ألقى حضرة صاحب المعالي الدكتور طه حسين بك وزير المعارف العمومية كلمة خالدة في الحفل الذي أقامه لتكريم رجال التعليم مساء يوم الجمعة ٢٠ أكتوبر سنة ١٩٥٠، تكليلًا لما أحرزوه من نجاح في الموسم الدراسي الحاضر. نقتطف منها النبذ الآتية:

أيها الزملاء الأعزاء …

لكم أخلصُ التحية وأصدقُ الشكر على ما تفضلتم به من الاستجابة لهذه الدعوة، والحق إني حين دعوتكم إلى هذا الاجتماع العائلي كما يُقال في هذه الأيام لم أُرِدْ إلَّا إلى شيءٍ واحد، هو أن أبلغكم شكر الحكومة على ما قمتم به جميعًا من جهدٍ وما احتملتم من مشقةٍ، وتهنئة الحكومة على ما انتهيتم إليه من نتيجة، وما أُتيح لكم من ظفر، لا أعرف أنكم قد سُبقتم إليه في الأعوام الماضية، ولا أريد أن أخصَّ منكم بالشكر والتهنئة أحدًا؛ فأنتم جميعًا من حضر منكم هنا ومن لم يتح له أن يحضر، من كان منكم في مناصب الإشراف على التعليم في الوزارة والمناطق ومن كان منكم مباشرًا لشئون التعليم من أقرب مناهجه ووسائله؛ كل منكم قد بَذَلَ الإخلاص الذي لم يكن ينتظر من رجال العلم غيره، وكل منكم قد بذل الجهد الذي يكافئ هذا الإخلاص، وكل منكم قد شارك فيما أُتيح لنا من هذا الفوز الذي يراه غيرنا عظيمًا، ولا أراه إلا متواضعًا يسيرًا، ولأنه ليس إلَّا الخطوة الأولى، والخطوة القصيرة، والخطوة التي ينبغي أن تتبعها خطوات طوال أوسع في شئون نشر العلم وإنقاذ مصر من الجهل، وتمكينها من أن تكون بلدًا له حقُّه في الحرية الكاملة، وحقُّه في الشرف الذي يلائم قيمه، ويلائم مستقبله السعيد إن شاء الله.

أيها الزملاء …

إنَّا — نحن جماعة المعلمين — ينبغي أن نكون أول من ينتفع بالعلم، ننتفع به قبل أن ننفع به تلاميذنا، وأول ما ينبغي للمعلم الذي يريد أن ينفع وأن ينتفع هو ألَّا يزدهيه الغرور، وألَّا يشغله الفوز اليوم عن الجهد الذي ينتظره غدًا، وألَّا يطمئنَّ إلى ما يُتاح له من بلوغ الغاية؛ فنحن لم نبلغ بعد غاية، وإنما ابتدأنا الطريق، والطريق أمامنا طويلة بعيدة شاقة، ولا بدَّ لنا بإذن الله أن نمضي إلى أمام حتى تبلغ مصر غايتها، إن لم يكن بلوغها في عصرنا ففي عصور أقرب وأدنى إلينا مما كان الناس يظنون قبل أن يُختم هذا الصيف.

عود إلى الماضي

إني لأذكر وفي نفسي — ولا أقول على شفتي — أذكر وفي نفسي ابتسامة ليس فيها سخرية، وليس فيها غرور، وليس فيها اعتداد بما بذلنا جميعًا من جهد. أذكر ذلك الكلام الذي كان يُقال منذ عام حين كان المصريون يشكون أزمة المدارس وأزمة القبول فيها، وحين كان اللوم يُساق عنيفًا شديدًا إلى وزارة المعارف، وحين كان المشرفون على وزارة المعارف يعتذرون بأن الأمة تطلب إلى الوزارة فوق ما تُطيق.

أذكر هذا، وأذكر الفصول التي كنت أكتبها من قمم الجبال، كما كنت أكتبها من سواحل البحر، أبيِّن فيها أن الوزارة قادرة على أن تواجه أزمة التعليم إن خلصت النية وصفت القلوب، ورُوعيت المصلحة العامة وحدها، ولم يُراع معها شيءٌ آخر.

ولست أخفي عليكم أني حين نهضت بشئون وزارة المعارف كنت أشفق على نفسي من هذا الكلام الذي أرسلته من قمم الجبال. كنت أشفق على نفسي من أن أكون قد أسرفت عليها وعلى الوزارة في حسن الظن، ولكنكم حميتموني من هذا الإشفاق، وصدقتم ما تقدمت به من وعد، وأتحتم لي أن أكون راضيًا مبتهجًا مرفوع الرأس، أقول للمكابرين: انظروا، فهذه أزمة التعليم قد حُلَّت في هذا العام، وحلُّها في هذا العام دليلٌ على أنه لا ينبغي أن توجد في مصر أزمة تعليم.

حلَّت أزمة التعليم

لكم أنتم جميعًا الشكر على أنكم قد أعدتم إليَّ ثقتي بنفسي، ومكَّنتموني من أن أَعِدَ وأنا مطمئن إلى أن وعدي لن يسقط في الهواء، وإلى أن كلامي الذي أرسله من قمم الجبال لا يذهب مع الريح، وإنما تتلقاه آذان تحسن الاستماع، وقلوب تحسن الفهم، ونفوس تحسن الاتِّعاظ بما مضى والتفكير فيما هو مقبل، وعزائم لا تحب الكلل ولا الكسل إلَّا أن تضطر إليهما اضطرارًا.

أيها الزملاء …

لا تنتظروا مني أن أقول لكم اطمئنوا وارضوا؛ فلست أُبْغِض في الحياة شيئًا كما أبغض الاطمئنان والرضا، وإنما أنا قلق دائمًا، مقلق دائمًا، ساخطٌ دائمًا، مثيرٌ للسخط من حولي، أعتقد أن الذي يرضى ويطمئن إنما هو الكَسِل الوَكِل الذي لا أمل له في مجد ولا في عزة. وإذا أُتيح للأشخاص أن يتواضعوا وأن يزهدوا في المجد، فلا ينبغي أن يُتاح هذا للأمم، ولا ينبغي للأمم أن تتواضع ولا أن ترضى ولا أن تطمئنَّ، وإنما يجب أن تمضي دائمًا إلى أمام، وكلما بلغت أملًا وجب عليها أن تطلب أملًا آخر، وكلما حققت غاية وجب عليها أن تحقق غايات أخرى. فحياة الأمم على هذا النحو أشد أعدائها الرضا وأعظم خصومها التواضع. والشعب الراضي المطمئن القانع بما أُتيح له إنما هو الذليل الذي قد تم نضجه للاستعمار والاستعباد. وما أشك في أن واحدًا منكم يحب لمصر الاستعباد والاستعمار.

أحبب إليَّ أيها الزملاء بهذا الاجتماع الذي إن صوَّر شيئًا، فإنما يصوِّر الإخاء بين الوزير وزملائه وأعوانه من المعلمين ورجال التعليم، وإن صوَّر شيئًا فإما يصوِّر التعاون بين الحكومة والذين يعاونونها على خدمة المصلحة العامة. هذا الاجتماع الذي يصوِّر أن الوزارة ليست أمرًا ولا نهيًا ولا تسلطًا، وإنما هي تعاون وتآزر على البرِّ والتقوى وعلى خدمة الشعب.

لست آمرًا ولا ناهيًا

أيها الزملاء …

ثقوا بأني ما دمت لكم وزيرًا فلن أكون عليكم آمرًا ولا ناهيًا، وإنما أنا ممثلكم في مجلس الوزراء، وممثلكم في البرلمان، أعينكم على تحقيق آمالكم، أدافع عنكم إن احتجتم إلى من يدافع عنكم، أنصف منكم من ألحَّ عليه الظلم حتى أصبح شديد الظمأ للإنصاف، أنصفه بالإرادة والنية الخالصة والجهد في إنصافه حتى أبلغ ما أريد من إنصافه بالفعل.

وإذا تحدثت إليكم في هذا كله، فإني لا أتحدث به عن نفسي وحدها، وإنما أتحدث به عن الحكومة كلها، عن رئيس الوزراء وعن زملائه جميعًا. فهم لا يتولون أمور الناس ليحكموا أو ليأمروا أو لينهوا، وإنما يتولونها ليصلحوا ما وسعهم الإصلاح، وليدفعوا من الشر ما لا بدَّ من دفعه، ويجلبوا من الخير ما لا بدَّ من جلبه، لا يستعلون ولا يستكبرون ولا يتسلطون. هم منكم وأنتم منهم، تقولون لهم فيسمعون، ويقولون فتسرعون إلى المعونة وبذل الجهد الصادق.

أحبب إليَّ بهذا التجاوب بين الحاكمين والمحكومين كما يُقال، أو بين الذين وكلت إليهم الديمقراطية أن يقودوا السفينة وبين الذين كلفتهم الديمقراطية أن يعينوا قادة السفينة. أحبب إليَّ بهذا التعاون بينكم وبيني وبيننا جميعًا، وبين رئيس الوزراء وزملائه، على ما كُلِّفنا أن نعمل له ونجدَّ فيه، وهو إنقاذ مصر من الجهل ما امتدت لنا الأسباب، وما اتسعت لنا القوى، وما أتاحت لنا الظروف.

أحبب إليَّ بهذا التعاون. ها أنتم هؤلاء في وزارتكم، لستم في حضرة الوزير، وإنما الوزير هو الذي أقبل يسعى إليكم ويقدم إليكم الشكر خالصًا. لستم في حضرته وإنما هو في حضرتكم. هذه لغة لا أفهم غيرها، ولا أحب أن أفهم غيرها، ولا أريد لكم أن تقبلوا غيرها من الوزراء مهما يكونوا، قد استجبتم للحكومة حين دعتكم إلى النشاط في تيسير التعليم، وقد يسَّرتم التعليم كما استطعتم بمقدار ما سمحت لكم ظروف الميزانية، وبمقدار ما سمحت لكم الظروف كلها. والنجح الذي أُتيح لكم اليوم سيُتاح لكم أكثر منه في اليوم المقبل، وستمضي الأمور على هذا النحو حتى نستطيع — ولا أقول أن نرضى عمَّا نجحنا — وإنما نرضى عمَّا بذلنا من جهد، ونعتقد مخلصين أننا لم نخيِّب الآمال ولم نكذب الظنون، ولم نخدع الشعب، وإنما وعدناه فوفينا، وقلنا له فصدقنا ما قلنا له.

كرامة المعلمين

ولست أستطيع أن أختم هذه التحية وهذا الشكر دون أن أتحدث إليكم عن بعض شئونكم، وعن شأن واحد منها بصفة خاصة، وهو كرامة المعلم — لا أقول كرامة المعلم على نفسه — وإنما أقول كرامة المعلم على الدولة التي تأتمنه على أبناء الشعب، وتكل إليه مستقبل الأجيال، وكلكم يعرف رأيي في حقوق المعلمين.

وأقسم لو استطعت ألَّا أترك من المعلمين مظلومًا إلَّا أنصفته، ولا متأخرًا إلَّا قدمته، ولا طالبًا إلا أجبته إلى ما يطلب، ولا ساخطًا إلَّا أرضيته، لكنت أسعد الناس في هذه الدنيا.

واختتم معالي الوزير كلمته الخالدة بأن عاهد نفسه والحاضرين على تحقيق الآمال، داعيًا لجلالة الملك المعظم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.