مولاي صاحب الجلالة

باسم هذه الجامعة — أساتذتها وطلَّابها — أرفعُ إلى جلالتكم أصدق الشكر وأعمقه، وأخلص الحمد وأوفره، لهذا الفضل العظيم الذي شملتمونا به حين تفضلتم ورضيتم أن تشهدوا هذا الحفل. وإن هذا الشكر العميق الذي أرفعه إلى جلالتك — يا مولاي — لا يعبر عن شعور هذه الجامعة وحدها، وإنما يعبر عن شعور الجامعات المصرية كلها، بل يعبر عن شعور الذين يعنون بالعلم — يَدرُسونه ويُعلِّمونه — في جميع أقطار مملكتك.

ذلك أن تشريفكم هذا الحفل إنما هو مظهر من مظاهر هذه العناية السامية التي تشملون العلم والعلماء بها منذ ارتقيتم إلى عرش آبائكم الكرام.

إنَّا نحتفل اليوم بالعيد الفضي لهذه الجامعة التي أنشأها والدك العظيم، والتي تَشرُف بأن تحمل اسمه الخالد. فمنذ خمس وعشرين عامًا، أصدر والدك العظيم قانونًا ينشئ هذه الجامعة كما هي الآن، ولكن هذه الجامعة نشأت قبل ذلك بأعوام طوال، نشأت في أوائل هذا القرن حين فكَّر جماعة من صفوة المصريين في أن يستنقذوا بلدهم من مخالب الجهل، ومن مخالب العلم المتوسط الذي لا يكاد يغني عن أصحابه شيئًا، حين فكَّر جماعة من صفوة المصريين في أن يتيحوا للمصريين أن يطلبوا العلم العالي والثقافة الممتازة، وأن يطلبوهما في بلادهم دون أن يضطروا إلى أن يتغربوا أو يهاجروا من بلادهم.

هؤلاء الذين فكروا في هذه الجامعة لم يحتاجوا إلى تفكير طويل ليختاروا لهم رئيسًا وقائدًا، وإنما فكروا قليلًا ثم أسرعوا إلى والدك العظيم الأمير أحمد فؤاد، يطلبون إليه أن يكون رئيسهم وقائدهم، وأن ينشئ معهم هذه الجامعة. وفي سنة ١٩٠٨ ألف وتسعمائة وثمانٍ، افتتح والدك العظيم هذه الجامعة داعيًا شباب مصر إلى أن يُقبِلوا عليها ليتعلَّموا، وليأخذوا العلم من موارده الصحيحة. وقد كان والدك العظيم مُلهمًا — يا مولاي — فإنه حين أنشأ هذه الجامعة لم ينشئ معهدًا من معاهد العلم العالي فحسب، وإنما أنشأ معهدًا من معاهد تحرير المصريين، تحرير عقولهم وقلوبهم، ودعائهم إلى الحرية الكاملة.

إن الذين يذكرون الحركة الوطنية في أعقاب الحرب العالمية الكبرى، يجب — حين يذكرونها وحين يؤرخونها — أن يضعوا بين المؤثرات التي دعت إليها وأثارتها: إنشاء هذه الجامعة التي كانت أشبه شيء بالشعلة القوية الحرة. أقامها والدك وسط القاهرة، فانبعث نورها وانبعثت حرارتها، فملأت العقول نورًا، والقلوب حرارةً.

ولم يكن والدك العظيم — يا مولاي — مغرورًا، ولا متواضع التفكير، ولا قانعًا بصغار الأمور، وإنما كان متواضعًا في نفسه، كبيرًا في آماله وأمانيه، كبيرًا في مطامعه لوطنه أيضًا.

فهو قد فهم منذ أنشأ هذه الجامعة أن العلم يجب أن يكون فوق الأجناس وفوق الوطنيات، وأن العلم لا وطن له، وأن العلم هو الميدان الوحيد الذي يلتقي فيه الناس من حيث هم ناس، يشعرون ويفكرون، وأن الاحتلال الأجنبي — يا مولاي — قد أضاع على وطنه وقتًا طويلًا، ولا بدَّ من أن يُعوض هذا الوقت. ومن أجل هذا طلب العلماء في جميع أقطار أوروبا، جاء بهم من فرنسا، ومن بريطانيا العظمى، ومن إيطاليا، ومن ألمانيا.

وأذكر — يا مولاي — أنه احتاج إلى أن يلقى إمبراطور ألمانيا بصفة خاصة ليستعينه على أن ترسل ألمانيا إلى مصر بعض المستشرقين.

ولم يكن يقصر في جهد، ولم يكن يتردد في احتمال مشقة مهما تكن، وإنما كان يرى الأشياء كما هي، ويأخذ لها عدتها كما ينبغي، ويسعى في تحقيقها، وكتب الله له التوفيق في كل ما سعى إليه.

هذه الجامعة، التي أنشأها والدك العظيم في أوائل هذا القرن، أعانه على إنشائها صفوة من المصريين لا أذكر منهم الأحياء، وإنما أذكر منهم بعض من انتقل إلى جوار الله، أذكر سعد زغلول، وأذكر حسين رشدي، وعبد الخالق ثروت، وقاسم أمين، والدكتور علوي، وأعانه عليها جماعة من خيرة العلماء الأوروبيين، قضى بعضهم نحبه، وبعضهم يشهد معنا هذا الحفل يا مولاي.

فللذين قضوا نحبهم أُرسل تحية هذه الجامعة، وأرسلها حارة خالصة مقدسة، وأذكر منهم — يا مولاي — شخصًا كان والدك العظيم يحبه ويؤثره إيثارًا شديدًا هو الأستاذ «كارلونللينو»، وأذكر من الأحياء شخصًا كان والدك يحبه ويقربه ويدنيه، وهو بيننا الآن «الأستاذ ليتمان».

ولم تكن المصاعب التي وجدها والدك في تقوية هذه الجامعة وتنشئتها يسيرة، فقد كان السلطان في ذلك الوقت لا يكتفي بأنه لا يعترف بالجامعة، وإنما كان يبث المصاعب أمامها خشية أن ينتشر النور في مصر، وأن يستيقظ المصريون، ومع ذلك فقد انتشر النور واستيقظ المصريون، ولم تلبث هذه الجامعة الناشئة أن آتت ثمرها — يا مولاي — في وقت قصير، وإني أستأذن جلالتك في أن أترك التواضع دقيقة أو بعض دقيقة لأقول: إن وزير المعارف الذي يشرف بالحديث الآن بين يدي جلالتك إنما هو الثمرة الأولى لغرس فؤاد الأول.

على أن فؤادًا لم يكن ينسى، ولا يحب الذين ينسون، فلم يكد يرقى إلى عرش محمد علي وإسماعيل حتى ذكر جامعته، وحتى أبى إلَّا أن تكون هذه الجامعة هي الجامعة الأولى في مصر، بل هي الجامعة الأولى في الشرق العربي كله.

ففي سنة ١٩٢٥ أصدر قانونًا ينشئ هذه الجامعة، ويفرضها على السلطان فرضًا. منذ ذلك الوقت أخذت هذه الجامعة تعمل قوية حازمة ماضية في طريقها، لا تتردد ولا تتلكأ ولا تخشى شيئًا؛ لأن فؤادًا كان يسندها ويؤيدها، ويمنحها معونته ونصره دائمًا، وما هي إلَّا أن تمضي أعوام حتى تأخذ الجامعة في تخريج الطلاب الذين يؤثرون التأثير العميق القوي في الحياة المصرية كلها من جميع نواحيها، بل في الحياة الشرقية كلها من جميع نواحيها.

ويكفي أن أقول — يا مولاي: إنها إلى الآن قد أخرجت أربعة وعشرين ألفًا ونصف ألف من حملة الليسانس أو البكالوريوس، وأخرجت ثلاثة آلاف من حملة الدرجات العليا الجامعية. فقدِّر يا مولاي أثر هذا الجيش العظيم الذي أنشأه والدك وقوَّيته أنت لمقاومة الجهل والغفلة ونِصْف التعليم، لا في مصر وحدها، بل في الشرق العربي كله.

منذ عشر سنين — يا مولا ي— كنَّا نتحدث بأن مصر تمتاز بأنها تقوم فيها جامعتان: إحداهما هي أقدم جامعات العالم، وهي الأزهر الشريف، والأخرى هي أحدث جامعات العالم، وهي جامعة فؤاد، ولكنك أبيت — يا مولاي — إلَّا أن تُغيِّر هذا كله، فلم تصبح جامعة والدك العظيم أحدث الجامعات؛ لأنك أبيت إلا أن تسلك طريقه، وتنهج نهجه، وتدفع مصر إلى الأمام كما دفعها هو إلى الأمام، وما هي إلَّا أن تُنشئ الجامعة الثانية التي تشرف باسمك العظيم، هذه الجامعة التي تحمل اسمك الخالد، والتي تعيد إلى مصر مجدها القديم حين ترسل أشعة العلم ونوره من وراء البحر الأبيض المتوسط، فقلنا: أصبحت جامعة فاروق الأول هي أحدث الجامعات.

وتقدمت جامعة فؤاد الأول في السن شيئًا، وظلت مصر ممتازة بأنها البلد الذي فيه أقدم الجامعات وأحدثها، ولكنك أبيت إلَّا أن تدفع جامعتك الأولى إلى شيءٍ من تقدم السن، وأن تأبى أن تكون هي أحدث الجامعات، فأنشأت جامعة ثالثة هي جامعة محمد علي. ولم نكد نفكر في هذه الجامعة ونوازن بينها وبين أختيها حتى سبقتنا جامعة إبراهيم، كأن بينك — يا مولاي — وبين الجامعات خصومة تأبى على كل واحدة منها أن تكون أحدثها وأصغرها سنًّا.

في هذه المدة القصيرة — منذ رقيت إلى عرش آبائك — أنشأت جامعات ثلاث، وكلأت جامعة والدك بهذه الرعاية التي أتاحت لها أن تنمو وتسمو وتنتشر، وتنشئ من المعاهد ما لا أكاد أحصيه، وتنشئ مكتبة لها خطرها بين مكاتب الشرق، بل بين مكاتب العالم الإسلامي كله.

في هذه المدة القصيرة أنشأت هذه الجامعات، ونمَّيت جامعة والدك. أليس من حقنا أن نحسب لروحك هذا الحساب كله، ونعتقد أنك صممت ألَّا تريح ولا تستريح، وألَّا تترك المصريين يهدءون قبل أن تكون لهم الجامعات التي ليس منها بد؛ ليكون وطنك كغيره من الأوطان الراقية؟

مولاي

باسم هذه الجامعة التي أنشأها فؤاد، وباسم الجامعات الثلاث التي أنشأتها، وباسم مصر التي تنعم بوجودك وجهودك وقوتك وشبابك، وباسم الحكومة التي يجب أن تكون تحت أمرك كلما أردت أن تنشئ ممهدًا للعلم جامعة هنا وجامعة هناك. باسم أولئك جميعًا، وباسم هؤلاء الأصدقاء الأجانب، أصدقاء مصر الذين قبلوا دعوتنا ليشتركوا معنا في هذا الاحتفال، والذين حضروا الآن ليرفعوا إلى جلالتك شكرهم كما نرفع شكرنا.

باسم هؤلاء جميعًا أتوجه إلى الله — عز وجل — أن يمنحك القوة والجلد، وأن يتيح لك من الحياة الخصبة النافعة ما يملأ مصر والشرق العربي كله حياةً ونورًا، وأن يتيح لك — يا مولاي — أن تحيي الأعياد الفضية لجامعاتك كما تحيي الآن العيد الفضي لجامعة والدك.

أطال اللَّه بقاءك — يا مولاي — وجعل حياتك كلها عيدًا لعقول مصر ولقلوبها، وللشرق العربي كله.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.