هو ختام وابتداء في وقت واحد؛ ختام لقصة ظريفة، وابتداء لقصة جديدة، لا نَدْرِي أتبلغ من الظرف ما بَلَغَتْهُ القصة المُنتهية، أم تقصر عنه، أم تربى عليه، ولكنها ستكون قِصَّة لا تخلو من لذة، حلوة أو مُرَّة على كل حال. أمَّا القِصَّة الظَّريفة التي خُتِمَتْ أمس فهي قصة الخلاف الذي شَجَرَ بين المندوب السامي الجديد ورئيس وزارتنا الرجل الطيب. وأما القصة الجديدة، التي بُدِئت أمس، فهي قصة الحياة المُنظمة التي ستكون بين الرجلين منذ كان تبادل الزِّيارات، والوَاقِعُ أنَّ قصة ذلك الخلاف لم تكن تخلو من ظرف يُثِيرُ الإعجاب ويبعث الابتسام؛ فهي قد جمعت بين الفُكاهة المرضية والجد المُخيف، ثم انتهت كما كانَ يَجِبُ أَنْ تَنْتَهي أو كما كان يَجِبُ أنْ تبتدئ، وسأل الناس أنفسهم فيمَ كان النشاط والاضطراب؟ وفيمَ كان الاحتجاج واللجاج؟ وفيم كان مَدُّ الشفاه وتقطيب الجباه واستعارة هذا الغشاء القاتم، غشاء العبوس؟

ختمت القِصَّةُ بما كان ينبغي أن تُخْتَم به، فبدأ رئيس الوزارة بزيارة المندوب السامي، وختمت القصة بما كان ينبغي أن تبدأ به؛ فقد كان ينبغي أن يزور رئيس الوزراء دار المندوب السامي قبل أن ينتظر من المندوب السامي أنْ يَسْعَى إليه، وإذن ففيم كان الأخذ والرَّد؟ وفيم كان الدفع والشدُّ؟ وفيم كانت تلك المَقَالَاتُ المُلْتَهِبة والفصول المضطربة، التي كانت تنشر في الصحف وتُذَاع بين الناس، نَقْدًا لِمَسْلَكِ المَنْدُوب السامي، وتأييدًا لموقف الرَّجل الطَّيب، ودِفَاعًا عن استقلال مصر، وإنكارًا لما يزعمه الإنجليز لممثلهم من الامتياز؟ وفيم كان إحياءُ التاريخ القديم، ونشر ما طوي من محاضر مجلس النواب أثناء الائتلاف؟ وفيم كانت المطالبة بأن يكون المندوب السامي كغيره من الممثلين السياسيين، لا يَسْتَقْبِلُه أَحَدٌ إِذا جاء، ولا يزوره أَحَدٌ حتى يَبْدَأ بالزيارة؟ وفيم كان الإلحاحُ من أن يقدم المندوب السامي أوراق اعتماده إلى جلالة الملك كما يقدم غيره من الممثلين السياسيين؟ ثم فيم كان إقلاق وزيرنا المفوض في لندرة، وإثارة المناقشة بينه وبين وزارة الخارجية البريطانية، حتى ظَنَّ النَّاسُ أن بين القاهرة والعاصمة البريطانية أَزْمَةً سِيَاسِيَّةً حَادَّةً، تُوشِكُ أَنْ تكون بعيدة المدى؟ فيم كان هذا كله ما دام الأمر قد انتهى إلى حيثُ كان يجب أن ينتهي، وما دام الأمر قد خُتِمَ بما كان يجبُ أن يبتدئ به، تستطيع أن تلقي هذه الأسئلة، وأن تلقي أسئلة أخرى أكثرَ من هذه الأسئلة، ولكنك لن تظفر بجواب.

فأما الذين اندفعوا في تأييد الوزارة، وطلبوا إلى المصريين أن لا يبخلوا عليها بالتأييد، وألحُّوا على المصريين في أن يحموا ظهرها ويشدوا أزرها فيما اعتزمت بمُطَالبة بالحق واحتفاظ بالكرامة، وذَوْد عن الاستقلال، وتسوية بين ممثل الإنجليز وممثلي غيرهم من الأمم في مصر؛ فأمَّا هؤلاء فسَيُجيبونك بالصمت المُحكم، والسكوت البليغ، وسينسون هذه القصة كلها نسيانًا، وسيتحدثون إليك في أشياء أخرى، قد يُعْجِبُك وقد لا يُعجبك أن يتحدثوا فيها إليك، ولكنهم سيتحدثون على كل حال؛ لأنَّ صُحفهم لا بد أن تصدر، ولا بد أن تصدر ممتلئة لا فارغة، وهم لا يستطيعون أنْ يقولوا في هذه القِصَّة شيئًا، بعد أنْ صَرَفَ اللهُ شَرَّهَا عن الوزارة، وبعد أن أراح الله رئيس وزرائنا الرجل الطيب مما كانت تكلِّفه من عناء. فإذا ظهر خلافٌ آخر بين الرَّجُل الطيب والمندوب السامي، واحتاج الرجل الطيب إلى التأييد أو ما يُشْبِه التأييد، فإنَّ هَذِه الصُّحف قادِرَةٌ بإذن الله على أنْ تُهَاجِمَ الإنجليز وتذكر عدوانهم وطغيانهم، وتنكر امتيازهم من غيرهم من الأجانب، وهي قادرة بإذن الله على أنْ تقلب في مجالس مجلس النواب ومجلس الشيوخ أيام الائتلاف أو أيام حكم الوفد لتجد موقفًا من هذه المواقف التي طالبت فيها مصر بكرامتها، وحرصت فيها مصر على حَقِّهَا، وهي قادرة بإذن الله على أن تنشر من ذلك ما طُوِي، وتطلب إلى المصريين أن يؤيدوا رئيس الوزراء.

فإذا انتهى الخلاف بالتسليم والرِّضا والإذعان لقَضَاءِ الله كما انتهى الخلافُ أمس، فهذه الصُّحف قَادِرَةٌ بِإِذْنِ اللهِ على أنْ تدخل في الصمت، وتغلق من دونها أبوابه إغلاقًا مُحْكَمًا كلَّ الإحكام، وكذلك يعبث الناس بعقول الناس، ويسخر الناس من الناس، ويلعب الناس بالعواطف الوطنية كما يلعب الأطفال بهذه الكرات الصغيرة التي يتخذونها من الحجر أو الزجاج.

وأما الصحف الأخرى التي كانت مُستحية مُستخذية لا تذكر هذا الخلاف إلا كَارِهَةً، وَلَا تَقِفُ عِنْدَهُ إِلَّا وقفات قصارًا، حتى إذا اشتَدَّ الأَمْرُ، وَعَظُمَ الحَرَجُ، وقَيِلَ إن رئيس الوزراء قد استقال، دافعت عن استقالة رئيس الوزراء، وزعمت أنها استقالة مشرفة، ترفع الرأس، وتبيض الوجه، وتحسن الذكر، وتخلد اسم الرئيس في التاريخ. أما هذه الصحف، فهي تعرف كيف تُجيب، وقد عرفت بالفعل كيف تجيب، وقد نشرت جوابها صباح اليوم، يستطيع أن يراه من يمنحه الله شيئًا من الشجاعة على قراءة صحيفة الشعب، وهذا الجواب يسير ليس أقل ظرفًا من القصة نفسها، فصحيفة الشعب مسرورة، راضية، وصحيفة الشعب مُغتبطة مُبتهجة؛ لأنَّ الله قد كشف عن الوزارة ضُرَّ هذا الخلاف، وصحيفة الشعب لا يقنعها الرِّضا، ولا يكفيها السرور، وإِنَّما تمدُّ لنفسها في الأمل، وتفتح للوزارة أبوابًا من الرجاء، وفنونًا من الثقة بالمُسْتَقبل المزهر الوضِيء، فالصلح الذي تم أمس دليل واضح عند صحيفة الشعب، وعند أنصار الوزارة بالطبع، على أنَّ أسباب الحياة مَمْدُودة للوزارة، وأبواب الأمل مفتوحة لرئيس الوزراء، وإذن فما أكثر ما خدع المُعارضون أنفسهم، وما أكثر ما اندفعوا في الأمل، وما أكثر ما أمعنوا في الرَّجاء، ثُمَّ مَا أَشَدَّ ما ألمَّ بهم من خيبة الأمل، ومرارة اليأس والقنوط!

وكذلك كان غضب رئيس الوزراء من المندوب السامي مُشرفًا أمس، وأصبح رضا رئيس الوزراء بما طلبه المندوب السامي مشرفًا اليوم، وكذلك كان رئيس الوزراء مُصيبًا حين غضب، وكان رَئِيسُ الوزراء مُصيبًا حين رَضِي، وكذلك كان رَئِيسُ الوزراء مُوَفَّقًا حين امْتَنَعَ عَنِ السَّعْي إلى المندوب السامي، وكان مُوفَّقًا حين قبل السعي إلى المندوب السامي، ولا بَأْسَ على صحيفة الشعب من هذا؛ فرئيس الوزراء رجل طيب، وكل رجل طيب فهو رجل معصوم، وكل رجل معصوم فهو رجل مُوَفَّق، يصيب حين يأْبَى، ويُصيب حين يرضى، يُحسن حين يحجم، ويُحسن حين يُقْدِم، لا بأس عليه من شيء، ولا بأس منه على شيء.

ومع ذلك فماذا كان يُريد الإنجليز من رئيس الوزراء؟ كانوا يُريدون أن يسعى لزيارة المندوب السامي ليستطيع المندوب السامي أن يسعى إليه، فأَبَى رَئِيسُ الوزراء هذا، وأَلَحَّ في إبائه، وكَرِهَ أن يسعى مرتين، وقال: لقد سعيت إلى المحطة، فلن أسعى إلى الدار، وكان رئيس الوزراء في هذا مُخالفًا للتقاليد فيما يقول الإنجليز، مُدافعًا عن الاستقلال فيما يقول الوزاريون، ثم ماذا فعل رئيس الوزراء؟ سعى إلى دار المندوب السامي كما كان يطلب منه الإنجليز، ثم اسْتَقْبَل المندوب السامي كما كان يعرض عليه الإنجليز.

فماذا فعل؟ وماذا ترك؟ وماذا قَبِلَ؟ وماذا رَفَضَ؟ لم يفعل شيئًا ولم يترك شيئًا! لم يقبل شيئًا ولم يرفض شيئًا! وإِنَّمَا سَارَ سيرة أمثاله من رؤساء الوزارات إلا أَنَّه أَظْهَرَ التَّمَنُّعَ أَوَّلَ الأَمْرِ، ثم اضطر إلى الرِّضَا، فليته لم يتمنَّع ما دام آخر الأمر رَضِي، وليته لم يرضَ ما دام أَوَّلَ الأمر تَمَنَّع، ولكن ماذا تُريد؟ كذلك يفعل الرجال الطيبون، فأما غيرهم من رؤساء الوزارات فإنهم يرضون في غير تمنع؛ لأنهم ليسوا طيبين، أو يتمنعون في غير رضًا؛ لأنهم ليسوا طيبين أيضًا.

ومع هذا كله فرئيس وزرائنا خليق بالتهنئة حريٌّ أنْ يُقَدَّم إليه الثناء، ونحن لا نبخل عليه بالتهنئة إذا استحقها، ولا نَضِنُّ عليه بالثناء إذا استأهله، وهو مِنْ غَيرِ شَكٍّ مُسْتَحِقٌّ للتهنئة، مُسْتَأهل للثناء في هذه المرة.

كانوا يَقُولُون إنَّهُ استقال، أو إنه يُريد أن يَسْتَقِيل، وكُنَّا نُنْكِرُ ذلك، وننصح لرئيس الوزراء أن لا يُقْدِمَ عليه، فما ينبغي لرئيس الوزارة أن يستقيل لأَنَّه مُخاصم للمندوب السامي، وإذا لم يكن بُدٌّ مِنْ أَنْ يترك أحد المُختصمين الميدان لصاحبه، فإن رئيس الوزراء ليس هو الذي ينبغي أن يترك الميدان، وما رأينا قطُّ أنَّ رَئيس وزارةٍ استقال لأنَّه غَضِبَ من ممثل سياسي أجنبي. وقد قبل رئيس وزرائنا هذا النصح، ورضي رئيس وزرائنا بهذا الرَّأي، وأقام رئيس وزرائنا في مَنْصِبِهِ، وضَحَّى في سبيل ذلك تضحية شَاقَّة عسيرة على نفسه، فقبل أن يَبْدَأ هو بالسعي إلى المندوب السامي، وكان قد صَمَّمَ أَنْ لا يفعل فيما كان يُقال، فمن الحق علينا أنْ نَحْمَدَ لرَئيس الوزراء قبوله ما قدمنا إليه من نصح، وإقراره ما عرضنا عليه من رأي. ومن الحق علينا أن نحمد لرئيس الوزراء إنكاره لنفسه في سبيل مصر، وتَضْحِيَتَهُ بالاعتبارات الخاصة في سبيل الاعتبارات العامة، وتكلفه ما لم يكن يُحِبُّ ولا يُرِيدُ، حتى لا يُقالَ إن خلافًا بين الإنجليز ورئيس الوزارة المصرية قد اضطر الوزارة أن تستقيل، وعلى هذا النحو انتهت تلك القصة الظريفة إلى ما كان ينبغي أن تنتهي إليه، وختمت بما كان ينبغي أن تبتدئ به.

وبدأت أمس قصة أخرى لا ندري كيف تكون، ولكننا نتمنى على رئيس الوزراء أنْ لَا يَرْضَى عن شيء أو يَأْبَى حتى يُفَكِّر ويُطِيلَ التفكير، وحتى يسأل ويَسْتَشِيرَ؛ فَإِنَّ ذلك خَلِيقٌ أَنْ يَعْصِمَه من التورط في مثل ما تورط فيه من أمر البدء بالزيارة، ولعله يعصمه من أشياء قد لا يكون الخروج منها مُمكنًا إلا بالخروج من منصب الحكم، ورئيس الوزراء يعلم حقَّ العلم أن ليس أشقَّ على مصر ولا أشد إيذاءً لها من أن يستقيل هو، وتخلو مناصب الحكم من وزارة كوزارته قِوَامُها الحزم والعزم، وحفظ الكرامة، والذود عن الاستقلال، ببركة هذه الطيبة التي تملأ قلوب الرجال الطيبين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.