمر إمبراطورها ألَّا يحتفل بعيد ميلاده، ما دام الوطن الإيراني خاضعًا للاحتلال الأجنبي. وخطوب الهند أظهر من أن تحتاج إلى بيان. وكذلك يضطرب العالم كله بهذا الصراع بين طموح الشعوب إلى الحرية والاستقلال وحرص حكومات ثلاث أو أربع على التسلط والقهر. وكل هذه الشعوب الطامحة — في كل هذه الأقطار من الأرض — تشقى بهذا الطموح، وتأسى لهذه الآمال التي لا تجد إلى تحقيقها سبيلًا. وكثير من هذه الشعوب يضحي بدمائه ومنافعه أثناء السلم، كما ضحَّى بها أثناء الحرب في سبيل هذه الآمال. ولا يكاد الرأي العالمي العام يشغل نفسه بثورة من الثورات في قطر من الأقطار حتى تعن له ثورة أخرى في قطر آخر تشغله، وتستغرق ما يملك من جهد وتفكير بحيث:

تكاثرت الظباء على خراش

فما يدري خراش ما يصيد

فقد شغل الرأي العالمي العام بمشكلة شرق أوروبا، ثم بمشكلة جنوب أوروبا، ثم بمشكلات العالم العربي، وأظهرها مشكلة فلسطين، ثم بالمشكلة التركية الروسية، ثم بمشكلة إيران. وبينما هو مشغول بهذه المشكلات كلها، جاءته مشكلات الشرق الأقصى، وهي مشكلات غريبة حقًّا، أو قل: إنها مشكلات طبيعية لا غرابة فيها؛ لأنها نشأت من هذا الينبوع الذي نشأت منه المشكلات كلها، وهو ينبوع الوعود التي تُبذل في كثير جدًّا من الكرم والسخاء، ثم لا يبر بها الذين بذلوها.

وموقف حلفائنا البريطانيين بنوعٍ خاص من هذه الوعود، يدعو إلى الضحك والرثاء حقًّا، فهم قد وعدوا — كما وعد غيرهم من الحلفاء — ولكنهم بذلوا وعودًا متناقضة أشدَّ التناقض، قالوا للشعوب المستضعفة إنهم يعدونها بالحرية والاستقلال، وبما اشتمل عليه ميثاق الأطلنطي من سخاءٍ ورخاء، وقالوا في الوقت نفسه لبعض الشعوب الأوروبية المنهزمة إنهم يعدون بمعونتها حتى تسترد استقلالها كاملًا شاملًا، وسلطانها واسعًا موفورًا. فلما وضعت الحرب أوزارها، قالت الشعوب الضعيفة لحلفائنا الإنجليز: هلم امنحونا الاستقلال الذي وعدتم به، والحرية التي زينتموها في قلوبنا، وخيَّلتم إلينا أنها قريبة المنال. وقالت الشعوب المحررة لحلفائنا الإنجليز: هلم امنحونا ما وعدتم به من المعونة، على أن نسترد سلطاننا واسعًا موفورًا. وقال الشعب الإنجليزي للشعب الإنجليزي: يجب أن نحقق ما وعدنا به من العدل، وإلَّا ساء الظن بنا، واشتد الشك فينا، وفقدنا ثقة العالم، ويجب في الوقت نفسه أن نحتفظ بإمبراطوريتنا كاملة غير منقوصة، فليس من المعقول أن نعين الفرنسيين على استرداد الهند الصينية، والهولنديين على استرداد إندونيسيا، ونفقد نحن الهند أو غيرها من أجزاء الإمبراطورية.

ونظر المستر إتلي، ونظر معه مجلس العموم، فإذا بريطانيا العظمى قد وعدت هولندا بمساعدتها على استرداد الإمبراطورية الهولندية، وضمنت لها سلامة هذه الإمبراطورية، ووعدت في الوقت نفسه بألا تعين على الاستعمار، وألَّا تؤيد الظلم والجور، وألَّا تمكن القوي من الاستبداد بالضعيف! وأهل إندونيسيا يطالبون بريطانيا العظمى بالوفاء، وحكومة هولندا تطالب بريطانيا العظمى بالوفاء. والمشكلة التي تواجه بريطانيا العظمى الآن، هي كيف تفي لأهل إندونيسيا والهند الصينية بما وعدت به العالم كله من حرية واستقلال، ولهولندا وفرنسا بما وعدت به من ردِّ أملاكهما إليهما سالمة؟ كيف تمنح الاستقلال لأهل هذه الأقطار في الشرق الأقصى، وترد هذه الأقطار إلى هولندا وفرنسا في وقت واحد؟!

وهي مشكلة خطيرة كما ترى، وقد همَّ المستر أنتوني إيدن أن يجد منها مخرجًا لبقًا، فتساءل أمس في مجلس العموم: أليس الهولنديون هم الذين أعلنوا الحرب على اليابان؟ ومعنى هذا واضح، هو أن الهولنديين يجب أن يجنوا — وحدهم — ثمرة هذه الحرب التي أعلنوها. ولكن المستر إتلي رجل شديد الحياء والوفاء أيضًا، فهو يرد على وزير الخارجية السابق بأن الهولنديين إنما أعلنوا الحرب تضامنًا مع الحلفاء.

ويزيد هذه المشكلة تعقيدًا أن البريطانيين قد اضطروا إلى أن يستعينوا باليابانيين المنهزمين على إقرار النظام في إندونيسيا، فهل رأيت منتصرًا يستعين بالمنهزم وغالبًا يعتزُّ بالمغلوب؟ ولكن الضرورات تبيح المحظورات، وقد صدق الشاعر القديم حين قال:

إذا لم يكن إلَّا الأسنة مركبًا

فلا أرى للمضطر إلا ركوبها

وإذن، فسيستعين البريطانيون بأعدائهم من اليابانيين على حفظ النظام في إندونيسيا؛ حتى تستطيع هولندا أن ترسل الجيوش الكافية لحفظ النظام في تلك الأقطار. ويومئذٍ يرد اليابانيون إلى بلادهم، ويعود البريطانيون إلى قواعدهم، ويخلى بين الهولنديين وما يملكون من قوة وبأس في البر والبحر والجو، وبين الإندونيسيين وما كتب عليهم من ضعف وبؤس وشقاء، وجهاد فيه ما وعد به المستر تشرشل من العرق والدماء والدموع!

وهذه المأساة التي تمثل الآن في إندونيسيا تمثل في بلاد أخرى كثيرة من أقطار الأرض؛ وعودٌ تُبذل في أوقات الشدة، وإخلافٌ لهذه الوعود في أوقات الرخاء، وتعاون بين القوى المنتصرة على إخضاع المظلومين الذين لا يجدون سبيلًا إلى الانتصار. على هذه السُّنة جرت الأمور بين أوروبا القوية والشرق الضعيف، والله عز وجل لن يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. فإذا أراد الشرق أن يكون كريمًا عزيزًا، مستمتعًا بحقِّه في الاستقلال، فليلتمس هذا كله عند نفسه لا عند أوروبا؛ فإن أوروبا لن تقدم إليه هذه الهدية، وإنما تؤثر بها نفسها. وما أكثر ما يطلب الشرقيون إلى الشرقيين المعونة والتأييد، وما أكثر ما يهدي الشرقيون إلى الشرقيين من معونة وتأييد، ولكنها معونة بالقلوب وتأييد بالألسنة، وهي أضعف المعونة وأضعف التأييد!

وإذن، فليس أمام الأمم المستضعفة إلَّا شيئان ليس لهما ثالث: فأمَّا أولهما فالعمل الذي لا يعرف توانيًا ولا تواكلًا، وأمَّا ثانيهما فالأمل الذي لا يقنط من روح الله، فإنه لا يقنط من روح الله إلَّا القوم الكافرون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.