… شعرتُ باشمئزاز شديد عندما قرأتُ ما كُتِب عن ستالين وما صُنِع بجثة ستالين … ألا ترى معي أنه انتهاك لحرمة الموت واعتداء على المثل والأخلاق؟ لماذا لم يهاجموه في حياته؟ ولماذا لم يتركوه يرقد بجوار لينين؟

… لا أظن أنني أنا وحدي الذي آلَمَه ما حدث، وإني لا أدافع عن ستالين ولا لينين ولكن عن المبدأ في ذاته … إلخ.

أنور عبد الملك، شارع نشاطي – شبرا

كان نقل جثمان ستالين من مدفنه إلى جانب لينين يُعتبَر عدوانًا على حرمة الموت لو أن الذين نقلوه مثَّلوا بجثمانه أو تركوه مُلقًى بالعراء، ولكنَّ نَقْل الميت من مدفن إلى مدفن أمر لا عدوان فيه على الموت ولا على رفات الميت المنقول … وقد حدث كثيرًا أن عظماء الرجال يُدفَنون في قبورهم بعد وفاتهم ريثما تُبنَى لهم الأضرحة المخلدة ثم يُنقَلون إليها، وحدث أن أجساد العظماء التاريخيين نُقِلوا عندنا من الهياكل إلى المتاحف ولم يخطر لأحد أن يَعْتَبِر ذلك عدوانًا على حرماتهم أو على حرمة الموت، بل رأى الكثيرون أن نقلهم إلى دور الآثار أقرب إلى الغرض المقصود بالتخليد والتمجيد.

أما العدوان المعيب على حرمات الأضرحة فهو بقاء جثمان ستالين في الضريح بعد أن ثبت من تاريخه أنه سفك دماء الأبرياء، وأرغم أتباعه على افتراء التهم عليهم لتسويغ جناية القتل الأثيم بجناية أقبح منها وهي تلويث الضمائر وإصابة البريء المظلوم في شرفه بعد إصابته في حياته.

وليس مما يُشَرِّف ذكرى ستالين أو يدعو الناس إلى إبقائه في ضريح التخليد والتمجيد أن يسأل السائل اليوم لماذا لم يكشفوا هذه المساوئ كلها وهو بقيد الحياة؛ لأن المسئول الأول عن إخفاء الحقيقة هو ستالين نفسه، وليست تبعة الآخرين إلا فرعًا من فروع تلك التبعة لم يكن له وجود أو لم يوجد قبله ذلك الأصل المرذول.

والمسألة هي: هل يُهدَم الضريح أو يُنقَل منه جثمان ستالين؟

فلا ريب أن تخليد إنسان في أضرحة التمجيد والإعجاب إنما هو هدم لتلك الأضرحة من أساسها وإبطال لمعنى إقامتها ودفن الموتى المخلدين فيها، فماذا يُقال للأعقاب زوار الضريح إذا بقي فيه جثمانه بعد اكتشاف مساوئه ومخازيه؟! هل يُقال إنه يبقى هناك كسلًا عن نقله إلى غير هذا المكان؟! هل يُقال إنه يبقى لأنه سفاح استطاع أن يرهب الناس في حياته فوجب عليهم أن يظلوا على رهبتهم منه بعد مماته؟! هل يُقال إن التاريخ كان ينبغي أن يغمض عينيه أو كان عليه أن يرى الحسنة في موضع السيئة، وأن يكذب على نفسه وعلى الناس وهم يعملون أنه يكذبهم وأنهم مضطرون إلى تصديق تلك الأكاذيب؟!

قد يُقال كما قال السيد «أنور عبد الملك» إن فضائح ستالين كان ينبغي أن تظهر وهو بقيد الحياة، ولكننا نعود فنقول إن ستالين لا يُشرِّفه أن يكون إظهار الحقيقة خطرًا في زمنه على مظهريها، ولا يُشرِّفه أن يزيد عدد ضحاياه مائة أو مائتين آخرين، ثم يتبعهم لا محالة أناس يكشفون هذه المساوئ كما كُشِفَت اليوم، أو يسكتون عنها خوفًا من سؤال السائلين وتعليق المعلِّقين.

والحق الذي يشهد به العارفون بمخازي ستالين أن القادحين اليوم في ذكراه لم يبالغوا قط فيما نسبوه إليه، بل ذكروا منه القليل وسكتوا عن الكثير، فلم يذكروا مثلًا أن ستالين كان جاسوسًا قيصريًّا قبل سقوط القيصرية بقليل، وأن الذين عرفوا ذلك السر المرهوب قد هلكوا جميعًا في المحاكمات الملفَّقة حين علم باطلاعهم عليه، وأن المارشال توخاشفزكي قد ذهب ضحية لهذا السر الهائل ولم يذهب كما زعم الطاغية لأنه خائن أو مدسوس على الدولة! وهذه وصمة من وصمات لا تُحْصَى ظهرتْ قبل اليوم وستظهر على مدى الأيام وتظهر معها وثائقها التي طواها الخوف أو ضرورات الحيطة.

ولا نود أن يشمئز منا السيد أنور عبد الملك كما اشمأز من نقاد ستالين بعد موته؛ لأن الذي نقوله عنه الآن قد ردَّدْناه منذ عشرين سنة وكتبناه أخيرًا قبل ست سنوات حيث يطلع عليه صاحبنا إذا شاء، ولكنه إذا أبى إلا الاشمئزاز من نقد ستالين؛ فالأدوية الصالحة لعلاج الاشمئزاز غير قليلة، ويغنيه عنها بعض الغيرة على حق الخلود مع الغيرة على الجثمان المنقول … فإنها شفاء مُجرَّب بإذن الله.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.