كانت إحدى متع تأليف كتابي الجديد «القفص الزجاجي» هي اكتشاف أعمال الفيلسوف الأمريكي البراجماتي جون ديوي، خاصة كتابه الصادر في عام ١٩٣٤ «الفن خبرة». في مقال «الاعتماد على الذات» كتب إمرسون: «في كل عمل إبداعي نرى أفكارنا المرفوضة، فتعود إلينا ببهاء لا نألفه كثيرًا.» انتابني هذا الشعور طوال الوقت عند قراءة أعمال ديوي، فإليك مثلًا هذه الفقرة:

إن البيئة المواتية دومًا وفي كل موضع لتلبية رغباتنا فورًا سوف تقيد النمو، تمامًا مثلما تعمل البيئة التي تتصف دومًا بالعدوانية والتي تقيد هذه الرغبات وتدمرها. وهذه الرغبات دائمة التعزيز تمضي في طريقها دون تفكير، ودون اكتراث للمشاعر. فهي غير مضطرة للتعبير عن نفسها من خلال الأشياء التي تواجهها، ومن ثم لن تصبح هذه الأشياء ذات قيمة. إن السبيل الوحيد لإدراك طبيعتها وهدفها يكون عبر العقبات التي تتغلب عليها والأساليب التي تستخدمها. والأساليب التي تكون أساليب فحسب من البداية تتطابق للغاية مع الرغبة — بطريقة ممهدة وسلسة مسبقًا — لدرجة لا تفسح مجالًا لإدراكها. وكذا الحال بالنسبة للذات، فهي لا تتعرف على نفسها دون وجود مقاومة من الأشياء المحيطة بها؛ فلن تكون لها مشاعر ولا اهتمامات، ولا خوف ولا أمل، ولا إحباط ولا نشوة. فالمعارضة المجردة التي تسبب إحباطًا تامًّا تولد غضبًا وحنقًا. لكن المقاومة التي تستدعي التفكير تولد الفضول والاهتمام الشديد، وعند التغلب عليها واستخدامها؛ ينتج عنها نشوة.

يعرض لنا ديوي هنا — من بين أشياء أخرى — وسيلة قوية لفحص التقنيات والتعرف عليها. إن هذه الوسيلة التي ببساطة تمهد طريقنا وتيسره، وتسرع من تلبيتنا لإحدى رغباتنا، لها تأثير قاتل. فهي تنزعنا من العالم ومن ثمَّ من الصراع معه ومع الأشياء الموجودة فيه التي تقدم معنًى للذات. فأفضل الوسائل هي التي تزيد من تواصلنا مع العالم، والتي تمدنا بالمزيد من أسطح الاحتكاك، لا تقلل منها.

تتعارض تعاليم ديوي مباشرةً مع افتراضنا أننا يجب أن نبحث عن التقنيات التي توفر لنا أكبر قدر من الراحة والسهولة. تخيل مثلًا، إذا تبنى مطورو البرمجيات ومستخدموها فلسفة ديوي؛ فإن صناعة البرمجيات بأسرها ستتلاشى في لحظة، ومعها كثير من الثروات، وستظهر صناعة جديدة بشكل مختلف تمامًا.

Against Frictionlessness by Nicholas Carr. Rough Type. January 25, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    هاني المياحي ·٣٠ أبريل ٢٠١٤، ٢٢:١٧ م

    شكرا زينب