كان لصالح عبد الحي — رحمه الله — دور من أدوار الغناء الحديث، ولم يَكُنْ «مُغَنٍّ واحدٍ» معروفٍ بلون من الغناء يُنسب إليه وحده ويتميز به بين أنداده ونظرائه من أبناء جيله.

كان هو الصلة الأخيرة بين عهدين منفصلين من عهود النهضة المجددة في فنون الغناء والموسيقى والتلحين؛ وهما: عهد عبده الحامولي ومحمد عثمان، وعهد أم كلثوم وعبد الوهاب.

وقد كان مثال «ابن البلد» المطبوع في مزاجه وذوقه وطرائفه وبدواته، وقف بعهده «البلدي» عند حدود عهد «الجنتلمان» العصري، الذي اختلط بعد ذلك بعهد «السبورتمان»، وتطرف آخر الأمر حتى اختلط بعهد الجاز والتويست، وما يلحق بهما إلى الآن من ضروب الهوس الجنسي أحيانًا، وضروب الرقاعة الجنسية أحيانًا أخرى.

وقف صالح بعهده البلدي الظريف عند حدود التربيعة، أو جاوزها قليلًا إلى حدود «الأزبكية» أيام نزهة الدوكار والرهوان والحمار «الحصاوي» الأنيق، واللاسة المطرزة تُحمل على الكتف، ولو كانت تتعلق بكم «الساكو» والجاكتة، لا بكم القفطان أو بكم الجبة من ألوان عنق الحمامة وألوان عرف الديك!

«ابن البلد» من فرعه إلى أخمص قدمه، وما رأيته يومًا بالشال العريض على كتف الجاكتة من طراز القرن الثامن عشر إلا اعتقدت أن «البدلة» هنا جلباب مستعار، أو «بدل غلط» من ثوب آخر معلق على حبل الغسيل في الانتظار.

وقد كان أقدر المغنين في عصره على النهوض بهذا الدور العسير؛ لأنه رُزق ذلك الصوت الجميل الذي يُمثل المطلوب من الأصوات بالشروط الموسيقية، وبغير «طابع شخصي» يقترن بصاحبه ولا يفارقه في مدلوله، فكان صوته بهذه الكفاية الفنية أشبه شيء بصورة العين المثالية التي تراها مرسومة مكبرة عند أطباء العيون مثالًا للعين الصحيحة، كما ينبغي أن نراها في صورتها الطبية العلمية، ولكنها لا تذكرنا بإنسان معلوم أو إنسانة معلومة إذا تأملناها وأطلنا النظر إلى خصائصها وألوانها.

كان صوته كالماء العذب النقي يأخذ من كل إناء لونه كما يأخذ من كل إناء شكله، واستطاع بهذا الصوت الغني «المثالي» أن يحكي عبده، والمنيلاوي، وعبد الحي حلمي، وسلامة حجازي، ومحمد السبع وإخوانهم وزملاءهم أبناء المدرسة السابقة، فلم يَقصُر عن واحد منهم بحلاوة النغمة، وامتداد النفس، وطمأنينة «المعلم» المرتاح في جلسته وإشارته.

ولا أذكر أنني رأيت مغنيًا قط يستوي على «التخت» مثل استوائه، ويمتزج بأعضاء التخت الآخرين مثل امتزاجه، ولا أحسب أن صالحًا — رحمه الله — كان يعلم من أصول الفن الغنائي ولا من قواعد الإيقاع والأداء فوق ما كان زملاؤه المغنون يَعلَمونه ويَدرُسونه، ولكنه — ولا شك — كان أطبعهم جميعًا على السليقة «البلدية» التي لم تتوافر لواحد منهم منذ عهد عبده ومحمد عثمان، إلى عهد يوسف المنيلاوي ومحمد السبع وعبد الحي حلمي … فقد كانت «بلدية» عبده الحامولي ممزوجة بِسِمَة الذوات «الأتركة»، وكانت بلدية يوسف ممزوجة بِسِمَة القارئ الديني في ثياب العرس «الفرائحي».

أما بلدية صالح فهي البلدية الخاصة بغير مزيج يَرِدُ عليها من خارج القاهرة أو خارج الدوار الريفي تقليد «المدنية» … فكان ارتياحه في جلسته على التخت ارتياح السمكة في ينبوعها، وكان من شأن هذا الارتياح المطبوع أن يتنفس حوله ارتياحًا مثله يسري إلى كل فرد من أفراد التخت يجلس معه، ويتلقَّى منه نظراته وإشاراته وغمزات عينيه التي كانت أبلغ في التوجيه و«التصحيح» أحيانًا من إشارات «المايسترو» القدير بكلتا يديه.

ولم تكن قدرته على حكاية المغنين الكبار في الجيل السابق دون قدرته على حكاية خلفائهم المعاصرين بلا استثناء، الممتازين منهم والمتخلفين … فقد سمعناه مرة يحكي بعضهم في أدواره «المتفرنجة»، كما كان يسميها، فكاد أن يؤديها أداء الجرامفون لولا مسحة من التهكم والسخرية المقصودة كان يشوبها بها لإبراز مذهبه في انتقادها والزراية عليها … فلم يكن إحجامه عن مجاراة المحدثين عجزًا عن طريقتهم وأسلوبهم، ولا عن إعادة ألحانهم وتعليق نغماتهم وأدوارهم، ولكنه كان نُفورُ الطبع الأصيل من شيء لا يُوافقه ولا «يَهضِمُه» وأجره على الله، كما كان يقول.

هذه القدرة الفنية لازمة لنا في كل عصر بكل ما اختصت به الأمانة لرسالتها، والمحافظة الشديدة التي جاوزت حدودها؛ لأنها بقيت بعد زمانها، فإن هذه القدرة الفنية سجلٌّ حيٌّ لا تغنينا عنه سجلات النوتة والأوراق المحفوظة، ولعل المسئولين العارفين بحق هذا الفنان المخلص يجزونه على إخلاصه بما هو أهل له من المحافظة على آثاره، والتعريف بفضله في مكانه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.