لما فشل الإنذار الفرنساوي الإنكليزي الذي أُرسل إلى خديوي مصر بل وُجِّه إلى حكومته، اتجهت أنظار فرنسا وإنكلترا معًا إلى الباب العالي، فكلفتا سفيريهما في الآستانة أن يطلبا من الباب العالي أن يستدعي إليه من مصر محمود سامي وعرابي وعبد العال وعلي فهمي، وطلبتا من الدول الأربع الكبيرة تأييدهما لدى الباب العالي.

ولكن الباب العالي كان مرتاحًا إلى فشل فرنسا وإنكلترا، ولم يكن يميل إلى إخراجهما من ذلك المأزق. ولم تكن له خطة معينة سوى شدة ميله إلى إلغاء الفرمانات التي أعطاها الباب العالي لإسماعيل دون أن يمس عواطف المسلمين والسلطان خليفتهم.

أضف إلى ما تقدم أن الثورة العرابية كانت تتحول إلى جهاد ضد دول أوروبا، فلم يكن يروق للسلطان أن يرسل قوة عسكرية تقاتل الرجل الذي كان الكثيرون من المسلمين في جميع أنحاء الأرض يعدونه «علَم الإسلام»؛ لأن ثورة عرابي ذاع أمرها يومئذٍ في العالم كله حتى إن صورته كانت تزدان بها قهوات الآستانة والمدن الكبرى، وكانت ترجمة حياته منشورة في إطارات مذهبة بخط جميل.

وكان السلطان يجهل فوق ما تقدم كيف يقابل الوطنيون أوامره إذا هو فعل ما يطلبه منه الأجانب؛ لأن عرابي ورفاقه أعلنوا مرارًا وتكرارًا أنهم يقاومون كل تدخُّل تركي بالقوة، إذا كان هذا التدخل بمصلحة الخديوي. فأمر السلطان بأن يُعد بعض المعدات الحربية، ولم يُقِم وزنًا كبيرًا لموافقة فرنسا وإنكلترا على أن يرسل إحدى بواخره إلى الإسكندرية بعدما عززت تلك الدولتان أسطولهما في المياه المصرية؛ فصارت لكل دولة منهما ثلاث مدرعات وثلاث طرادات.

وفي ٣١ مايو طلب قناصل الدول الأربع — غير فرنسا وإنكلترا — من وزارة خارجية الآستانة إجابة مقترح فرنسا وإنكلترا، دون أن تكون تلك الدول موافِقة موافقة قاطعة على هذا المقترح، ودون أن يذكروا كلمة واحدة على إرسال مندوب سلطاني. وبينما كان الناس يظنون أن الباب العالي لا يفعل شيئًا، فإذا به يُصدر أمره في أول يونيو بإرسال موظف كبير تكون مهمته إعادة النظام في مصر. فقالوا إن سفير ألمانيا قابل جلالة السلطان مقابلة طويلة دامت ساعة ونصف ساعة، وأنه حثه على إرسال الوفد إلى مصر؛ لأن إنكلترا وفرنسا تنويان دعوة الدول إلى عقد مؤتمر.

***

انقضى يوم ٢٩ مايو والناس في سكون بالظاهر وقلق في الباطن. وكان قنصلَا فرنسا وإنكلترا على خلاف في الرأي، فكان قنصل فرنسا يرى أن سبب زيادة القلق والاضطراب حرمان البلاد من وزارة تقوم بالأمر، فتحول همه إلى السعي في تأليفها، وأن يصدر الخديوي أمر تأليفها إلى راغب باشا؛ لأنه كان محسوبًا بالجيش، ولكن راغب أعرب عند محادثته في ذلك عن آراء وصفوها بالسخافة، وهي آراء ضد شخص الخديوي، فعدل القناصل عن التحدث بشأنه. أما الإنكليز، فكان همهم موجهًا في هذا الوقت إلى أمر آخر، وهو تحصين الثوار قلاع الإسكندرية وحصونها.

ففي ٢٩ مايو بدءوا باستنكار هذا العمل، وإن كان أسطولهم وأسطول فرنسا قد تلقيا المدد فصارت لكل واحدة منها ثلاث مدرعات وثلاث نسافات أو مدفعيات.

وفي ٣ يونيو أرسل الأميرال سيمور إلى حكومته تلغرافًا يقول فيه إن المسألة باتت خطيرة ومن المستحيل الاعتماد على الخديوي لإيقاف الاستعدادات الحربية.

ولما وجَّه قنصل الإنكليز أنظار محافظ الإسكندرية إلى إقامة المتاريس عند رأس التين، اكتفى عمر بك لطفي بأن كرر ما قاله قبل ذلك وزير الحربية والميرالايات، وهو أن هذا العمل القائم في الحصون والقلاع إنما هو لتنظيف تلك الحصون فقط.

على أن الضباط المصريين كانوا يشكون من أعمال البحرية الإنكليزية التي كانت تسبر غور البحر، مدعية أن ذلك هو النظام الذي يقضي به نظام البحرية أينما رسا أسطولهم.

وتفاديًا من اصطدام الآلايات المصرية بالبحرية الإنكليزية أبدى اللورد غرنفل ملاحظاته بهذا الشأن لموزورس باشا سفير تركيا في لندن، ثم كلف اللورد دوفرين سفيره في الآستانة أن يبين لسعيد باشا وزير خارجية تركيا سوء مغبة الاحتكاك بين القوتين، وزادت وزارة خارجية تركيا على ما تقدم بأن تهددت الحكومة الإنكليزية بالتدخل.

وفي ٥ يونيو صمم الباب العالي على العمل بعد تلقي التنبه الإنكليزي، فأرسل في ذاك اليوم تلغرافًا إلى الخديوي يسأله فيه بيان الحقيقة عن هذه الإصلاحات في القلاع والحصون، ويطلب منه فيه أن يوقفه على الحقيقة في الحال. ولقد كان القلق شديدًا في قصر السلطان، حتى إنهم أرسلوا تلغرافًا ثانيًا بعد قليل من إرسال التلغراف الأول يطلبون فيه الجواب، فأبلغ توفيق باشا تلغراف الباب العالي إلى عرابي، وأصدر إليه الأمر بإيقاف هذه الأعمال في الحال.

ولما كان الوطنيون لا يريدون أن تكون صلتهم بالباب العالي سيئة وهم ينتظرون وصول الوفد التركي إلى مصر، كرر عرابي قوله إن الاستعدادات ليست سوى الإصلاحات المعتادة، وهي فوق ذلك ضرورية لإراحة بال الأهالي الذين يرون الأسطول ويرون أعماله المتواصلة في سبر غور البحر، إلى قوله: «إلا أنه بناءً على أوامر سُموكم المبنية على إرادة جلالة مولانا الخليفة أمير المؤمنين، صدرت الأوامر إلى الجيش بإيقاف تلك الإصلاحات على أمل أن الأسطول يغادر مياه الإسكندرية اتقاءً لما يمكن أن ينتج عن هياج الأفكار.»

وقد نُشر هذا الرد في الوقائع المصرية في ٦ يونيو.

بعد ذلك تظاهر العسكريون في الإسكندرية بإيقاف أعمال التحصين في ٥ و٦ يونيو، ولكن الأميرال سيمور قائد الأسطول الإنكليزي والمستر كوكسون قنصل إنكلترا أرسلا في ٨ يونيو تلغرافًا إلى اللورد غرنفل بأن العسكريين المصريين استأنفوا العمل، وأنهم أخذوا في ذلك اليوم بنصب المدافع على المتاريس التي كانوا قد أنشئوها. ولكن رجال السياسة ما كانوا يومئذٍ يعلقون أهمية كبرى على تلك الأعمال العسكرية لاعتمادهم على عمل الوفد التركي الذي كانوا ينتظرون وصوله ويعتقدون أنه سيضع حدًّا للاستبداد العسكري.

على هذا كانت الحالة السياسية. أما الحالة الاقتصادية، فإنها ساءت جدًّا؛ لأن الأجانب وسواهم من الغرباء أخذوا بالمهاجرة وترك الأقاليم، وانسحاب التجار والماليين من داخل البلاد جعل تحصيل الأموال الأميرية عسيرًا والأعمال التجارية مستحيلة، حتى اضطر الخديوي إلى إصدار أمره بإيقاف التحصيل في استحقاق نصف شهر يونيو.

وفي ٧ يونيو وصل اليخت السلطاني عز الدين إلى مياه الإسكندرية وعليه الوفد التركي برياسة المشير درويش باشا، وهو من كبار رجال الدولة؛ كان واليًا لباطوم ثم سلانيك، واشتهر بدهائه وواسع حيلته، كما اشتهر برشوته وحبه للمال. ولكنه كان ذكيًّا كبيرًا، فأقلق وصوله بال الفريقين معًا: فريق الخديوي وفريق الوطنيين. وكانت مهمته حسب إعلان الباب العالي: «إعادة النظام إلى البلاد المصرية، وصيانة الحالة الموجودة أن تتغير وتتبدل، وتأييد سلطة الخديوي بالحث والإرشاد، وأنه مكلف في حالة الحاجة والاضطرار إلى أن يُبلغ عرابي إلغاء مجلس شورى النواب ودعوة الجنود التركية إلى مصر.»

هذا هو إعلان الباب العالي عن مهمته، ولكنهم كانوا يعرفون أنه يحمل رسالة، بل رسائل شفوية أخرى غير هذه وقد لا يتفق معها.

أما زميله في هذه المهمة فكان الشيخ أحمد أسعد إمام المحمل التركي ونائب الخليفة فيه، وهذا الشيخ كان منذ زمن بعيد على اتصال بعرابي، وعند سفره من الآستانة أرسل إلى عرابي تلغرافًا قال فيه: «درويش مسافر إليكم فلا تقلقوا من أي شيء.» ولم يكن مجيء هذا الشيخ إلى مصر إلا للتقرب إلى الوطنيين وإراحة بالهم من نحو ميول الخليفة وعواطفه، ولا سيما من جهة إرسال الجنود التركية، وليؤكد للوطنيين أن في هذا القول كثيرًا من الاختراعات التي ابتدعتها عقول الدساسين.

فهذا الوفد الذي طلب الخديوي إرساله وكان قبل وصوله على اتفاق مع عرابي، كان كل فريق يؤمل أن يكون في جانبه، ولكن الموسيو فرسينه يقول في وثائقه عن المسألة المصرية: «إن السلطان لم يوفده إلا ليُزيد في تعزيز نفوذه واستخدامه من الوِجهة السياسية الأوروبية كوسيلة للمماطلة والتسويف.»

أرسل الخديوي لمقابلة اليخت عز الدين السر تشريفاتي ذو الفقار باشا ومحرم علي وكيل الحربية الذي أوفده عرابي لركوب القطار الخاص المعد لركوب ذو الفقار باشا في سفره إلى الإسكندرية، ولركوب درويش باشا في قدومه إلى القاهرة.

ولكن يعقوب سامي ركب ذلك القطار بالرغم من تحريم الخديوي ذلك، ولما وصل إلى الإسكندرية كان على اتفاق مع وكيل البحرية زميله، فوصل إلى اليخت عز الدين قبل ذو الفقار وقبل عمر لطفي محافظ الإسكندرية.

فقابله درويش باشا بالحفاوة الكبرى، ولما أراد النزول إلى البر أركبه في الزورق الذي ركبه.

قوبل درويش باشا المقابلة اللائقة بمقام المشير ومندوب جلالة السلطان، ونزل في سراي رأس التين حيث قرَّب إليه ضباط القشلاق.

وفي يوم ٨ قصد إلى محطة السكة الحديدية يحف به جمهور لا يحصى عدده من عامة الشعب وهم يهتفون: «نصر الله دين الإسلام، أهلك الله دين الكفار.» فقالوا: إن سيد بك قنديل حكمدار البوليس وصنيعة عرابي هو الذي ألَّف له تلك المظاهرة، وكان درويش باشا يسأل عن هذه المظاهرة ومعناها بين حينٍ وآخر، فقالوا له إن الجمهور يعلن فرحه وسروره بهذه الطريقة.

وركب في القطار ذاته يعقوب سامي رغم منع الخديوي، ووقف القطار في طنطا، فنزل درويش باشا ومن معه وزار المقام الأحمدي، وألقى هناك خطابًا ترجمه الشيخ أسعد. وخلاصة هذا الخطاب الذي وجهه إلى العلماء «أن جلالة الخليفة راضٍ كل الرضا عن الأمة المصرية، وقد أوفدني إليكم لأشجعكم وأنشِّطكم فيما تبذلونه من الجهود لصيانة الوطن وإعلاء كلمة الدين ودفع عادية الأجانب عنه بكل طريقة وأسلوب حتى القوة.»

ولما وصل درويش باشا إلى القاهرة بذل كل فريق ما عنده من الجهد للحفاوة به، ولما ركب العربة الخديوية أركب إلى جانبه يعقوب سامي مندوب عرابي، وكان الجيش مصطفًّا على طريقه، وتقدمت عربته ولحقت بها جماهير العامة والكافة وهي تهتف: «نصر الله دين الإسلام، أهلك الله دين الكفار» على نغمة منظمة. وأنفق على تأليف هذه المواكب الضخمة البوليس والسيد حسن موسى العقاد الذي كان داعية حليم باشا. ولا شك أن المظاهرة كانت سياسية ضد سياسة أوروبا، فقلق الأوروبيون لحدوثها، وكانت سراي الجيزة معدة لنزول درويش باشا فنزل فيها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.