كنت أزور دمشق قادمًا إليها من حلب سنة ١٩٥٣، وأوجبت على نفسي يومئذ أن أزور فارس بك الخوري. فقد قيل لي: إنه معتكف في بيته لمرض عينيه، وبيني وبين الرجل مودة قديمة، إذ التقينا بالقاهرة، ونيويورك، وباريس، وقدَّرت فضله وعلمه. فلما كنا بداره بظاهر دمشق تناول حديثنا شئونًا شتى من بينها العرب والعروبة؛ ذلك بأن قومًا كانوا يتحدثون عن فرعونية مصر، وفينيقية لبنان، وهلم جرا. قال فارس بك: إن هذا كله حديث التاريخ، وهو أشبه بالحديث عن أصل الإنسان، والمذاهب المختلفة فيه. لكن النبي العربي — عليه السلام — له في هذا الأمر حكم هو الحكمة، وفصل الخطاب، ثم إنه أمر فجيء من مكتبته بكتاب لا يحضرني الساعة اسمه، وطلب إلى صديقي سامي الكيالي أن يفتح بين صفحاته فصلًا عيَّنه له، فإذا في هذا الفصل أن سلمان الفارسي اختلف في عهد الرسول — عليه السلام — مع جماعة من الصحابة في أمر، فقالوا له: وما أنت وذاك، إنما أنت فارسي وذلك شأن العرب، فشكاهم سلمان إلى رسول الله، فدعاهم إليه، وسمع من سلمان، وسمع منهم، ثم قال: كل من تكلم العربية فهو عربي.

والحق في هذه العبارة ظاهر، فما بالنا ننسب الشخص إلى قبيلة بذاتها، أو إلى بلد بذاته، وإلى أمة بذاتها، أو إلى جنس بذاته، ولا ننسبه إلى اللغة التي يتكلمها؛ واللغة أداة التعارف والتفاهم، بل هي التي تفرق بين الإنسان وغيره من الخلائق، والنسب إلى الجنس أبعد ما تكون عن حقيقة الواقع، فليس بين الناس من يستطيع أن يقول: إنه فرعوني أو فينيقي مائة في المائة على تعبير عصرنا الحاضر. فالذين انتقلوا خلال الأجيال من الشام إلى مصر، أو من بلاد العرب إلى الشام، أو إلى العراق، فاختلطوا بأهله وارتبطوا معهم برابطة النسب والمصاهرة لا يحصر عددهم، أفيكون هؤلاء، ويكون ذويهم من الفينيقيين، أم من عجم العراق، أم من أهل مصر، أما الانتساب إلى اللغة فانتساب لأكرم مظهر إنساني لا يشارك الإنسان فيه سواه.

والانتساب إلى اللغة يكاد يحدد البيئة التي ولد الإنسان ونشأ فيها، فالذي يتكلم الإسبانية قد ولد بإسبانيا، أو بإحدى بلاد أمريكا اللاتينية، والذي يتكلم الإنجليزية قد ولد ونشأ أغلب الأمر في الجزر البريطانية، أو في الولايات المتحدة، وهلم جرا، والذين يتكلمون العربية ولدوا ونشئوا في العالم العربي الممتد من شمال أفريقيا متصلًا بآسيا إلى حدود إيران. وهذه الدول المتجاورة التي تتكلم العربية تؤلف العالم العربي، وإن اختلفت أصولها الجنسية، ومواقعها الجغرافية. فاللغة رابطة أقوى من كل رابطة، والذين يتكلمون لغة واحدة يتحد أغلب الأحيان مصيرهم، ويشتركون لذلك في آمالهم وآلامهم، وينظرون إلى المستقبل نظرة واحدة، وهم إلى ذلك كله يشعرون برابطة توحد وجهتهم في الحياة، وتجعلهم يتعاونون في صدق وإخلاص لمقاومة كل خطر يتهددهم، وتحقيق أهداف تصورها لغتهم بدقة لا يتأتى للغة غيرها أن تحدد هذه الأهداف بمثل هذه الدقة.

والأمثال على تعاون الأمم التي تتكلم لغة واحدة حاضرة أمامنا في هذا العصر الذي نعيش فيه، كما أن ما يرويه التاريخ منها يزيد عباراتها وضوحًا وقوة، لقد اختلفت الولايات المتحدة مع إنجلترا، وقامت الحرب بين الأمتين حين كانت إنجلترا تحكم الولايات المتحدة، فلما استقلت هذه وأصبحت الدولة القوية المنيعة الجانب رأيتها تقف مع إنجلترا جنبًا إلى جنب، وتحرص على أن تنصر إنجلترا في كل موقف ما استطاعت. والحربان العالميتان اللتان هددتا مصائر العالم في هذا القرن العشرين خير شاهد على هذا. وقد بقيت الدول العربية تتضامن فيما بينها رغم انتقال عاصمتها في حقب التاريخ المختلفة من المدينة إلى دمشق، ومن دمشق إلى بغداد، ومن بغداد إلى القاهرة، وهذا التعاون يدل على ما للغة من أثر قوي في حياة الشعوب، وعلى أن حيوية اللغة خير شاهد على حيوية الشعوب التي تتكلم بها.

والشعوب العربية كلها الآن تشعر شعورًا قويًّا كبيرًا بالحاجة لبذل الجهد الصادق، لتبلغ في مضمار الحضارة ما بلغته سائر الأمم في الغرب وفي الشرق. واللغة من أقوى الوسائل لدرك هذه الغاية، والمثل أمامنا حاضر، فماضي البلاد العربية نفسها يكشف لنا عن السبيل الذي سلكه سلفنا، فبلغ به في عصور ازدهار الحضارة العربية كل ما أراد. لقد أخذ العرب ينقلون إلى لغتهم آثار العقل والعلم عند الشعوب التي كانت آثارها منار الحضارة للعالم قبلهم، نقلوا العلوم اليونانية، والفلسفة اليونانية، ونقلوا من كتب الطب والتشريع في اليونان وروما ما مكنهم من الإضافة إليه، ورفع منار الحضارة الجديدة فوقه. فإذا نحن أردنا أن نتبوأ المكان الواجب لنا فلنصنع صنيعهم، فلننقل كل آثار الحضارة والعلم التي وجهت الحضارة الإنسانية في هذه القرون الأخيرة وجهتها التي سيطرت على مصائر العالم اليوم، ولنبذل الجهد غاية الجهد لنتمثل ما ننقله من ذلك، ولنضيف إليه من تراثنا القديم ومن جهدنا الجديد. إذا نحن فعلنا فتح ذلك أمامنا للمستقبل الباب الذي نصل منه إلى غاية الطريق.

أنا أقدِّر ما في هذه المهمة من مشقة، لكن ما لها من جلال الخطر يجعل كل مشقة يسيرة في سبيل الغاية المرجوة منها، وقد سبق جيلنا والجيل الذي تقدمنا إلى فتح هذا الطريق بمقدار، لكن ما عالجناه وعالجه آباؤنا من العمل لاستقلال بلادنا العربية كلها قد جعل الجهود التي بذلت في السبيل الذي أشرت إليه دون ما يحقق الغاية العليا التي نصبو كلنا إليها، فعلى شباب الجيل الحاضر يقع هذا العبء العظيم. وهم اليوم بفضل ما سلف من جهود آبائهم وأجدادهم أكثر من هؤلاء الآباء والأجداد عددًا، وأوفر من العلم نصيبًا، وأعظم متاعًا بالحرية الفكرية التي تيسر لهم حمل العبء، وأداء المهمة. وهم بعد يعملون في ذلك لأنفسهم ولأبنائهم من بعدهم كما عمل آباؤهم لأنفسهم ولهم. فإذا وفقهم الله في نقل آثار العلم والفن العالميين إلى بلادهم، ثم دفعهم لإضافة جديد على ما ينقلون، بلغوا بأوطانهم إلى الذروة التي حاولنا وحاول آباؤنا من قبلنا أن نتسلق السفح إليها، فاستراح ضميرنا إلى أننا عبرنا مقدمات الطريق لأبنائنا، وإن كان هذا الطريق شاقًّا طويلًا.

ويجب أن يذكر الشبان الذين ينهضون بهذا الواجب العظيم، أن الأمة بحاجة في تقدمها إلى أن يطَّرد رقيها في حياتها المادية، وفي حياتها المعنوية جميعًا، وأنَّا يجب لذلك أن لا نهمل أي الجانبين فيما نترجم من كتب الأمم الأخرى، وفيما نقوم به من بحوث نضيف بها إلى ما سبقتنا إليه هذه الأمم، فالرقي المادي ضرورة ملحة لارتقاء مستوى العيش، وللذود عن حريتنا واستقلالنا، والرقي المعنوي ضرورة ملحة كذلك لتسير الأمة في نظام يجنبها الفوضى، وما يترتب عليها من الزلل والفساد.

ولا يجوز أن تثني مشقة العمل، وطول الطريق شبابنا العربي عن النهوض بهذا الواجب المقدس. وعهدي بهم اليوم أنهم لا يترددون دون حمل العبء الذي توجب قوميتهم، ويوجب وطنهم عليهم حمله لخيرهم، وخير بلادهم، ومن فيها جميعًا في حاضرهم وفي مستقبلها. ويزيدهم إقبالًا على هذا الواجب ما يعلمونه من أن أممًا غيرنا استطاعت أن تقطع في بضع سنين مراحل قطعتها غيرها في عشرات السنين، بل في بضع قرون. فليعتمدوا على الله، وعلى أنفسهم، وليجعلوا أداء الواجب إرضاء لضميرهم خير مثوبة عند وطنهم وعند ربهم، وسيشعرون يوم يبلغون من السن ما بلغ آباؤهم بالطمأنينة إلى أنهم أدوا في حياتهم عملًا نافعًا يذكرهم الوطن وأبناؤه به، والمرء حديث بعده، فليكونوا الحديث الحسن لمن وعى.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.