‏يخرج القارئ من الفصل الثاني من رواية قمبيز وهو يعتقد أن الملك كان في تلك الأيام مسخرة، وأن سياسة الدول كانت عبث أطفال، وأن قمبيز كان رجلًا مجنونًا لا أكثر، وكان حقه أن يُحبَس في مستشفى، وأن فرعون مصر كان مغفلًا أبله — هذا هو ما يقع في نفس القارئ من فصلين اثنين من الرواية، والأمر يحتاج إلى إيضاح، فَلْنتوله على قدر ما يسمح المقام.

‏عرف الوفد الفارسي الذي ذهب إلى مصر يخطب لملكه بنت فرعون، أن نفريت خليلة أحد رجال الحاشية، واستطاع أن يقف على هذا السر بعد ليلة واحدة قضاها ‏في البلاد، وعلى الرغم من أن نفريت لم تظهر للوفد ولم يرها أعضاؤه؛ لأنها ظلت محتجبة، والدليل على احتجابها أن نتيتاس لما حلت محلها وذهبت نفسها بنت الملك والخطيبة المنشودة قالت لهذا الوفد معتذرة من احتجابها:

قد تأخرت عنكمو

وأطلت التحجبا

ونهاني مطببي

فسمعت المطببا

خبأوني لوعكة

ومن البر يختبا

‏والشاعر قد خبأ نفريت ليتسنى له أن يبرز نتيتاس باسمها، ومع ذلك وقف الوفد على سر الهوى بين بنت الملك ورجل من حاشيته، وليكن قد أقام ذلك أسبوعًا أو شهرًا، وأن هذا السر ما ظهر ولا عرفه الوفد إلا بعد طول الإقامة والاتصال، فما يعنينا طالت المدة أم قصرت، وإنما الذي يعنينا أن السر لم يلبث أن عرفه الضيوف وأحاطوا به أتم إحاطة، ولا يستطيع شوقي أن ينكر أنه فعل ذلك، فقد جعل أحد الفرس في المنظر الثاني من الفصل الأول يسأل زميلًا له عن تاسو:

‏تاسو؟ ومن تاسو؟

‏فأجابه الفارس الآخر:

فتى

في القصر مرموق جميل

ندمان فرعون وصاحبه

وحارسه النبيل

ويميل فرعون إليه

وبنته أيضًا تميل

‏هذا وما رأوا بنت الملك ولا نتيتاس! فإذا كان هذا هكذا، فهل يُعقَل أن يظل الوفد الفارسي يجهل أن التي زعموها بنت الملك ليست بنته، وأن التي خطبوها غير التي قبلت الخطوبة، وأن التي مضت معهم إلى فارس لتُزَفَّ للملك ليست إلا أميرة أخرى انتحلت اسم نفريت؟ وهذا التدبير الذي اقترحته نتيتاس وقَبِله الملك يُعَدُّ ولا شك سرًّا خطيرًا، يؤدي إفشاؤه إلى شر مما كان يخشى لو رفض فرعون مصاهرة قمبيز، ومع ذلك انظر ماذا صنع الشاعر؟ جمع رجال الدولة المصرية كلهم في وليمة التكريم التي أقامها للفرس، وأجلس نتيتاس على أنها نفريت، ورجال الدولة فيهم المصري وفيهم الأجنبي، وفي هؤلاء وهؤلاء مَن ليس من الحكمة ائتمانه على سر له كل هذا الخطر، فقد يثرثر، أو يكون غير كتوم، أو يسكر فينطلق لسانه، أو يخون، فأي تدبير هذا؟ وما الفرق بين الأطفال ورجال الدول وساسة الأمم إذا كانوا يلجئون إلى مثل هذه التدابير الصبيانية التي لا يُعقَل أبدًا أن تجوز على أحد؟ ومع ذلك أقام الوفد الفارسي ما أقام في مصر وهو جاهل هذه الحقيقة؛ على الرغم من أن الشاعر قال لنا إنه جاس خلال ‏الديار ودرس أحوالها، وعرف مبلغها من القوة وحظها من البأس والسطوة، ثم عاد الوفد وهو يجهل هذا المكشوف الذي يعرفه حتى الخدم، وزُفَّتِ الأميرة المزورة إلى قمبيز، فلبث عامًا لا يسمع بالحقيقة الشائعة ولا يلقيها إليه أحد، ولما خان فانيس مصر ‏والتحق بخدمة فارس، وأفشى السر الذائع، صدَّقه الملك ولم يحتج إلى دليل يعزز ما ألقى إليه، ولم يطلب شاهدًا على صحته، واكتفى بأن يسأل الملكة (نتيتاس) فلم تنكر، ولو أنكرت لصارت حياتها في كفة وكلمة فانيس في كفة أخرى؛ إذ لا مرجح هناك، ولكان الملك خليقًا أن يؤثر تصديقها على تصديق رجل يجوب الآفاق ويضرب في الأرض طلبًا للرزق؛ حيث كان باعترافه (ص٧٢ ‏الفصل الثاني):

أَجَلْ مولاتي الإغريق قومي

أحِبُّهُمُ ويونان بلادي

هجرتهما إلى مصر صبيًّا

لكسب معيشة وطلاب زاد

‏ولَكلمة أميرة بنت ملك على كل حال أولى بالتصديق من كلمة مرتزق لا ينكر أنه يخون:

قد خنت مصر وخنت سادتي بها

لكنني ما خنت قطُّ بلادي

‏وعلى هذا يثور قمبيز ويجن جنونه؛ لأن السر المشهور الشائع الذي يعرفه كل واحد في مصر، والذي كان ينبغي أن يطَّلِع عليه كل فارسي وَفَدَ على مصر كما اطَّلَع بسرعة على علاقة خفية — أو على الأقل يجب أن يكون مفروضًا أنها خفية — كالعشق بين نفريت وتاسو خادم أبيها، ويصيح قمبيز متوعدًا منذرًا:

كذبتِ عليَّ يا ابنة ابرياس

حذار حذار من بطشي وفتكي

أنا قمبيز بن كسرى

أنا جبار الوجود

وأنا النار أصولي

وبنو النار جدودي

ويل فرعون ومصر

من جنودي وبنودي

رباه ويحي ويح لي

كأنما النار فيَّ تتقد

رباه ناراه ما الذي أجد؟

أورمازد كن عوني

يا نار كوني لي

بنت فرعون

انتظري البطش يا

أنا وحش أنا غول

أنا قمبيز بن كسرى

وعلى النار أبول

لست بالعجل أبالي

رباه ما لي لا أعي

وهكذا يكون تدبير رجال الدول، وتكون سياسة الأمم فيما يعلمنا شوقي بك!

وليلاحظ القارئ أننا لا نتعرض للناحية التاريخية، ولا نقابل بها ما كتب شوقي بك، فإن هذا سيجيء في أوانه، وإنما نتناول الرواية كما هي لنريك مبلغ ما في تأليفها من الاضطراب، وما في أساسها من الضعف والوهن؛ فإن سرًّا شائعًا كهذا ما كان يصح أن يُجعَل محور الرواية كلها والقطب الذي تدور حوادثها، في دولتين عظيمتين كمصر وفارس لم يكن ثَمَّ أقوى منهما في ذلك العهد، وقد كان ينبغي لشوقي بك أن يحتال ليبقى السر في أضيق دائرة، لا أن يكشفه في وليمة عامة يُدعَى إليها العشرات من الضيوف ورجال الدولة وقوادها، من مصريين وأغارقة ليس منهم إلا من يعرف نفريت ونتيتاس كما يعرف نفسه أو أهله.

‏والحرب التي شن قمبيز غارتها على مصر كان الباعث عليها والداعي إليها أن قمبيز عرف أخيرًا أن مصر خدعته وزَفَّتْ إليه بنت ملك سابق زاعمة أنها بنت الملك الحالي، هكذا قال شوقي، ولو قد بلغ من غضب قمبيز لوقوفه على هذه الخديعة وهياجه بسببها أن أصابه الصرع، وهو يكلم الملكة في هذا الشأن في شدة الانفعال:

أنا قمبيز بن كسرى

أنا وحش أنا غول

لست بالعجل أبالي

وعلى النار أبول

قد رجع الصغير لي

يا ليته لم يرجع

ما بال عيني أظلمت

ما بال ساقي جمدت

أين الطبيب ازدشر

‏(يغشاه الصرع.)

‏وقبل ذلك يجري هذا الحوار بينه وبين الملكة في هذا الصدد أيضًا:

الملك:

سترين العقاب

الملكة:

إني تأهبت

فهات العذاب هات المنونا

الملك:

لا فما ها هنا العقاب ولكن

الملكة:
أين؟
الملك:
في حيث شئت — لِمَ تسألينا

مصر أولى بأن أحاسب فيها

وأُحِلَّ العقاب بالخادعينا

في غد تدخلين مصر مع الجيش

إلخ.

‏(فلا شك إذن في أن غزو مصر كان داعية غضب قمبيز بسبب هذه الخديعة، ولكنك تقرأ في الفصل بعد ذلك ما يدل على سبق التدبير والاستعداد، وأن النية كانت مبيتة والعزم كان معقودًا على فتح مصر على أي حال، بغض النظر عن خداع مصر لقمبيز، فإن الملكة تحاول أن تجسم له المصاعب التي ستعترضه إذا هم بفتح مصر، فيقول):

الملك:

لا تراعي فما على الجيش بأس

كل شيء على الحدود تهيا

قد وجدنا الجرار في مصر والماء

ولم نعدم الرجال السقيا

ويضيف فانيس إلى مقال الملك:

واشترينا الخفير بالمال والحا

رس والحامي الأمين القويا

‏وفي هذا الفصل أيضًا، فضلًا عن رشوة الحراس والحماة، ما يدل على أن قمبيز عني عناية خاصة بدرس حالة الجيش المصري ومبلغ استعداده للدفاع وقدرته عليه، فإنه يدعو القائد ميجا ليصف لنتيتاس جيش مصر، فيقول:

إن ورد السلم من كثرته

نسيت أظفارها فيه الأسود

واختلاف الجند فيما بينهم

أخذ البأس وإن أبقى الحديد

أصبح الجيش

الملك:

تكلم

الملكة:
قُلْ أين
ميجا:
كالقطيع اختلفت فيه الجنود

حشر اليونان في رايته

وتراغى الزنج واندس العبيد

وغدا كل طريد لم يجد

سبب الرزق أتى الجيش يصيد

‏فأنت إذ تقرأ الرواية تظل مضطربًا بين نظرتين: الأولى أن غزو فارس لمصر كان نتيجة جِنَّة أصابت الملك بسبب خديعة مصر له، والثانية أن الملك كان ينوي هذا ويأخذ العدة له وافية كاملة، بغض النظر عن نتيتاس، ومن قبل أن يعرف حقيقتها؛ وشوقي بك يَدَعُكَ حائرًا لأنه هو على الأرجح حائر، والسبب في ذلك فساد تأليف الرواية، وإقامتها على فكرة مستحيلة كما أوردها شوقي بك؛ فإنها حيلة لا تليق حتى ولا ‏بأطفال كُتَّابٍ، فضلًا عن ساسة الأمم.

(للكلام بقية)

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.