أمس شيعت القاهرة جثمان لطفي السيد محرر الجريدة ومحامي ضحايا دنشواي، كأول ما عرفناه وسمعنا باسمه، ورئيس المجمع اللغوي وأستاذ الجيل، كآخر العهد به في هذا العام.

وشهدنا موكب الجنازة الموقر المحزون فذكرنا قول أبي العتاهية:

وكانت في حياتك لي عظات

وأنت اليوم أوعظ منك حيًّا

فلو تقدم الأجل بالفقيد إلى أيام تحريره للجريدة؛ لكان للجنازة مشهد غير هذا المشهد، ولعلها لم تجاوز أن تكون جنازة زميل صحفي كبير ينتمي إلى أسرة كريمة مرعية النسب والجوار.

فقد كان خصوم الفقيد كثيرين بين أنصار السيادة العثمانية، ومنهم أناس يحسبون أنفسهم من غلاة الوطنيين المتطرفين.

وكان له خصوم مثلهم في الكثرة بين أنصار القصر وجمهرة الجامدين على القديم وأعداء التقدم والتغيير.

وكان الجاهلون بمواهبه أكثر عددًا من العارفين بتلك المواهب بين أصدقائه وزملائه المقربين.

وكانت الخصومات السياسية والحزبية على أشدها وأعنفها، ولا يقع اللوم في هذه الخصومات كلها على خصومه، ولا يقع اللوم كله عليه.

وعبرة الزمن في تشييع الفقيد الذي عرف له كل قدره في أخريات حياته، أننا نتعلم من موكب الجنازة المهيب كم تتبدل المقاييس والقيم بين جيل وجيل، وكم تتبدل الشعوب في نظرتها إلى المبادئ الوطنية والمراسم الاجتماعية، وكم تحتمل العظمة نفسها من طوارئ الزمن مع تتابع المواقف واختلاف النظر، واتساع المجال للتعريف بما في العظيم من ملكة مجهولة ومسلك غير معهود وقدرة على التدارك والاستدراك وولاية الأعمال بعد الأعمال، أو اتصال العلاقات العامة بعد انقطاع أو انقطاعها بعد اتصال.

ومضت ستون سنة بعد عصر الجريدة، وهي — أي الجريدة — بذاتها فتح مبين في عالم الرأي والوطنية والثقافة، ورسالة معدودة من رسائل الصحافة المتوفرة على مهمة التوجيه والتعليم، ولكنها — على كل ما اضطلعت به من هذه المهمة — لم تكن أفضل ختام ولا أتم معرض للتعريف بملكات الفقيد الجليل.

وإن السنين الستين بعد عصر الجريدة لهي حسب ذلك الفقيد الجليل من ذخيرة وافية بأسباب التقدير الصادق والوزن الصحيح في ميزان الأنصار والخصوم، بل في ميزان الموافقين له في الرأي والشعور والمخالفين لرأيه وشعوره؛ لأنه رحمه الله لم يكن يطلب الصداقة في غير الرأي والشعور، ولم تكن له خصومة تحجر على رأي المخالف أو تجرح شعورًا لمن يدين بالرعاية والإنصاف.

وانطوت في ظلال الموت كل صورة من صور تلك الحياة المباركة غير صورة الأب المعلم والحكيم المرشد الرشيد، وقد تبوأ بين أبناء الجيل الذي رحل عنه مكانة الأستاذ لكهوله وشبانه، فهو بحق معلم المعلمين وأستاذ الجيل.

كتب قاسم أمين في مذكراته الخاصة بعد أن شهد جنازة مصطفى كامل أنه لمس قلب مصر يخفق خفقة الأحياء في تلك الجنازة، ولم يعهد له من قبل خفقة كهذه في غير فجيعة دنشواي.

ولقد لمسنا في تشييع الجيل لأستاذه عقل مصر يُعَبِّرُ في صمته وسكينته تعبيره الذي يقول بأبلغ بيان: إن في مصر حياة فكرية، وإن هذا الميت الراحل حي يعيش في الأفكار كما يعيش في القلوب.

رحمه الله من معلم هادٍ، ورحمه الله من أب محبوب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.