ليس من الصحيح تمامًا القول بأن لكل منا جينومًا خاصًّا به؛ فنحن نمتلك جينومات متعددة وليس جينومًا واحدًا، وبعضنا يمتلك جينومات يرجع مصدرها إلى أكثر من شخص، وهو ما يُعرَف بالخيمرية؛ حيث تتخلف الخلايا الجنينية داخل رحم الأم وقد تمتزج الخلايا في حالة التوائم. أما بالنسبة لباقي البشر ممن ليسوا بالخيمَر، فيمكننا تتبع أثر جينوماتنا وصولًا إلى مصدر واحد؛ ألا وهو البويضة المخصبة التي نشأنا منها، إلا أنه أثناء انقسام الخلايا في أجسامنا قد تحدث لها طفرة تتسبب في مجموعة متنوعة من التباين الوراثي يُعرَف باسم الفسيفساء الجينية.

كنت قد كتبت عن الخيمرية والفسيفساء الجينية في شهر سبتمبر في جريدة نيويورك تايمز. وكان المقال عبارة عن تقرير حالة يعرض نفس هذا الموضوع. عرف العلماء الجينومات المتعددة لدى البشر منذ عقود، لكن مع ظهور تسلسل جينوم الخلية الواحدة، بدءوا يتعرفون حاليًّا على بعض الأمور المثيرة للدهشة حول تعددنا الجيني. وبما أن مقالي كان عبارة عن تقرير حالة؛ فإنه كان أبعد ما يكون عن الاكتمال. والآن — وبعد شهرين فحسب — ظهرت دراسة جديدة تلقي مزيدًا من الضوء على ما قد تتسبب فيه طبيعتنا الفسيفسائية من آثار بالغة الأهمية على أمخاخنا.

على مدار فترات طويلة، ركز العلماء الدارسين للفسيفساء الجينية جل اهتمامهم على الجانب السلبي لهذا المجال. فعلى سبيل المثال، خلال حقبة الستينيات من القرن الماضي، توصَّلَ العلماء إلى أن الخلايا السرطانية هي نتيجة لطبيعتنا الفسيفسائية؛ إذ تظهر طفرات في مجموعة متتالية من الخلايا تدفعها في النهاية إلى النمو سريعًا والتحول إلى أورام. ومنذ ذلك الحين استمرت الأبحاث في مجال الفسيفساء الجينية في التمحور حول الأمراض، فاكتشف العلماء أن عددًا من الأمراض النادرة مثل تضخم أحد شقي المخ — حيث يكون أحد شقي المخ أكبر من الشق الآخر — يرجع إلى طفرات تظهر في الخلايا أثناء تطورها.

ورغم أهمية هذا المجال البحثي، إلا أنه يهدد بتقديم نظرة غير متوازنة لطبيعتنا الفسيفسائية، فسنظل نتساءل حول عدد الجينومات التي يمكن أن تكون لدى الشخص السليم. ومن ثم، بدأ العلماء في تحويل اهتمامهم من نطاق المرض إلى الصحة، واكتشفوا أن في وسعنا التمتع بقدر كبير ومدهش من التباين دون أي تأثير سلبي ظاهر. وفي العدد الأخير من مجلة ساينس، قدم فريد جيدج، الباحث بمعهد سولك للدراسات البيولوجية، بالتعاون مع زملائه، نظرة متعمقة على الطبيعة الفسيفسائية للمخ البشري السليم.

في البداية، راقبوا ظهور الفسيفساء في المخ، حيث قاموا بزراعة ثلاث مستعمرات من الخلايا الجذعية البشرية في المختبر، بحيث تنمو كل منها في سائل من المواد الغذائية يحوي مواد كيميائية تدفع الخلايا الجذعية إلى التحول إلى خلايا عصبية. بعد ذلك، استأصل العلماء ٤٠ خلية من تلك الخلايا العصبية وحللوا جينوماتها، ووجدوا عندئذ أن ١٣ خلية من الأربعين تغيرت تغيرًا واضحًا مقارنة بأسلافها، واكتسب بعضها مصادفةً نسخة إضافية من أحد الكروموسومات، بينما اكتسبت خلايا أخرى نسخًا من أجزاء أصغر من الحمض النووي. ولُوحِظ في خلايا عصبية أخرى أن أجزاء من الحمض النووي تعرضت للاقتطاع. لم تكن هذه التغييرات متماثلة أبدًا؛ مما يعني أنها نشأت على نحو منفصل.

بعد ذلك حوَّل العلماء اهتمامهم إلى خلايا مخ حقيقية؛ إذ أخذوا عينات أنسجة من ثلاثة أشخاص ماتوا أصحاء في العشرينيات من عمرهم جراء حوادث. عزل العلماء ١١٠ خلايا عصبية من تلك العينات، ثم فحصوا جينوماتها، ووجدوا في تلك الخلايا العصبية نمطًا مماثلًا للنمط الذي لاحظوه في الأطباق التي زرعوا فيها الخلايا الجذعية؛ إذ وجدوا لدى ٤٥ خلية من ١١٠ خلايا عصبية إما نسخًا زائدة من الحمض النووي أو أجزاء مفقودة، ومرة أخرى لم تشترك أي من الخلايا العصبية في الطفرات ذاتها. تشير تلك النتيجة إلى أنه من غير المرجح تشارُك الخلايا العصبية في الطفرات التي تنشأ في الخلية العصبية الواحدة في بداية تطورها، لكن عوضًا عن ذلك تستمر الطفرات في الظهور بينما يواصل المخ نضوجه، والخلايا العصبية انقسامها.

بعبارة أخرى، اتضح أن الخلايا العصبية الفسيفسائية ليست مصادفة نادرة خطيرة على الإطلاق، بل توجد بوفرة في أمخاخنا. ويُظهر الشكل الملحق بنهاية هذا المقال كيف وسَّعت هذه الدراسة الجديدة من فهمنا لكيفية حدوث الفسيفساءات العقلية.

مع حدوث هذا القدر الكبير من الطفرات داخل أمخاخنا، قد يبدو صعبًا علينا أن نصدق أن باستطاعة أدمغتنا العمل على الإطلاق، لكن الباحثَين إيفان ماكوسكو وستيفن ماك كارول، من جامعة هارفرد، وصفا بإيجاز بعضًا من الآليات الدفاعية التي قد يمتلكها المخ البشري لمواجهة هذه الفوضى الجينية، وذلك في حاشية مرفقة بالدراسة. أول هذه الآليات أن الطفرات تميل إلى الظهور في أقل أجزاء الجينوم استخدامًا من قبل الخلية؛ وبالتالي فإن كثيرًا من الطفرات التي اكتشفها جيدج وزملاؤه قد تؤثر على جينات غير ذات أهمية في الدماغ على أية حال.

حتى وإن اتضح كون إحدى الخلايا العصبية الفسيفسائية معيبة، فقد يكون لدى المخ وسائله لمنعها من التسبب في خلل كبير، فعندما ينمو المخ يبدأ بإنتاج كمية وفيرة من الموصلات بين خلاياه العصبية، ولا يتجه إلى تشذيب الكثير من تلك الوصلات إلا فيما بعد. وقد يستخدم المخ أسلوب التشذيب ذلك بنشاط استثنائي مع الخلايا العصبية المعيبة، فيمنعها من الاتصال بالخلايا الأخرى.

من المحتمل كذلك أن تتيح تلك الخلايا العصبية المعيبة لأمخاخنا فرصة ممارسة وظيفتها عبر أساليب جديدة كما يقترح ماكوسكو وماك كارول؛ فقد لا يكتفي المخ بالسماح بالتنوع، بل ربما يعتمد عليه أيضًا.

(أ) إذا حدثت الطفرة في الخلية في مرحلة مبكرة جدًّا من مراحل تطورها، فسوف تظهر الآثار الناجمة عنها في الكثير من أجزاء الجسم. (ب) الطفرة التي تنشأ متأخرًا في المخ وتتسبب في تكاثر الخلية يكون من السهل اكتشافها. (ج) تتكون حالة أخف من الفسيفساء عندما تتعرض الخلايا العصبية إلى طفرات فريدة في مراحل متأخرة من النمو. (من دراسة ماكوسكو وماك كارول، ساينس، ٢٠١٣.)

Our Speckled Brains by Carl Zimmer. The Loom. November 7, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.