رحل عنا الأستاذ الدكتور سعيد النجار بعد حياة حافلة بالعطاء. تخرج سعيد النجار من كلية الحقوق عام ١٩٤٢، وكان أول دفعته، ثم أرسل في بعثة إلى إنجلترا للحصول على الدكتوراه في الاقتصاد السياسي، وحصل على الدكتوراه في ١٩٥١، وكان موضوع رسالته عن «التصنيع في مصر»، ثمَّ عاد مدرسًا في كلية الحقوق بجامعة القاهرة، وبعد عودته إلى القاهرة بقليل قامت ثورة ١٩٥٢. وبدأ في الأيام الأولى مقربًا إلى رجال الثورة ربما لعلاقة النسب بينه وبين المرحوم السنهوري باشا أو لمعرفته السابقة ببعض قيادات الثورة آنذاك (جمال سالم)، ولكن سرعان ما ظهر اختلاف التوجهات عندما كشفت الثورة عن نياتها تجاه الحياة الدستورية والديمقراطية؛ فأُلغي الدستور، وحُلت الأحزاب، ووقع الاعتداء على مجلس الدولة، وضُرب السنهوري باشا وهو في محراب القضاء، ثم أخرج من مجلس الدولة. ولم تكن هذه التوجهات تناسب الشاب سعيد النجار الذي عاد مشبعًا بأفكار ومبادئ الحرية الدستورية والديمقراطية السياسية واقتصاد السوق، وهكذا ابتعد سعيد النجار عن السياسة، وانصرف إلى عمله الأكاديمي أستاذًا للاقتصاد في كلية الحقوق، ثمَّ في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بعد إنشائها في ١٩٦١.

وكان الدكتور سعيد النجار أستاذًا لامعًا محل إعجاب وتقدير شديدين من زملائه وطلابه، وكانت قوة منطقه ووضوح أفكاره وسهوله عبارته سببًا في انبهار معظم الطلاب به حتى بين هؤلاء ذوي الميول اليسارية، في وقت تدهورت فيه النظرة العامة إلى النظم الديمقراطية والرأسمالية في أثر تجربة فاشلة للنظام الملكي في مصر — أطلق عليها العهد البائد — انتهت بقيام الثورة. وإذا أضفنا إلى ذلك الشعور الوطني الجارف ضد الاستعمار البريطاني (الغربي) وكل ما ارتبط به من نظم سياسية واقتصادية. وساعد على انحسار التيار الليبرالي في مصر، خلال الخمسينيات، الدور الذي قامت به الكتلة الاشتراكية، بزعامة الاتحاد السوفييتي آنذاك، في مناصرة حركات التحرر الوطني في مختلف دول العالم الثالث، مما خلق تيارًا فكريًّا يساريًّا قويًّا، وخاصة بين الشباب، معجبًا بالاتحاد السوفييتي وتجربته في الاقتصاد والسياسة. وهكذا واجه الفكر الليبرالي في دعوته إلى الحكم الديمقراطي الدستوري واحترام حقوق الإنسان من ناحية والأخذ باقتصاد السوق من ناحية أخرى، واجه هذا الفكر أسوأ أيامه في هذه الفترة، وتدنت شعبيته وجاذبيته، وخاصة بين الشباب، إلى أدنى المستويات؛ فنحن إزاء نظام حكم جديد وفتيٍّ واعد بالآمال للخلاص من عهد بائد فشلت فيه الأحزاب السياسية القديمة في إقامة ديمقراطية سليمة حين تعاونت مع القصر والإنجليز للبقاء في الحكم، ولم تتحقق فيه تنمية اقتصادية ملموسة، وتركزت الملكيات الزراعية في عدد محدود من العائلات على رأسها العائلة المالكة، وغلب الأجانب على ملكية الصناعة ومقدرات الاقتصاد، وكان أن جثم الاستعمار على البلاد بتواطؤ صريح أو ضمني من الطبقة السياسية والاجتماعية الحاكمة.

تلك كانت الصورة السائدة في مصر حين عاد سعيد النجار من بعثته العلمية في الخارج، وفي مثل هذه الظروف كان على سعيد النجار، حتى يظل أمينًا على مبادئه ومتسقًا مع نفسه، أن يستمر في الدفاع عن الفكر الليبرالي في الديمقراطية واقتصاد السوق، وأن يسبح ضد التيار، وقد فعل ذلك، وباقتدار، ونال احترام وتقدير مخالفيه في الرأي والاتجاه قبل الموافقين أو المؤيدين. ويرجع السبب في ذلك ليس فقط إلى قوة حجته ووضوح أسلوبه، ولكن لأنه كان صادقًا مع نفسه مخلصًا في آرائه. وهو أمر شعر به كل من اقترب من سعيد النجار. هناك من اختلفوا معه في الرأي أو خالفوه، ولكني لم أسمع أحدًا شكك في صدقه وأمانته وحسن نواياه. فاجتمع عند سعيد النجار مستوًى علمي راقٍ مع مستوى أخلاقي بالغ الصرامة؛ فسعيد النجار يمثِّل أمانة علمية متميزة تسندها أمانة أخلاقية صارمة ندر أن نجد لها مثيلًا في وقتنا الحاضر.

وفي النصف الأول من الستينيات اشتدت حدة الحكم الفردي في مصر، وتعمَّقت الاتجاهات الاشتراكية، وأصبح المناخ العام مناوئًا لسعيد النجار وأمثاله، فسافر إلى الخارج لما يقرب من عشرين عامًا. وكما كان نجاحه في مصر داخل الجامعة بسبب جديته وصرامته، فإنه لم يلبث أن حقق اعترافًا دوليًّا بمكانته كعالم اقتصادي ذي مكانة مرموقة؛ فكان مديرًا للإدارة الاقتصادية في منظمة مؤتمر التجارة الدولية والتنمية (الأنكتاد)، وعمل تحت إشراف بريبيش، مدير المنظمة آنذاك، وأشرف على إصدار أهم التقارير الاقتصادية لهذه المنظمة في سنواتها الأولى، والتي اكتسبت بها سمعتها فيما بعدُ. ورغم ما كان لبريبيش من اتجاه يساري، فإن ذلك لم يمنعه من الاعتماد والثقة الكاملة في سعيد النجار؛ لما له من ثقل علمي وأمانة فكرية. ثم انتقل سعيد النجار إلى لبنان حيث أشرف على المكتب العربي للأمم المتحدة في بيروت، والذي أعد الترتيبات لكي يتحول هذا المكتب، فيما بعدُ، إلى اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الأسكوا). وكان من المفروض أن يصبح هو الأمين التنفيذي الأول لهذه اللجنة، ولكنه لم يدرك، في ذلك الوقت، أن دهاليز التعيينات في الوظائف الكبرى للأمم المتحدة لها مسالك أخرى، فعُيِّن «سعيد» آخر لهذا المنصب. كذلك عمل سعيد النجار لفترة قصيرة في الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية قبل أن ينتقل مديرًا تنفيذيًّا ممثلًا للمجموعة العربية في مجلس إدارة البنك الدولي لمدة ثماني سنوات. وأخيرًا، وفي منتصف التسعينيات، اختير قاضيًا ثم رئيسًا لمحكمة منظمة التجارة العالمية، والتي تفصل في المنازعات التجارية بين الدول حول تنفيذ اتفاقيات الجات وإنشاء هذه المنظمة العالمية. وفي جميع هذه المناصب الدولية ترك سعيد النجار بصمته كعالم أصيل الفكر، دقيق الملاحظة، أمين التقدير.

ورغم هذا المسار العلمي الباهر، فإنه يبدو لي أهم إنجازات سعيد النجار هو ما حاول إنجازه بعد عودته إلى مصر نهائيًّا في منتصف الثمانينيات لإعادة إحياء الفكر الليبرالي في مصر، وخاصة مع تأسيس «النداء الجديد».

في النصف الثاني من الثمانينيات، وحيث كانت الحرب الباردة تعيش أيامها الأخيرة والحكم الشمولي يعلن إفلاسه في مختلف دول العالم، رأى سعيد النجار أن الوقت قد حان لإحياء التراث الليبرالي في مصر، ونفض الغبار عنه، ومحاولة تجديده للتعايش مع روح العصر. وكان بعض رجال الأعمال، على رأسهم المرحوم أحمد الجندي، قد شعروا أن الدعوة للانفتاح الاقتصادي لا يمكن أن تحقق المأمول منها ما لم يصاحبها ديمقراطية سياسية تحترم حقوق الإنسان وحريته. واتفق مع نفر من زملائه على تكوين جمعية في إطار المجتمع المدني للدعوة إلى الأفكار الليبرالية، واختار لها سعيد النجار اسم «النداء الجديد».

وقد استقطبت الجمعية في بدايتها أعدادًا كبيرة من الشيوخ والشباب المتطلعين للتغيير والتطوير في حياتنا السياسية والاقتصادية والفكرية، وقدم سعيد النجار لهذه الجمعية الناشئة عصارة فكره في محاولة للتأصيل والتمصير للفكر الإنساني حول الحرية والتحرر، وفي الأصالة والارتباط بالأرض والتراث والتاريخ، وأوضح بشكل واضح أن الليبرالية الجديدة لا تنفصل عن العدالة الاجتماعية، وأنه لا حرية دون عدالة، وأن الحرية والعدالة لا بد وأن يجدا أصولهما في الجذور الوطنية والتاريخية لكل مجتمع.

وكان سعيد النجار شديد الاعتزاز باللغة العربية يتألم لما يراه من تدهور في مستوى الخطاب العام ليس فقط لدى عامة الناس، بل لدى كثيرين ممَّن يعتقدون أنهم من النخبة، وكان يرى في الإسلام عقيدة راسخة ترفع من قيمة الحرية والعدالة، ولكنه كان يرى أيضًا أن الدين كثيرًا ما سُخِّر للسياسة؛ مما أساء إلى الدين والسياسة معًا. وفي الاقتصاد كان يؤمن باقتصاد السوق، ولكنه كان مدركًا أن السوق لا يمكن أن تعمل إلا في إطار دولة القانون؛ حيث يعلو القانون على الأفراد وتفرض الدولة سلطانها على الجميع بلا تمييز، ولا تنصاع أو تنحني لرأس المال، وإنما هي تضبطه، وتحمي المستهلك، وتوفر الضمانات وشبكة للضمان الاجتماعي للضعفاء.

ومن أسف، فإن السلطات لم تأمَن كثيرًا لدعوته، ورأت فيها خطرًا أو نوعًا من الخطر. وللسلطة في مصر بريق وهيلمان، وتثير لدى معظم المصريين رهبة ورغبة، وأحس الكثيرون وخاصة من رجال الأعمال، بما لهم من حاسة للشم، أن ريبة الحكومة في هذه الجمعية يمكن أن تؤثر على مصالحهم، فانسحبوا في هدوء من الجمعية الواحد بعد الآخر في وقت كانت الآمال معقودة عليهم لضمان تمويلها واستمرارها، وتبعهم عدد آخر ممن يُؤثرون السلامة. ورغم تقلص أعضاء الجمعية وتآكل إمكانياتها المادية، فقد ظل سعيد النجار مصممًا على طريقه؛ يعقد الندوات، ويكتب الكتيبات والمقالات، ويدعو كبار المفكرين لإلقاء المحاضرات.

وكانت ندوة يوم الاثنين — يحضرها نفر قليل أربعون أو خمسون فردًا — تجربة في الحوار والنقاش في قضايا الوطن والمجتمع. وظل صوت سعيد النجار مرتفعًا في كل المنابر؛ في الصحافة، على شاشات التلفزيون، في الندوات في الداخل والخارج، يتحدث — ولا يمل — عن الإصلاح السياسي والإصلاح الاقتصادي. وأصدرت جمعية النداء الجديد عشرات المطبوعات في كل قضايا الساعة؛ عن الديمقراطية، عن المرأة، عن إصلاح القضاء، عن الإصلاح الاقتصادي، عن دولة القانون، عن التعليم وغير ذلك من القضايا العامة، وهي أيضًا لم تتجاهل الجوانب الفنية؛ فكانت هناك ندوات عن المسرح، عن الأدب، عن العمارة، عن الفن، عن السينما، عن الصحافة. ووراء كل ذلك كان يقف رجل واحد هو سعيد النجار؛ لقد كان طاقة هائلة لا تهدأ ولا تمل.

ولعلي أضيف هنا أن سعيد النجار أصيب في السنوات الأخيرة بعد أحداث ١١ سبتمبر بخيبة أمل شديدة، بل أكاد أقول بصدمة نفسية عميقة لما رآه من تطور في السياسة الأمريكية تجاه العرب والمسلمين. لقد كانت صورة الولايات المتحدة لديه — ورغم العديد من التحفظات على سياستها — كانت صورتها هي تلك التي يمثِّلها جيفرسون وهاملتون والآباء المؤسسون للدستور الأمريكي وإعلان حقوق الإنسان، ورجالات من أمثال أبراهام لينكولن وودرو ولسن وروزفلت وما يدعون إليه من حرية الفرد واحترام خصوصيته، ودولة القانون، واستقلال الشعوب. هذه الصورة انهارت تمامًا عند سعيد النجار بعد ١١ سبتمبر، ورأى في الولايات المتحدة، في تعاملها مع دول وشعوب منطقتنا، وجهًا آخر من التسلط والهيمنة، وأحيانًا من الكذب والتضليل؛ فكانت خيبة أمل عظيمة، كما لم يكن أقل همًّا بما يراه على الساحة العربية.

لقد عاش الرجل لمبادئ الحرية والإخاء والتسامح ودولة القانون، ولم يتخل لحظة عن مبادئه. كان صادقًا، وكان عالمًا له مريدون وتلاميذ، ويشرفني أن أكون من بينهم. لقد كان معلمًا جليلًا وفاضلًا، ليس فقط بما ألقاه في قاعات الدرس وعبر كتبه ومؤلفاته، وإنما من خلال سلوكه ومواقفه في الحياة. كان رحمه الله مثالًا للرجل المحترم بكل المعاني، وأخشى — ولعلي مخطئًا — أن يكون آخر الرجال المحترمين. رحِم الله الفقيد وألهَم أهله ومحبيه الصبر والسلوان. والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.