نعم نوم، ولعله أن يكون لذيذًا، وإن كانت الأحلام كثيرًا ما تروع الوزارة في هذه الأيام. ولكن نوم وزارة المعارف فيما يظهر عميق صفيق لا تبلغه الأحلام، ولا تصل إليه الحوادث. فإذا كان الصيف ازداد هذا النوم صفاقةً وعمقًا؛ لأن الراحة تضرب أطنابها حول الوزارة، وتبسط ظلها على الكبار والصغار من الموظفين.

النوم العميق الصفيق وحده هو العلة المعقولة لإبطاء وزارة المعارف في إصدار حركة التنقلات لرجال التعليم الثانوي إلى الآن. فلعل وزارة المعارف تعلم أن الدراسة ستبدأ يوم السبت المقبل؛ أي بعد ثلاثة أيام، ولعلها تعلم أنها لم تمضِ حركة التنقلات بين رجال التعليم الثانوي إلى الساعة التي تُملي فيها هذا الكلام. ولعلها تعلم أن ثلاثة أيام ليست شيئًا يُذكر إذا صدرت هذه الحركة اليوم، ليبلغ أمر التنقل إلى المعلمين، ثم ليتخذ المعلمون لأنفسهم ما ينبغي من الأُهب لتنفيذ هذا النقل. ومع ذلك فلسنا نلعب ولا نشتط على الوزارة، ولا نداعب المدرسين، ولا نفكه الجمهور حين نقول إن حركة التنقُّلات لم تصدر إلى الآن.

وقد نتعب كثيرًا إذا التمسنا علة معقولة لهذا الإبطاء، فأشهر الصيف طوالٌ يستطيع أن يأخذ منها كبار الموظفين لراحتهم، وأن يعطوا منها للعمل. وراحة المئات من المدرسين والألوف من أسر هؤلاء المدرسين ليست أهون على الدولة ولا أيسر على مصر من راحة نفر لا يبلغون العشرة من كبار الموظفين. فمن المعقول أن يستريح هؤلاء الموظفون الكبار شهرين، فإذا كان أغسطس أعدُّوا حركة التنقلات، فإذا كان سبتمبر أصدروها في أوله، ليجد رجال التعليم الثانوي أمامهم شهرًا — والشهر قليل — يتهيَّئون فيه للانتقال من مدينة إلى مدينة، ومن وجه إلى وجه، ومن عمل إلى عمل. ويُهيِّئُون فيه لأبنائهم وبناتهم ما يستتبعه هذا الانتقال من تبديل مدرسة بأخرى. ومن كل هذا العناء الذي أخذ رجال التعليم أنفسهم باحتماله في كل عام؛ لأن وزارة التعليم لا تزال مقتنعة بأن رجال التعليم يجب أن يُنقلوا في كل عام، وأن يكونوا كقطع الشطرنج لا يستقرون في مكان إلَّا ريثما يُنقلون عنه إلى مكان آخر.

ولسنا نريد الآن أن نبيِّن ما في هذا التنقيل الكثير لرجال التعليم من سُخف ومن فساد التعليم نفسه، فقد نعود في غير هذا الفصل، وإنما نريد أن ننبِّه وزارة المعارف إلى أن هذا الشر التقليدي الذي تحرص عليه أشد الحرص دون أن تفطن لآثاره السيئة في التعليم نفسه وفي حياة المعلمين وأُسَرهم، وفي أموال الدولة التي تُنفق في كل عام على هذه التنقُّلات. نريد أن ننبه الوزارة إلى أن هذا الشر إذا لم يكن منه بدٌّ، فلا أقل من أن يخفف احتماله على الناس، وليس هناك ما يدعو إلى أن تضاعف الأمة، وأثقاله؛ فحسب رجال التعليم أنهم يعيشون عِيشة البدو وإن كانوا متحضرين، وأنهم يُنقلون كما يُنقل البدو في الصحراء وإن كانوا يعيشون في بلد من طبيعته الاستقرار، وأن أحدهم يجب أن يرتب حياته على أنها مضطربة لا هدوء فيها ولا استقرار. وعلى أن الله قد كتب عليه أن يقضي عامًا في أقصى الصعيد، وعامًا في أسفل الأرض، وأعوامًا أخرى متنقلًا بين ذلك، حسب رجال التعليم، هذا وليس من الضروري — ولا مما يصلح شئون التعليم — أن يترك المعلمون في حيرة عميقة منكرة يشاركهم فيها نساؤهم وأبناؤهم وبناتهم وذوو قرباهم شهرًا كاملًا، لا يعرفون أين يقضون العام، ولا كيف يستقبلون أيامهم، حتى إذا انقضى شهر سبتمبر أو كاد، صدرت إليهم هذه الأوامر الحازمة الحاسمة، كُلِّفوا تنفيذها في سرعة ودقة معًا، فازدادت أمورهم اضطرابًا وازدادت حياتهم فسادًا، وامتلأت نفوسهم سخطًا على العلم والتعليم، وعلى هذا الحظ الذي جعلهم معلمين.

ليس شيءٌ من هذا ضروريًّا، وإنما الضروري هو عكس هذا بالضبط، هو أن تتعب الوزارة ليستريح المعلمون، وليؤدوا واجبهم الوطني العظيم في صدقٍ وإخلاصٍ وفي رغبةٍ وارتياحٍ للعمل. وليس أخطر على أخلاق المعلمين والمتعلمين من أن يشعر رجال التعليم بأنهم أهون على كبار الموظفين من أن يضحُّوا في سبيلهم بشيءٍ من الراحة، أو يتحملوا في سبيلهم عناء العمل والحر الشديد.

فالمعلمون يعلِّمون، لا يشكون من الحر ولا من البرد، ولا يأبون تنفيذ ما يصدر إليهم من أمر قد يخالف مصالحهم ويضيِّع كثيرًا من منافعهم، وهم لا يأخذون على ذلك أجرًا ضخمًا ولا مرتبًا فخمًا كهذه الأجور والمرتبات التي يأخذها الوزراء وكبار الموظفين ليعملوا قليلًا وليستريحوا كثيرًا، وليعملوا كما يحبون لا كما تحب المصلحة وحاجة العمل في أكثر الأحيان.

ليس من الضروري أن يسرف المراقبون في الراحة، ولا أن يسرف وزير التعليم في الاشتغال بغير أمور التعليم، ولا أن يذهب وكيل الوزارة إلى أوروبا ليقضي فيها أشهر الصيف، ولا أن يتردد سكرتير الوزارة بين القاهرة والإسكندرية كأنه يعمل، وآثار عمله لا تكاد تظهر.

ليس هذا كله ضروريًّا، وإنما الضروري الذي تفرضه المصلحة وتفرضه الأمانة ألَّا يأتي شهر سبتمبر إلَّا وقد علم رجال التعليم جميعًا أين يُراد منهم أن يقضوا عامهم المقبل.

فليتنبه لذلك رجال وزارة المعارف، وما نظنهم يفعلون. فالناس ينبَّهون لذلك في كل عام، ولكنهم عن هذا كله مُعرِضون، ولو أني أعلم أن وزير التقاليد قادرٌ على أن ينتصح بما أقدم له من نصح، لأشرت عليه بألَّا يصدر حركة التنقلات في هذا العام؛ لأن وقتها قد انقضى، وبأن يدع رجال التعليم حيث هم حتى لا يضطرهم إلى ما لا بدَّ لهم منه — إن صدرت الحركة — من هذا العناء السخيف الثقيل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.