يستطيع القارئ أن يتصور أزمة الديمقراطية الفرنسية كما هي الآن، قبل أن تُستأنف الدورة البرلمانية بوقت قصير، سلطة تنفيذية لا تملك ما ينبغي لها من القوة، وما يخولها الدستور من الحق؛ لتحل مشكلة خطيرة من أشد المشكلات التي عُرضت للجمهورية الرابعة، لا لأن البرلمان يمنعها من ذلك — فالبرلمان متفرِّق الآن — بل لأن الأحزاب تهددها بالتخلِّي عنها يوم الحساب، ولأن الوزراء الذين ينتمون لهذه الأحزاب لا يخضعون لقرارات مجلس الوزراء، ولا يحفلون بالتضامن الوزاري ولا يستقيلون من مناصبهم، ولأن أصحاب المنافع المالية الضخمة في شمال أفريقيا هم الذين يدبرون الأمر من وراء ستار!

هذه هي التي نشهدها في فرنسا، كانت جمهوريتها الرابعة، ومنذ عَظُم الشر بينها وبين أقطار من الأرض قضى عليها نظام الاستعمار أن تخضع لسلطانها. ولست أعرف في تاريخ الحياة السياسية أثناء هذا القرن العشرين أزمة تُشبهها فيما تحمل من هذه المتناقضات التي تُغري بالضحك أحيانًا، وتُغري بالحزن العميق أحيانًا أخرى، وتثير من العِبَر والعظات ما ينفع الدارسين لها والمفكِّرين فيها على كل حال.

وكان الفرنسيون وغير الفرنسيين يعيبون الجمهورية الفرنسية الثالثة بأنها لم تكُن تحب الاستقرار في شئون الحكم، وإنما كانت تلعب بالوزارات؛ توليها في الصباح وتُقِيلُها في المساء، ولا تحب بحال من الأحوال أن تطول أعمارها مهما يكن رؤساؤها وأعضاؤها. ولكن الجمهورية الرابعة فيما يظهر تريد أن تكون أكثر لعبًا بشئون الحكم وأكثر استخفافًا بأعبائه، مهما تثقل من تلك الجمهورية الثالثة التي قضت عليها الحرب العالمية الأخيرة.

فالوزارات الفرنسية منذ صدر الدستور الأخير لا تكاد تنهض بأعباء الحكم حتى تُعفى من النهوض بها، ولا تكاد تأخذ في عمل من الأعمال حتى تُصرف عن المضي فيه صرفًا، بل هي قد تبقى في الحكم ولكنها لا تُمكن من إمضائه، وقد تملك السلطان ولكنها تمنع من إنفاذه.

وقد نشأ عن هذا ما لم يحدث في الجمهورية الثالثة من انتشار الأمر واضطراب النظام واختلال التوازن بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية إلى حَدٍّ خطير، حقًّا أضاع أو كاد يضيع ما ينبغي للحاكمين من الهيبة التي تجعل قراراتهم نافذة وأوامرهم محترمة وسلطانهم فوق اعتراض المعترِضين وخلاف المخالفين.

ومصدر ذلك فيما يظهر كثرةُ الأحزاب السياسية وتناقض المنافع بين هذه الأحزاب، وتزاحُم السياسيين على أمور الحكم، وإقامة السياسة على الكيد للوزراء والمكر بهم، وانتهاز الفرص لإسقاطهم، وإقامة غيرهم ريثما تنتهز فرصة أخرى ليتجدد الكيد لهم أو المكر بهم والجِد في إسقاطهم.

ولم يظهر هذا الاضطراب المنكَر منذ قامت الجمهورية الرابعة كما ظهر في هذه الأيام حين اشتدت الأزمة بين فرنسا وبين شمال أفريقيا، وحين كانت هذه الأحداث العظام التي روع العالم كله لها ترويعًا.

وما أريد اليوم أن أتحدث عمَّا يحدث في الجزائر أو في مراكش من الأحداث على نُكرها وبشاعتها، وإنما أريد أن أصور هذه الأزمة التي تشقى بها الديمقراطية في فرنسا ليُنكر فيها من يُنكر، وليعتبر بها من يعتبر، وليكون فيها درس نافع للذين يُعْنَوْنَ بسياسة الشعوب وإقامة الحياة الديمقراطية فيها على أساس متين.

ولينظر القارئ قبل كل شيء إلى الحقائق الواقعة، فهي وحدها تغني عن كل شيء وعن كل تفسير. في ذات يوم من الأيام تبيَّن للوزارة الفرنسية القائمة أن الأمور في مراكش متعثِّرة، وأن الثورة بالسلطان الفرنسي فيها يزداد خطرها من يوم إلى يوم، وأن ما أُتيح لتونس من هذه الحرية الضئيلة المنقوصة المشوَّهة قد أغرى الساخطين في مراكش والجزائر بأن يطمعوا في أن تتغير أحوالهم، وأن يخلصوا من الحكم الأجنبي المباشر على نحو من الأنحاء؛ فاشتد الاضطراب في المغرب الأقصى، ونظمت الثورة في الجزائر تنظيمًا مخيفًا.

وقررت الحكومة الفرنسية أن تلتمس مخرجًا من هذا الضيق، وأن تحاول إرضاء المراكشيين؛ فأقالت المقيم العام ووضعت مكانه رجلًا آخر عُرف فيما يظهر بالحزم والمرونة ونفوذ البصيرة وشدة الذكاء، وكلفته أن يُداخل المراكشيين على اختلاف ميولهم ونزعاتهم، وأن يعلم علمهم ويقترح على الحكومة ما يرى أنه يخرجها من هذا المأزق، ويقيم الصلة بينها وبين مراكش على أسس أقوم وأمتن من الأسس التي قامت عليها الحماية إلى الآن. ولم يَكَدْ هذا المقيم العام يصل إلى مراكش ويحاول أن يتصل بأهلها حتى اضطرب فيها كل شيء.

ثار الأوروبيون لأنهم أحسُّوا أن تغييرًا يُراد إحداثه، وأشفقوا على ما في أيديهم من المنافع الضخمة أن يصيبها بعض ما يكرهون. وثار المراكشيون لأنهم أحسوا أن تغييرًا يُراد إحداثه، وأنه قد يُتيح لهم أن يخرجوا من هذه الظلمة التي هم فيها إلى شيء من النور. وجعل الفرنسيون المستعمِرون في مراكش ينتهزون الفرص ويخلقونها ليبطشوا بالمراكشيين ويدفعوهم إلى الغضب لكرامتهم وحرماتهم وحقوقهم. وجعل المقيم العام لا يزور مدينة من المدن أو لا يُلِمُّ بحي من الأحياء إلا إذا وقع الاضطراب وعظم النكر واقتُرفت الآثام وقُتل الأبرياء ونُكِّلَ بالعُزل الوادعين. كل ذلك لتشعر الحكومة المركزية في باريس بأن المستعمِرين الفرنسيين في مراكش ساخطون على هذا المقيم العام الجديد، منكرون لكل تغيير يمَس منافعهم من قريب أو بعيد، مستعدون لمقاومة هذا التغيير مهما تكن الظروف.

ونظرت الحكومة المركزية فإذا هي أمام ثورتين في مراكش: إحداهما ثورة فرنسية خالصة تريد أن تُبقي الحماية في مراكش وأن يُحكم المراكشيون على غير ما يحبون مهما تكن النتائج ومهما ينشأ عن ذلك من الأخطار، والأخرى ثورة مراكشية تريد أن ترد الحقوق إلى أهلها وأن يَحكم أهل البلاد أنفسهم كما يريدون هم لا كما يريد الأجانب المستعمرون.

وكان أغرب ما في الأمر أن أصحاب المنافع من الفرنسيين المقيمين في باريس وأعوانهم من الساسة وأعضاء البرلمان كانوا يشجعون الثائرين من الفرنسيين بالقول والعمل وبالإغراء سرًّا وجهرًا، ويُلِحُّونَ على الحكومة في أن تعزل المقيم العام الجديد، وأن تحافظ على مركز فرنسا في مراكش وتقويه، وتأخذ المراكشيين بالعنف حتى تستقيم قناتهم مهما كلَّفها ذلك من الجهد ومهما ينشأ عنه من إزهاق النفوس وإراقة الدماء والتنكيل بالأبرياء.

ومضى المقيم العام في تنفيذ السياسة التي رُسمت له، وحاولت الحكومة المركزية أن تثبُت للثائرين بها والساخطين عليها، ولكن ثباتها لم يتصل؛ لأنها أحست أن كثرتها البرلمانية توشك أن تتخلى عنها، ولأن رئيسها أَحَسَّ أن بعض زملائه من الوزراء يوشكون أن يتخلوا عنه نزولًا على رأي أحزابهم. فاضطرت الحكومة إلى أن تخطو هذه الخطوة المنكَرة التي أسقطت هيبتها وأطمعت فيها الثائرين والساخطين؛ فعزلت المقيم العام وأرسلت مكانه رجلًا آخر، ولكنها في الوقت نفسه قررت أن تعالج المشكلة، وأن تلتمس لها حلًّا، وأن تتصل اتصالًا مباشرًا بالساسة من أهل مراكش لتسمع منهم وتعلم علمهم وتقيم سياستها على ما يتكشف لها من الحقائق الواقعة. والغريب أنها أشفقت من أن تعالج هذه المشكلة أثناء اجتماع البرلمان، فانتظرت حتى انتهت الدورة البرلمانية، وظَنَّ رئيسها أنه يستطيع — في حدود ما للسلطة التنفيذية من حق — أن يعالج المشكلة ويحلها ويتقدم بعد ذلك إلى البرلمان في أول الدورة المقبلة. لكنه لم يلبث أن تبين أنه كان مسرفًا في التفاؤل؛ فأعضاء البرلمان متفرِّقون في إجازة الصيف، ولكن الهيئات الإدارية للأحزاب مستقرَّة في باريس ترقُب الحكومة من كَثَب، وتسجل عليها كل ما تأتي من الأمر، ولا تتردد في أن تنبهها إلى ما تحب وتحذِّرها مما تكره، وتنذرها بالتخلي عنها إن خالفت عن أمرها. وكذلك تفرَّق البرلمان، ولكن الأحزاب أو هيئاتها الإدارية قامت مقام البرلمان وأرهقت الحكومة من أمرها عسرًا.

ومع ذلك فقد مضى رئيس الوزارة في سياسته، وألَّف من وزارته لجنة خاصة اتصلت بالمراكشيين على اختلاف نزعاتهم، فقالت لهم وسمعت منهم، واتفقت معهم آخر الأمر على أن يُقصَى السلطان القائم على العرش ويُنقل السلطان المنفي إلى فرنسا، ويُنشأ مجلس للوصاية على العرش، وتؤلَّف حكومة تمثل الشعب المراكشي وتفاوض الحكومة الفرنسية في أمر النظام الجديد. واتفقت معهم كذلك على أن تُعرض كل هذه القرارات على السلطان المنفي؛ فليس من سبيل إلى إحداث أي إصلاح يقبله المراكشيون إلا إذا أَقَرَّهُ السلطان المنفي؛ لأن المراكشيين لا يؤمنون إلا له ولا يثقون إلا به ولا يصدرون إلا عن أمره وتوجيهه. ولكن الأحزاب ما زالت واقفة بالمرصاد ترقُب عمل الحكومة، فتعرف منه ما تعرف وتُنكر منه ما تُنكر، وتسخط على أكثره وترضى عن أقله، والوزراء الممثلون لهذه الأحزاب في الحكومة خاضعون لأمرها يرضَوْن إن رضيت ويسخطون إن سخطت.

والحكومة تقدم رِجْلًا وتؤخِّر أخرى، وتُقدم مُصبِحة لتُحجم مُمسِية، وهي على كل حال تحاول أن تُتِمَّ ما بدأت، فتُذعن لما ليس بُدٌّ من الإذعان له، وترسل بعثة فرنسية لتفاوض السلطان الذي أنزلته فرنسا عن العرش ونفته إلى أقصى الأرض. وتذهب هذه البعثة فتفاوض السلطان وتعود راضية تحمل موافقة السلطان على كل ما تم الاتفاق عليه بين الحكومة وبين الساسة المراكشيين، وتحمل من السلطان وعدًا مؤكَّدًا بأنه لن يفعل ما يعرقل السياسة الفرنسية، وأنه لن يترك فرنسا إذا نُقل إليها إلا بإذن من الحكومة الفرنسية؛ فقد استقام كل شيء، إذن لم يبق إلا تنفيذ ما تَمَّ عليه الاتفاق، وكل شيء يدل على أن الأمر قد بلغ غايته.

ويجتمع مجلس الوزراء برياسة رئيس الجمهورية، ويقرِّر تنفيذ ما تم عليه الاتفاق، وإذن فسيُقصى السلطان القائم عن العرش وسيقيم في طنجة، وسيُنقل السلطان الشرعي من منفاه البعيد إلى فرنسا ليقيم فيها موفورًا. وسينشأ مجلس الوصاية وتؤلَّف حكومة المفاوضات. وهذا رئيس الجمهورية يكتب كتابًا إلى السلطان القائم، يُذكِّره فيه بالمصلحة العليا لمراكش، وبأن هذه المصلحة تقتضي أن يترك العرش وألَّا يعود إليه السلطان المنفي. ورئيس الجمهورية يكفل للسلطان القائم الأمنَ على نفسه وعلى أنصاره. وقد أرسل الكتاب إلى المقيم العام ليُبلغه للسلطان أولًا، وليتخذ ما يجب من إجراء لتنفيذ القرارات التي اتُّفق عليها ثانيًا. ولكن الأحزاب ما زالت قائمة بالمرصاد ترقُب الحكومة من كثَب، وتصدر الأمر إلى وزرائها، وتُنذِر وتُحذِّر وتُبرِق وتُرعِد.

وقد كان الفرنسيون مطمئنين إلى أن المشكلة المراكشية ستُحل متى وصل كتاب رئيس الجمهورية إلى المقيم العام، ولكن الكتاب يصل فيتلقاه المقيم العام، ثم لا يبلغه إلى السلطان وإنما يبقيه عنده؛ لأنه تلقى أمرًا من غير رئيس الوزراء ومن غير رئيس الجمهورية بأن يحتفظ بالكتاب.

تلقى هذا الأمر من وزير الخارجية، فكيف خالف وزير الخارجية عن أمر رئيس الجمهورية وعن أمر رئيس الوزراء وعن قرار مجلس الوزراء مجتمعًا؟! هذه هي المسألة ولها جوابان: أحدهما ظاهر رسمي، وهو أن وزير الخارجية لم يشارك في إنشاء هذا الكتاب ولم يقرأ نصه قبل إرساله، والآخر خفي وإن لهجت به الصحف، وهو أن الحزب الذي ينتمي إليه وزير الخارجية ليس راضيًا عن هذا الكتاب ولا عن عزل السلطان القائم ولا عن إحداث تغيير في النظام الذي تخضع له مراكش. وقد أُرسل كتاب رئيس الجمهورية منذ ستة أيام، وأنا أُملي هذا الحديث في السابع عشر من هذا الشهر، والكتاب نائم عند المقيم العام، والوزارة الفرنسية حائرة لا تدري أتُقدِم أم تُحجِم الصحف الفرنسية مضطربة بين السُّخط والرضى وبين الرجاء واليأس. والشعب الفرنسي مشغول بأمرين خطيرين أحدهما لا صلة بينه وبين مراكش، وهو الإضراب الذي ينتشر في مدن فرنسا كلها لأن العمال يطالبون برفع الأجور، والآخر يتصل بمراكش والجزائر جميعًا لأن الحكومة محتاجة إلى إقرار النظام في هذين القُطرين بعد ما كان فيهما من اضطراب خطير لم ينقضِ بعدُ. وهي من أجل ذلك في حاجة إلى مزيد من الجند؛ فليس لها بُدٌّ إذن من أن تستبقي الشباب الذين أتموا الخدمة العسكرية وآن لهم أن يعودوا إلى أنفسهم وإلى أهلهم وإلى منافعهم، ليس لها بُدٌّ من أن تستبقيهم تحت العَلَم كما يُقال، وليس لها بُدٌّ كذلك من أن تدعو فريقًا من الشباب الذين أتموا خدمتهم العسكرية وعادوا إلى أهلهم واستقبلوا حياتهم المدنية، ليس لها بُدٌّ من أن تدعوا فريقًا من هؤلاء إلى استئناف خدمتهم العسكرية من جديد؛ لأن القوة النظامية لا تكفي لمواجهة الأخطار التي يتعرض لها الأمن والنظام في هذين القطرين. وهنا يسخط هؤلاء الشباب ويحاول بعضهم العصيان جَهرة، وتسخط أُسَرُ هؤلاء الشباب، وتسخط طائفة غير قليلة من الصحف، وتحتج لجنة الدفاع في الجمعية الوطنية لأنها لم تُستشرْ قبل دعوة هؤلاء الشباب إلى الجندية من جديد.

ويستطع القارئ أن يتصور بعد ذلك أزمة الديمقراطية الفرنسية كما هي الآن قبل أن تُستأنف الدورة البرلمانية بوقت قصير، سلطة تنفيذية لا تملك ما ينبغي لها من القوة، وما يخولها الدستور من الحق لتحل مشكلة خطيرة من أشد المشكلات التي عرضت للجمهورية الرابعة، لا لأن للبرلمان يمنعها من ذلك — فالبرلمان متفرق الآن — بل لأن الأحزاب تهددها بالتخلي عنها يوم الحساب، ولأن الوزراء الذين ينتمون لهذه الأحزاب لا يخضعون لقرارات مجلس الوزراء ولا يحفلون بالتضامن الوزاري ولا يستقيلون من مناصبهم، ولأن أصحاب المنافع المالية الضخمة في شمال أفريقيا هم الذين يدبرون الأمر من وراء ستار. وليس أبلغ في تصوير هذه الأزمة الديمقراطية في فرنسا من كلمة قالها وزير الخارجية السابق الذي عزل السلطان المنفي، قالها في الصباح فشلَّ الحكومة في المساء لأنه أراد أن يشلها، وهذه الكلمة هي: «لقد أعطينا المراكشيين أكثر مما كانوا يطلبون وأطمعناهم في أنفسنا.» وأنا أقول هذا في الصباح حتى لا تتم الحكومة ما أزمعت في المساء، ولم يُقبِل المساء حتى عجزت الحكومة عن إتمام ما أزمعت عليه لا لشيء إلا لأنها تخشى أن يتخلَّى عنها حزب وزير الخارجية السابق فتفقد كثرتها وتفقد الحكم. وأغرب من هذا كله أن الكثرة البرلمانية الحقة في فرنسا وفي الجمعية الوطنية خاصة تريد مصمِّمة أن تحل المشكلة في مراكش على ما يُحب المراكشيون. ولكن هذه الكثرة مُقْصَاةٌ عن الحكم؛ لأنها لا تتم ولا تستطيع أن تحكم إلا إذا انضم إليها اليساريون من الاشتراكيين والشيوعيين، وهؤلاء قد أُبعِدوا عن الحكم منذ سنين. ونشأ عن ذلك أن تعتمد الحكومات الفرنسية على كثرة مرقَّعة تأتلف من أحزاب كثيرة. ويجب أن تشترك هذه الأحزاب الكثيرة في الوزارة، وأن تلائم الوزارة بين أهواء هذه الأحزاب على اختلافها، فإن قصَّرت في شيء من ذلك فقدت مناصبها. وكذلك تصبح الديمقراطية وسيلة لا غاية، وتصبح الحياة الحزبية هي الغاية، وتصبح الأهواء الحزبية هي المسيطرة على شئون الحكم تصرفها كما تشاء، وتصبح السلطة التنفيذية أشبه شيء بالرقيق الذي لا يملكه سيد واحد وإنما يشترك في ملكه سادة مختلفون. والحمد لله على أن في الأرض بلادًا أخرى يقوم فيها الحكم على النظام الديمقراطي ولا يتعرض لشيء من هذا الشر؛ لأنه لا يخضع لتحكُّم الأحزاب وإنما يخضع لمصلحة الشعوب.

أما أنا فلست أُخفي على القارئ أني منذ جعلت أتتبع هذه الأزمة الديمقراطية في فرنسا قد غيَّرت ذلك البيت المشهور الذي قاله أبو الطيب في مصر منذ عشرة قرون ووضعت اسم فرنسا مكان مصر، فأصبح البيت:

وكم بفرنسا من المضحكا

ت ولكنه ضحك كالبكا

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.