إحداهما تزداد ثباتًا واستقرارًا في القلوب وانتشارًا في أقطار الأرض وتغلغلًا في ضمائر الطبقات المختلفة من الناس على تباعدهم وتباينهم، لا تمضي لحظة أو دقيقة أو ساعة من ليل أو نهار إلا ازداد إيمان العالم لها واقتناعه بها وسخطه على أصحابها، والأخرى لم يكد يتحدث بها الذين اخترعوها وحاولوا أن يُضللوا بها الناس حتى ضحك منها الضاحكون وعبث بها العابثون وتنكَّر لها الذين يفقهون حقائق الأشياء ويفهمون حياة الشعوب، وما ينشأ عن هذه الحياة من آثار في الأقوال والأعمال جميعًا.

فأما الأولى فهي التي لا يشك فيها إنسان الآن وهي التي جرها البريطانيون والفرنسيون مع لعبتهم إسرائيل؛ ليأخذوا الجيش المصري بين نارين يحصروه بين شقي الرحى، ويهاجموه من أمام ومن وراء ويعرفوه من الشعب المصري مره به ليحكموا بعد ذلك في شئون هذا الشعب ونظم الحكم فيه، ليس بين الناس من يشك في هذه المؤامرة، وليس بينهم من يجادل في أنها دُبرت بليل أو نهار أو دُبرت في الليل والنهار جميعًا، وأن الذين دبروها وأتقنوا تدبيرها وبدأوا في تنفيذها لم يحسوا في قلوبهم ولا في ضمائرهم ولا في سرائر نفوسهم خزيًا أو شيئًا يشبه الخزي؛ لأن قلوبهم وضمائرهم ونفوسهم قد جمدت وقست، أصبحت لا تحس خزيًا ولا تعرف حياء ولا تتحرج من إثم مهما يكن بشعًا منكرًا، وهم لم يكتفوا بتدبير هذه المؤامرة والأخذ في تنفيذها وإنما أضافوا إليها تضليل دعاتهم الأمريكيين وأصدقائهم من الأوروبيين، ثم لم يكتفوا بالتضليل والتغرير وإنما أضافوا إليهما إثمًا آخر هو السرقة والاختلاس؛ فقد سرقوا أسلحة هذا الحلف الذي شاركوا فيه وهو حلف الأطلنطي، سرقوا هذه الأسلحة فأهدوا بعضها إلى إسرائيل واصطنعوا بعضها الآخر في تنفيذ مؤامراتهم تلك، خانوا أمانة حلفائهم وأصدقائهم من جهة وخانوا تصريحهم الذي شاركوا فيه الأمريكيين منذ أعوام وتعهدوا فيه بالمحافظة على السلام في هذا الجزء من الشرق العربي، وخانوا العهد الذي قطعوه على أنفسهم لمصر نفسها حين اتفقوا معها على الجلاء عن قناة السويس.

أجرموا إذن في غاية هذه المؤامرة بما اقترفوا من غدر أضاع السلم، وأجرموا في وسائلها بما اقترفوا من سرقة حلفائهم وأصدقائهم، وبما أثبتوا لأصدقائهم وأعدائهم جميعًا إنهم لا يرعون عهدًا ولا ذمة، ولا يحفظون أمانة، ولا يَفون بوعد قدموه، ولا يبرون بقسم أقسموه، وإنما يبيعون قلوبهم وضمائرهم وينكثون عهودهم وإيمانهم ويضيعون أمانتهم وودائعهم ويهدرون الحق والحياء والعدل وقيم الحضارة كلها في سبيل ما يتوهمون أنه يجلب لهم نفعًا أو يبسط لهم سلطانًا، كل هذا لا يجادل فيه أحد ولا يشك فيه ساسة الشرق والغرب جميعًا، وهم لم يكتفوا بهذا كله وإنما يتسترون على آثامهم ويتورطون في الكذب إلى آذانهم، فيزعمون مرة أنهم طاروا لنصرة إسرائيل حين علموا أن مصر تريد أن تُغير عليها، وحين علموا أن الدول العربية كلها تأتمر بها، يقولون ذلك جهرة في غير تحفظ ولا حياء، مع أن العالم كله يعرف أن إسرائيل قد عدت على الأردن فلم يزد الأردن على أن رد العدوان، ولم يتحرك جيش مصر ولا جيش سوريا للهجوم على إسرائيل لعقابها وتأديبها؛ وإنما سلك العرب طريقهم إلى مجلس الأمن وهيئة الأمم حتى لا يُتهموا بالعدوان أو بمحاولة العدوان.

ولم تخدع هذه الكذبة أحدًا؛ فاخترعوا كذبة أخرى، لم يكادوا يسوِّقونها حتى استقبلها العالم بالضحك والسخرية؛ وهى المؤامرة الثانية التي أشرت إليها في أول هذا الحديث، فقد زعموا أنهم علموا أن مصر تأتمر بالعالم الحر كله مع روسيا السوفييتية، فضحوا بأموالهم ورجالهم وبأموال المصريين ودمائهم أيضًا؛ ليفسدوا هذه المؤامرة ويحبطوا هذا التدبير، ويحفظوا الشرق العربي من صولة السلطان الروسي، ويحموا العالم الآخر كله من هذا الشر العظيم، الذي كان يوشك أن يلم به، ويجعل روسيا السوفييتية مسيطرة على شرق البحر الأبيض المتوسط متحكمة في قناة السويس سائرة بما فيه، مهددة لأوروبا الغربية أخطر التهديد، وكانت هذه الكذبة البريطانية التى تلقفها الفرنسيون فرحين بها مبتهجين بها ظاهرة السخف بيِّنة البطلان، يدل على سخفها وبطلانها كل شيء يدل عليهما. قبل كل شيء إن مصر حين صُب عليها العدوان الآثم صبًّا لجأت أول ما لجأت إلى هيئة الأمم المتحدة، واستصرخت العالم المتحضر كله لنصرة السلام ومعونتها على رد العدوان، لم تختص بهذا الاستصراخ دولة دون دولة ولا شعبًا دون شعب؛ وإنما وجهته إلى الأمم المتحضرة في أقطار الأرض كلها.

ويدل على هذا السخف وبطلان هذه الكذبة ثانيًا أن الاتحاد السوفييتي نفسه حين أنذر المعتدين الآثمين قد أخطر الولايات المتحدة الأمريكية، ودعاها في صراحة إلى أن تشاركه في كف العدوان، ثم لم يصنع شيئًا أكثر من هذا، لم يرسل إلى مصر جندًا ولا أسلحة ولا متطوعين، ويدل على سخف هذه الكذبة وبطلانها ثالثًا أن الوزراء البريطانيين أنفسهم لم يستطيعوا أن يؤيدوا هذه الكذبة في مجلس العموم البريطانى حين طلب إليهم النواب ذلك؛ وإنما تهافوا وتخذلوا ولجلجوا، وقال قائلهم في تهالك إن أنباء التآمر بين مصر وروسيا لم تتأيد. وأي غرابة بعد ذلك في أن تنقل هذه الآثام الكثيرة والأكاذيب المبهظة على رئيس الوزراء البريطانيين فتنهار قواه وتنحل أعصابه ويأمره الأطباء بالراحة، ويفر بما بقي له من قوة إلى مكان بعيد جدًّا من بريطانيا؛ ليسترد بعض قوته ويشد أعصابه شيئًا، وأي غرابة بعد ذلك في أن يعتزل شئون الحكم اعتزالًا موقوتًا أو دائمًا ويلجأ إلى مكان سحيق يستريح فيه من الآثام والأكاذيب التي لم تغش عنه وعن أصحابه شيئًا.

مؤامرتان نُشر حديثهما في أقطار الأرض؛ فأما أولاهما وهي مؤامرة بريطانيا وفرنسا وصنيعتيهما إسرائيل فقد صدقها العالم وأسرع إلى تأييد مصر بما قررت هيئة الأمم المتحدة، وبهذا التأييد الشامل الذي يأتيها من كل مكان حتى من بلاد الإنجليز والفرنسيين أنفسهم.

وأما المؤامرة الثانية التي زعمها الإنجليز؛ فلم تكد تُذاع حتى كذَّبها العالم كله، وكذبها وزراء الإنجليز أنفسهم، وقالت الصحف الإنجليزية دع هذا السخف وأنبئنا عن ائتمارك مع فرنسا وإسرائيل بمصر، وطالبت وما زالت تطالب ويطالب معها النواب بالتحقيق لإثبات المؤامرة البريطانية الفرنسية الإسرائيلية، ومعاقبة الذين شاركوا فيها من وزراء الإنجليز، وصُرع لها رئيس الوزارة البريطانية مريضًا أو متمارضًا ونفى لها نفسه من وطنه إلى أجَل قد يقصر أو قد يطول، ووقف رئيس الجمهورية المصرية يعلن في صراحة وقوة قوية أن مصر لا تعبث ولا تريد أن تعبث باستقلالها، ولا تريد أن تكون صنيعة لدولة من الدول شرقية كانت أو غربية، ولا تريد أن تتبع هذه الكتلة أو تلك، ولا تريد إلا أن يكون استقلالها صريحًا صحيحًا، لا يذعن لقوة في الشرق ولا في الغرب، وشتان بين رئيس وزارة يأثم ويأتمر ويعتدي ويكذب ثم ينقلب عليه هذا كله فينهار، ورئيس جمهورية يصدق ويثبت ويمضي في طريق مستقيمة إلى الدفاع عن الحق والعدل واستقلال وطنه، وصدق الله ().

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.