مات الشيخ سلامة حجازي الممثل المصري والمنشد العبقري، وانطفأت تلك الجذوة التي كانت تتأجج في صدره، وغاب عن الناس ذلك السحر الذي كان يتمشَّى في قلوبهم عند سماع صوته الرخيم. مات رجل كان جريء القلب، ثابت القدم، لا تخيفه النكبات التي كانت تصادمه في أخريات أيامه، ولم يروِّعه كثيرًا ذلك المرض العضال الذي أناخ عليه بكلكله. ظل على المسرح يعمل؛ تارة يغني، وطورًا يمثل إلى أن اختطفه الموت، فنام نومة هادئة ساكنة بعد حياة كلها تعب ونَصَب. وبكاه الكثيرون من أصدقائه وخصومه بعد أن كانوا في حياته بين محبِّذ وساخط.

عاش الشيخ سلامة حجازي حياته التمثيلية الطويلة وهو كبير الأمل، بعيد الهمة لم ينقض للتمثيل عهدًا. عاش ملكًا في فنه أيام كان مرءوسًا في جوق إسكندر فرح، وأيام كان رئيسًا في دار التمثيل العربي، وأيام كان شريكًا لآل عكاشة، وأيام اتحاده مع أبيض وبعد افتراقه عنه. عاش هو هو الشيخ سلامة حجازي في جميع أطوار حياته معروفًا بإرادته وإقدامه وتفانيه في خدمة الفن، وببزخه وإسرافه؛ لأنه كان لا يعرف للمال قيمة. أما الشهرة فلم يبحث عنها؛ لأنها أتته عفوًا، ومن كان ذا صوت قادر شجي كصوت المرحوم، ركض في سبيل الشهرة برأس مال يرد عنه غارات كل حاسد أسود القلب واري الجوانح.

والآن بعد أن مات الشيخ ومضى على آثاره فن من الفنون، نرى من المحتم على الكتاب أن يوفوه حقه من المدح والثناء، وأن نشرح للقراء قيمة عمله الفني، وقيمة المجهود الذي صرفه في سبيل فنه.

نشأته

نشأ الشيخ سلامة حجازي في الإسكندرية فقيرًا كغيره من المغنين والمنشدين، يقرأ القرآن وينشد ويؤذن ليأكل ويقوم بأود أسرته. نشأ لا يعرف عن التمثيل شيئًا، قانعًا ببضاعته الصغيرة غير عالمٍ أن فجر صوته الرخيم سيغدو صباحًا يسطع نوره على أنحاء مصر من أعالي الصعيد إلى مسقط رأسه. كان يعلو سُلَّم المئذنة لينشد، وكانت تجتمع الناس لسماعه حتى يغص بهم الميدان الصغير الذي كانت تطل عليه المئذنة. هناك كانت القهاوي تظل مقفلة الأبواب من الصباح إلى منتصف الليل ثم تفتح أبوابها، فيأتي الناس إليها أفواجًا لتسمع الشيخ ينشد أنشودة الفجر. ولكن الشيخ كان يرتقي سلم المئذنة وهو يجهل المستقبل الناضر الذي كانت الأقدار تسوقه إليه بالرغم منه.

ظل الشيخ على هذا الحال مدة من الزمن إلى أن سمعه أحد المشتغلين بفن التمثيل، فأعجب بصوته وحبب إليه الدخول في فرقته. فانضم إليه الشيخ، وأصبح منذ ذلك الزمن ممثلًا بعد أن كان منشدًا.

ابتدأ الشيخ حياته التمثيلية، ومثَّل في هذا الجوق مرارًا عديدة في مصر وفي الإسكندرية، إلى أن ألَّف إسكندر أفندي جوقًا دخل الشيخ في سلك أفراده، ومن ذلك العهد تثبتت أقدام الشيخ في عالم التمثيل، وابتدأ الشطر الأول من حياته التمثيلية.

الشطر الأول من حياته التمثيلية

مكث الشيخ سلامة حجازي ثمانية عشر عامًا في جوق إسكندر أفندي فرح يمثل ويغني الروايات التي كانت يأتيه بها المعربون السوريون، وكانوا قليلي العدد يعدون على الأصابع. وكان الشيخ في ذلك الوقت مرءوسًا، وإن كان مطلق التصرف في مسرحه يفعل به ما يشاء، ولكنه كان مغلول اليدين، كلما أراد الخروج إلى عالم النور أرجعه رئيسه إلى ذلك الظلام القاتم الذي كان يعيش فيه التمثيل وقتذاك. عاش الشيخ وهو يفكر في الانفصال عن رئيسه، ولكنه لم يجد الوسيلة التي تسيغ له ذلك الانفصال ليبدأ حياة تمثيلية زاهرة ناضرة. مكث الشيخ تترجَّح به سَورة العمل والإقدام ويقعده الفقر؛ لأنه كان لا يتقاضى من رئيسه غير أربعين جنيهًا في كل شهر، إلى أن بعث الله له من مده بالمال فانفصل عن إسكندر فرح، ومثل في دار التمثيل العربي حاملًا للجمهور بضاعته الجديدة؛ بضاعة الملابس الجميلة والمناظر المدهشة والأناشيد الشجية.

الشطر الثاني من حياته التمثيلية

ابتدأ الشيخ سلامة حجازي الشطر الثاني من حياته التمثيلية بالروايات القديمة، ولكنه ألبسها حلة بهيجة بعد أن كانت عارية من كل جمال، وبذل الرخيص والغالي في سبيل ذلك حتى ساوى مسرحه مسرح الأوبرا السلطانية. وظل يمثل فيه ثماني سنوات ورأس ماله الروايات القديمة مضيفًا إليها بعض روايات جديدة لا تتعدَّى خمسًا أو ست روايات. ثم أصيب بالفالج ومكث زهاء أربع سنوات معتزلًا فنه الجميل.

الشطر الثالث من حياته التمثيلية

ثم أبلَّ الشيخ من مرضه، وعاد إلى المسرح بعد غيبته الطويلة، وابتدأ بعودته الشطر الثالث من حياته التمثيلية، وظل يمثل منفردًا بجوقه أو مشتركًا مع غيره إلى أن توفاه الله. وكان عهد الشيخ بالتمثيل للمرة الأخيرة عهد خير وبركة؛ لأنه أخرج فيه للناس روايات جديدة قيِّمة جارى فيها جوق أبيض.

مجهوده الفني

هذه هي الأطوار الثلاثة التي تقلب فيها الشيخ، فما هو المجهود الفني الذي أضاء به الشيخ ظلام التمثيل؟

لم يكن الشيخ سلامة حجازي — وإن علا أمره — ذا دراية بالفن تؤهله لرفع مناره والبلوغ به، الأمر الذي لم يصل إليه أحد بعد؛ ولهذا نراه في أطواره الثلاثة لم يفعل شيئًا فنيًّا ذا قيمة كبيرة، اللهم إلا في عهده الأخير، حيث كان يجاري الأجواق الفنية. ولكنه كان يحب الفن حبًّا جمًّا، وكان يعمل لنصرته كل مخلص صادق القول والفعل. غير أن أنصاره لم يكن لهم دراية كبيرة بالفن؛ ولذا لم يخرج الشيخ لنا في الشطر الثاني من حياته التمثيلية غير رواية «ابن الرشيد» و«تسبا» و«نتيجة الرسائل» و«عواطف البنين» و«اليتيمتين» و«الجرم الخفي»، وكلها روايات مترجمة لا قيمة لها من الوجهة الفنية، غير أن الشيخ لم يقصِّر مطلقًا في إخراج هذه الروايات على الشكل الذي يتطلبه الفن، فكان يصرف من أجلها ما في جيبه من المال، ولم يكن ذلك بالقليل، بل أرغمه تفانيه في خدمة الفن أن يمثل دورًا قصيرًا لا أهمية له في رواية «نتيجة الرسائل»، ولم يمنعه ذلك من أن يخرج للناس رواية خالية من الألحان، مع أن الألحان كانت في كل وقت رأس ماله الذي لم يُفْنِه غير الموت.

أجل كان الشيخ يحب التمثيل كثيرًا، ألم تجده في مسرح المنصورة يمسك بيده مطرقة عامل المسرح ليدق بها مسمار منظر من المناظر في رواية «العذراء المفتونة» ولم يكن له دور يمثله؟

هذا هو مجهود الشيخ الفني وهو قليل فنيًّا، وبالنسبة لشهرته الكبيرة فكل رواياته كانت تلحينية، اللهم إلا بعض روايات لم تكن ذات قيمة فنية كبيرة. ولكن نتيجة هذا المجهود كانت كبيرة جدًّا، وهي التي خَطَت بالتمثيل والجمهور خطوات عظيمة، بل كانت عهد الصلة بين التمثيل القديم والتمثيل الجديد.

كان الشيخ سلامة جاهلًا بالفن، ولكن الله قيَّض له دواعي أخرى وُجِدت في طبيعته استعاض بها عن العلم؛ أولها: صوته الشجي الذي كان يملك به عنان جمهوره، وثانيها: إرادته الحديدية التي كانت تنسف العقبات وتجتحف الصدمات، وثالثها: إسرافه المال بلا حساب في سبيل فنه. لا ننكر على الشيخ عبقريته في التلحين الشرقي، فقد كان يؤلف النغمات المسرحية ويغنيها بصوته الجميل؛ فيجتذب قلب جمهوره ويمتلك عليه نفسه. ولا ننكر عليه إرادته التي شهدناها في كل موقف من مواقفه التمثيلية، فقد لبث الشيخ خمسة وعشرين عامًا يمثل دون أن نسمع أنه رجع إلى الوراء لانشقاق ممثل عنه أو لتفوق ممثل آخر عليه، بل كان يمثل وهو مريض في الوقت الذي تعددت فيه الأجواق الجِدية والهزلية. ولا ننكر على الشيخ إسرافه المال في سبيل فنه، وكيف ننكر عليه ذلك وتلك طبيعة في نفسه لم تفارقه حتى الموت في ساعات ضنكه وفقره؟ أينسى القارئ الكريم المناظر المتقنة المدهشة التي كان يقدمها لنا الشيخ في روايات «هملت» و«شهداء الغرام» و«تليماك» و«ضحية الغواية» و«نتيجة الرسائل»، وغيرها من الروايات الشهيرة. كل هذه العوامل كانت سببًا في إقبال الناس على دار التمثيل العربي لمشاهدة ما كان يقدمه الشيخ لهم من الروايات. أقبل الجمهور ليرى فن الشيخ فأدهشه الفن، وما كان هذا الفن بالفن الحقيقي، ولكنه كان في المناظر والملابس. رأى الجمهور على المسرح شيئًا لا يكد ذهنه لفهمه، رآه سهلًا جميلًا متقنًا بهجًا يخطف البصر ويحير الفكر موافقًا لعقله وشعوره ودرجة فهمه؛ فأقبل عليه ولهج بكلمة «تمثيل» وابتدأ يدرك أن التمثيل فن من الفنون ذو قيمة كبيرة، بعد أن كان يذهب لمسرح عبد العزيز لتمضية جزء من وقته كان يقضيه في قهوة متاتيا أو في سبلندد بار. مكث الجمهور يعبد الشيخ سلامة حجازي مدة طويلة؛ لأن الشيخ سلامة حجازي أتى للجمهور بما يوافق ميوله، ولم يخرج به دفعة واحدة عن الدائرة الصغيرة التي رسمها الجمهور لنفسه، فعهد الشيخ سلامة كان عهد الصلة بين التمثيل القديم والحديث، وهو الذي مشى بالجمهور من الحالة الرثة إلى الحالة النضرة وهيأه لاستقبال الفن الصحيح الذي ما زلنا نتخبط لتحقيقه.

ولو كان الشيخ عالمًا بأسرار الفن وقدم للجمهور شيئًا فنيًّا في ذلك العهد لنفر منه الجمهور، ولذهبت أتعاب الشيخ أدراج الرياح.

الشيخ سلامة كممثل

كثير من الناس يرمي الشيخ سلامة حجازي بأنه كان لا يحسن التمثيل بالمرة، والشيخ — كما نعلم — لم يتلقَّ التمثيل في مدرسة أو عن أستاذ قادر، ولكنه تعلمه في مدرسة التجارب، وهو وإن كان لم يصل لتحسين إلقائه، ولكنه وصل أخيرًا لإجادة كثير من الأدوار التي لم يبزه فيها ممثل كدور «هملت» و«جيوفاني والسنان».

الشيخ سلامة كمنشد

أما طريقة إنشاده فكانت تختلف عن طريقة المغنين، وكانت ألحانه توافق المواقف المسرحية، فإذا لحَّن لحنًا للجحيم سمعت منه عزيف الجن، وإذا لحَّن لحنًا غراميًّا سمعت منه أَرَج الحب، وإذا لحَّن لحنًا دينيًّا دخلت في نفسك الهيبة والجلال إذا سمعته. وما زالت ألحانه تغنَّى إلى الآن، حتى إن بعضهم كان ينظم لها كلامًا هزليًّا ويغنيها في الكازينو دي باريز، ولقد اجتهد بعضهم في تلحين روايات أخرى تغنى الآن، ولكنه لم يُفلح في ذلك لجهله الذوق المسرحي الذي نبغ فيه المرحوم.

النهاية

والآن وقد قضى الشيخ سلامة حجازي، ليس لنا إلا أن نقول: إنه بنى بيده أساس التمثيل في مصر، وإنه خليق بأن يذكر اسمه في تاريخ الفن.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.