أما أنا فلست أريد أن أنقد خطبة قاضي القضاة من الناحية السياسية كما نقدها توفيق دياب، ولا أن أدافع عنها من الوجهة القضائية كما دافع الأستاذ مرقس فهمي؛ فلست أنا من هذا كله في شيء.

ولعلِّي لا أغلو إن قلتُ إني لا أكتب اليوم ناقدًا بل مستفهمًا؛ فقد تركت خطبة قاضي القضاة مكانًا للاستفهام، وقد يكون هذا الاستفهام طويلًا، وقد يكون قصيرًا، ولكنه استفهام على كل حال.

وكنت أحب أن لا تترك خطبة قاضي القضاة مقالًا لقائل أو سؤالًا لسائل؛ لأن ما أعرفه عنه يطمعنا في ذلك منه.

وأكبر الظن أن هذا الاستفهام قد يستحيل إلى تفسير، وليس غريبًا أن تثير خطبة قاضي القضاة استفهامًا، ثم يستحيل هذا الاستفهام إلى تفسير أو شيء يشبه التفسير؛ فالأستاذ الجليل عبد العزيز باشا فهمي دقيق ممعن في الدقة، قد عُرِف بذلك، عرفه به أبعد الناس عنه، فضلًا عن أقرب الناس منه. وهو على ذلك بعيد المرامي، يريد باللفظ اليسير القصير أشياء لا يبلغها غيره بالإطناب والإسهاب.

ولعله أن يكون قد لمح إلى ما أسأل عنه تلميحًا، وأشار إلى ما أستفهم عنه إشارة من هذه الإشارات التي لا تُتاح لغيره من الخطباء والكتاب.

أما السؤال الذي أثارته خطبة الأستاذ في نفسي، وفي نفس جماعة من الذين يحبهم ويحبونه، ويكرمهم ويكرمونه فتصل بالقضاء الشرعي؛ ما باله لم يُذكَر في خطبة الأستاذ؟! وما باله لم يظفر بكلمة صريحة جلية في هذه الخطبة الصريحة الجلية؟! فقد كانت الخطبة في ذكر القضاء الأهلي كيف دعت إليه الحاجة؟ وكيف نشأ؟ وكيف ارتقى وتطور حتى قطع إلى الكمال شوطًا بعيدًا، وحتى مكن قاضي القضاة من أن يطلب إلى جلالة الملك أن يتفضل فيعلن أن هذا القضاء خليق منذ الآن أن يرضي حاجة الذين يسكنون مصر جميعًا إلى العدل، ويحفظ حقوقهم، ويُغْنِي مصر عن المحاكم المختلطة؟!

وكل هذا حسن، وكل هذا حق لا شك فيه، ولكن قاضي القضاة ذكر المحاكم المختلطة، وبيَّن كيف كان التفكير فيها، وكيف نشأت، وكيف انتفعت بها مصر.

وكان قاضي القضاة — كدأبه دائمًا — بارعًا لبقًا حين أثنى على نظام القضاء المختلط في أول الخطبة، وطلب إلغاءه في آخر الخطبة، ونظن أن القضاء الشرعي كان خليقًا بأن يقف عنده الأستاذ الخطيب وقفة إن لم تكن أطول من وقفته عند القضاء المختلط فلتكن مثلها أو أقصر منها.

ولكن هذه الوقفة — فيما نرى — لم يكن منها بد لتكون الخطبة كاملة شاملة عامة تامة ملمة بالموضوع من جميع أنحائه، آخذة له من جميع أطرافه؛ فنظام القضاء الشرعي أقدم النظم القضائية في مصر، فله من حرمة القدم هذه حق تاريخي على الذين يعرضون لذكر القضاء لا ينبغي لهم ولا يُقبَل منهم أن يهملوه مهما تكن الظروف ومقتضيات الحال كما يقولون.

وليس ينبغي أن يُقال إن القضاء الشرعي قد كانت له نظم وأوضاع لم تكن تخلو من العيب، ولم تكن تسمو على النقد؛ فكل نظام إنساني لا يكاد يخلو من العيب، ولا يكاد يسمو عن النقد، وأعمال الإنسان كلها ونظم الإنسان كلها مزاج من الخير والشر؛ فمن أراد التاريخ الدقيق ذكر الحسنات والسيئات، ومن أراد الذم الخالص ذكر السيئات دون الحسنات، ومن أراد الثناء الخالص ذكر الحسنات وأعرض عن السيئات، ومن أراد المجاملة والإنصاف في غير إمعان في البحث، ولا استقصاء للدقائق قال خيرًا ولمح تلميحًا إلى ما لا ينبغي أن يُنسى من مواضع النقص.

وقد كانت في هذه المجاملة المُنْصِفة سَعَة للأستاذ الخطيب تتيح له إرضاء هذا النظام الذي مهما يُقَل فيه فقد عاشت عليه مصر قرونًا طوالًا، وكان خليقًا أن يظفر بكلمة من كلمات الثناء هذه التي يشوبها شيء من النقد الرفيق البليغ من هذه الكلمات المرضية المُغْنِيَة التي يحسنها الأستاذ أكثر مما يُحْسِنها غيره من الكتاب والخطباء.

ولكن في الأمر ما يجعل الأسف شديدًا عميقًا لإعراض الأستاذ عن ذكر القضاء الشرعي في خطبته تلك؛ فقد يُخيَّل إلينا أن هذا القضاء الشرعي قد سعى إلى الرقي في هذا العصر الحديث كما سعى غيره من النظم المصرية، وإذا لم تُخنَّا الذاكرة فقد كان التفكير في إصلاح القضاء الشرعي وتنظيمه وتجديد أوضاعه معاصرًا للتفكير في إدخال القضاء الأهلي إلى هذه البلاد؛ أي: في سنة ١٨٨٠. ومن ذلك الوقت، أخذت نظم القضاء الشرعي تحيا وتبلو ما تبلوه النظم الحية من الخير والشر، ومن التجربة والامتحان؛ فتتخلص من العيب، وتستكثر من المحاسن، وترقى في نظام واطراد، وقد غُيِّرت نُظُم القضاء الشرعي قليلًا أو كثيرًا في أوقات مختلفة من هذا العصر الحديث الذي يبلغ خمسين سنة أو أكثر قليلًا، ويُخيَّل إلينا أن الجهود التي بُذِلَتْ في ذلك لم تكن قليلة، ولا يسيرة، ولا خليقة بالإعراض.

ويُخيَّل إلينا أن الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده رحمه الله قد بذل في ذلك جهودًا كانت خليقة أن تُذكَر، ولاسيما إذا لاحظنا أن القضاء الأهلي قد ازدان بنفس الأستاذ الإمام الرضية، وصوته العذب، وخلقه الطيب، وزيه الجميل. فكان رحمه الله صلة حسنة بين هذين النوعين من نظم القضاء، عمل في أحدهما وجدَّ في إصلاح ثانيهما.

ولو لم يكن للقضاء الشرعي إلا أن زميلًا عظيمًا من زملاء قاضي القضاة قد فكر فيه، وعُنِي به، وجدَّ في إصلاحه؛ لكان هذا كافيًا لأَنْ يلم به الأستاذ في خطبته إلمامة قصيرة.

ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحد، فقد يُقال إن سعدًا رحمه الله عُنِيَ بالقضاء الشرعي عناية خصبة لم يقف أمرها عند القضاء الشرعي وحده، بل كانت لها نتائج بعيدة الأثر في حياة التفكير المصري كله؛ فقد أنشأ سعد رحمه الله مدرسة القضاء يريد بها إصلاح القضاء، فأصلحه وأصلح معه فنونًا من التعليم وفنونًا من التفكير وأبوابًا من الحياة العقلية، لا في مصر وحدها بل في الشرق العربي كله.

ويكفي أن الذين خرجوا من مدرسة القضاء هذه يُعلِّمون الآن في الجامعة، ويشغلون مناصب ذات خطر في الدولة، ولا تستطيع الحياة المصرية أن تخلص منهم أو أن تنفيهم عنها، أو أن تخلص من الطابع الذي طبعوها به دون أن يصيبها شيء من الاضطراب والفساد غير قليل.

وكان سعد رحمه الله أزهريًّا كالأستاذ الإمام، وكان سعد رحمه الله قاضيًا أهليًّا كقاضي القضاة، فكان سعد إذن صلة حسنة بين هذين النوعين من القضاء المصري، وكان اشتراك سعد في القضاء الأهلي وعناية سعد بالقضاء الشرعي يكفيان ليلم قاضي القضاة في خطبته تلك إلمامة قصيرة بهذا النظام المصري الذي نُسمِّيه القضاء الشرعي.

لا أخفي على الأستاذ الجليل أني دُهِشْتُ ودُهِشَ معي قوم آخرون، وأَسِفْتُ وأَسِفَ معي قوم آخرون لإعراض الأستاذ عن ذكر القضاء الشرعي في خطبته. وأخذنا نلتمس لذلك الأسباب ونبحث له عن العلل، فمِنَّا مَنْ زعم أن الأستاذ إنما أعرض عن القضاء الشرعي؛ لأن القضاء الأهلي قد قام مقامه في كثير من المواضع، فهو إذن نظام جديد يخاصم نظامًا قديمًا، وقد آثر الأستاذ أن لا يثير الخصومة بين النظامين. ولكني رأيت أن أول ما يجب على النظام الجديد أن يذكر النظام القديم الذي سبقه بالخير مجاملة له واعترافًا ببعض فضله.

ومِنَّا مَنْ زعم أن رجال القضاء الشرعي اعتذروا عن الاشتراك في تكريم القضاء الأهلي؛ فأعرض عنهم هذا القضاء إعراضًا. ولكني رأيت أن قاضي القضاة إنما كان يتحدث عن النظام قبل أن يتحدث عن رجاله، فلم يكن عليه بأس أن يذكر النظام، وإن أعرض رجاله عن الحفلة إعراضًا.

وزعم بعضنا أن الخصومة بين النظامين لم تُنقَض بعد، وأن في مصر قومًا ما زالوا يفكرون في أن نظام القضاء الشرعي ليس من ضرورات الحياة المصرية بالوضع الذي هو عليه الآن، وأن الرقي الطبيعي يقتضي أن يُمضَى في تطوره حتى يصبح جزءًا من نظام القضاء المصري العام، وحتى تصبح في المحاكم المصرية دوائر للأحوال الشخصية تطبق أحكام الشرع الشريف، كما أن فيها دوائر للقضاء المدني وأخرى للقضاء الجنائي، ولكني رأيت أن هذا النحو من التفكير أيضًا لا يستقيم؛ فسواء تم هذا التطور أم لم يتم، وسواء أُلْغِيَتْ أوضاع المحاكم الشرعية أو لم تُلْغَ فإن القضاء الشرعي حقيقة واقعة لها مكانها في التاريخ، ولها أثرها في الحياة المصرية القديمة والحديثة، ولا ينبغي أن يُهمَل ذكرها في خطبة يلقيها قاضي القضاة في حفلة من حفلات القضاء، ويلم فيها بالقضاء المختلط.

وهَبْ قاضي القضاة كان يرى هذا الرأي ويذهب هذا المذهب، فما الذي كان يمنعه أن يذكر القضاء الشرعي، كما ذكر القضاء المختلط مثنيًا عليه في أول الخطبة مشيرًا إلى إلغائه أو تعديله في آخر الخطبة؟!

ما زلت مستفهمًا، وما زلت آسفًا، وما زلت دهشًا لأن القضاء الشرعي لم يُذكَر في خطبة قاضي القضاة يوم الأحد الماضي؛ لأني كنت أحب لهذه الخطبة أن تكون من المجاملة والإنصاف بحيث عرفت الأستاذ الخطيب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.