ليست إحدى السواقي السبع التي يتغنى بها الأستاذ عبد الوهاب، بعد أن تغنى بها شباب الأحياء الوطنية في القاهرة، فإن هذه السواقي السبع تستطيع فيما يظهر أن تخرج الماء وتنفع به الناس. إنما الساقية التي أريد أن أتحدث عنها هي ساقية جحا، أتعرفها؟ فقد زعم الناس أنها ساقية تدور وتدور ولكنها لا تروي أرضًا ولا حيوانًا ولا إنسانًا، لا تكاد تخرج الماء حتى تسترده، هي تدور لتروي نفسها، وهي لا تروي أبدًا؛ لأنها لا تنقطع عن الدوران. أظنك تعرف هذه الساقية، فالكلام عنها كثير، والأحاديث فيها متصلة، والأمثال التي تضرب بها سائرة. فأنا أريد اليوم أن أحدثك عن ساقية جحا؛ لأني وجدت لها صورة رائعة بارعة، ناصعة ساطعة جامعة، بعد أن كنا نظن أنها كالعنقاء، يتحدث عنها الناس ولا يجدون لها أثرًا. وهذه الصورة البديعة التي تمثل ساقية جحا منشورة صباح اليوم في زميلتنا «الأهرام»، وما أحق «الأهرام» أن ترثي لها! وما أحق «الأهرام» أن تعطف عليها! فإن صناعة الصحافة تكلفها شظفًا، وتأخذها أحيانًا بنشر أشياء لعلها لو خفي بينها وبين ما تريد حقًّا — أو قل: لو خفي بينها وبين ما تحب — لما نشرتها، ولا أشارت إليها، ولكن للصناعة حكمها، والأهرام مضطرة بحكم هذه الصناعة إلى أن تذيع في قرائها ما يقوله الساسة، وأشباه الساسة، والذين ينتحلون السياسة ويتكلفونها تكلفًا، ويتخذونها وسيلة إلى الحياة.

أما أنا فقد أعجبت بساقية جحا، وأعجبت بها أكثر مما تظن. وحسبك أني قرأتها مرتين، وأقسم بالله لقد قرأتها مرتين، ولكني لم أحصِّل منها شيئًا، ولم أخرج منها بشيء، ولم أنتهِ منها إلى شيء، إلا أنها ساقية جحا، لا تريد ولا تستطيع أن تنفع أحدًا، أو تروي ظمأ، وإنما تريد أن تنفع نفسها وأن تروي نفسها، ولولا أن وقت الصحفي محدود، لقرأت ساقية جحا مرات ولقرأتها على وجوه مختلفة؛ فأخذتها من آخرها إلى أولها، بعد أن أخذتها من أولها إلى آخرها، ثم أخذتها من وسطها إلى أولها، ومن وسطها إلى آخرها، لعلي أجد فيها شيئًا أو أستخرج منها شيئًا يستحق أن يقف عنده الكاتب أو يحاور فيه السياسي، أو يستمتع به الأديب. وأنا أعد نفسي بإعادة النظر في الساقية من أولها ومن آخرها ومن أوساطها، وأعد القارئ صادقًا بأني إن وجدت في هذه الساقية شيئًا أو استخرجت منها نفعًا فلن أستأثر به ولن أبخل بإشراك القارئ فيه. أظنك قد عرفت الآن ساقية جحا، وأظنك قد قرأتها في «الأهرام» صباح اليوم، كما قرأتها أنا أيضًا، وأظنك قد سألت نفسك عما فيها، وأظنك قد تكلفت أن تستخلص منها غرضًا من الأغراض أو تنتهي بها إلى نتيجة من النتائج، وأظنك قد انتهيت إلى مثل ما انتهيت أنا إليه من اليأس والإخفاق، وأظنك قد ذكرت ما ذكرته أنا من أمر هذه الساقية الجميلة البديعة التي ما يزال الناس يتحدثون عنها، ويضربون بها الأمثال، وهي ساقية جحا.

ومع ذلك فقد تحدث الناس عن هذه الخطبة التي ألقاها وزير التقاليد أمس في نادي حزب الاتحاد على الحزبين الشقيقين أحاديث طويلة منذ زمن بعيد. وإذا لم تكذبني الذاكرة فأنا قد رسمت لوزير التقاليد منذ حين برنامج هذه الخطبة، وبينت له من بعض الموضوعات التي كان يجب أن يطرقها ليعرض على الشعب صورة صادقة من سياسة الوزارة. وأظن أن زميلتنا «السياسة» رسمت لوزير التقاليد منذ أيام قليلة جدًّا برنامجًا لهذه الخطبة أيضًا، وبينت له بعض الموضوعات التي كان يحسن أن يتحدث فيها إلى سامعيه. وما أشك في أن وزير التقاليد لو أنه استمع لنصيحتي منذ أسابيع، ولنصيحة «السياسة» منذ أيام لاستطاع أن يخرج خطبة إن لم تكن رائعة بارعة، فهي مقبولة محتملة، تستحق خمسًا من عشر، أو ستًّا من عشر، كما يقول الأساتذة في وزارة التعليم.

ولكن وزير التقاليد فيما يظهر أكبر من أن يستمع للنصح، وأبلغ من أن يحتاج إلى من يعلمه البيان. فهو لم يحفل بما قدمنا له من نصيحة، ولم ينتفع بما رسمنا له من برنامج، وإنما أراد أن يبتكر، وأن يخطب دون أن يستعين بمعين. وحسنًا فعل، فلو قد استمع لنا لأخرج للناس خطبة سياسية من هذه الخطب المألوفة، التي تحسن حينًا وتسوء حينًا، والتي يمكن أن تقدر بالدرجات. أما الآن وقد ركب رأسه، واستوحى نفسه، ونفسه وحدها، فقد أخرج للناس آية من آيات البيان، وحسبك أنه صور للناس ما عجز الخطباء جميعًا عن تصويره إلى الآن؛ صور لهم ساقية جحا في أجمل مظاهرها وأبدع أشكالها، وليس هذا بالشيء القليل، ولا سيما في هذا العصر الذي أفلس فيه الأدب، وأجدب فيه البيان، وقل فيه الإنتاج القيم. وأجمل ما في الأمر أن وزير التقاليد قد أخرج للناس هذه الآية البيانية الرائعة في اليوم الذي افتتح فيه العام الدراسي، فكان ذلك رمزًا لهذه النهضة الأدبية التي سيستقبلها الناس في هذا العام الجديد، فليس من شك في أن هذه الآية البيانية خليقة أن تطبع وتذاع وتلقى في أيدي الطلاب والتلاميذ، ويدرسها أساتذة الإنشاء في فصول الدرس ليتعلم الشباب كيف يستطيع الخطيب المصقع، والمقول المفوه، أن يتكلم ويتكلم ويتكلم ثم لا يقول بعد هذا كله شيئًا.

فقد ألح الأدباء والمعلمون على التلاميذ والطلاب، في ألا يتكلموا إلا إذا كان عندهم ما يقولون، وفي أن الصمت خير من الكلام الذي لا يغني. وما زال الأدباء والمعلمون يلحون على التلاميذ والطلاب في هذا المعنى حتى آثر الشباب ألا يقولوا شيئًا؛ لأنهم لم يكونوا يجدون ما يقولون. فأما الآن فقد فتح لهم وزير التقاليد بابًا حديثًا في البيان واخترع لهم فنًّا طريفًا من فنون الأدب، وعلمهم أن الخطيب يستطيع أن يخطب فلا يقول شيئًا، ويظفر مع ذلك بالتصفيق والهتاف والإعجاب، ويظفر مع ذلك بأن تنشر له الصحف خطبته وتذيعها بين القراء. وكان لنا في الأزهر الشريف حين كنا نطلب العلم فيه، أستاذ بارع فصيح بليغ، فكان يتحدث بنعم الله عليه فيقول: إن مما منَّ الله عليَّ به أن أتحدث إليكم ساعتين فإذا أنتم لا تفهمون عني شيئًا، ولا تستطيعون أن تنقلوا عني بعض ما قلت؛ لأنكم لم تفهموه! وكان أستاذنا هذا يتحدث إلينا ساعتين في المنطق أو في الفلسفة، فيخوض في كل شيء إلا المنطق والفلسفة، حتى إذا تفرقنا عنه والتقينا لنحصل ما سمعناه منه لم نجد شيئًا. وكنا نعجب بالأستاذ؛ نروي أحاديثه مكبرين، وما أظن أن الجيل الذي كان يختلف معنا إلى الأستاذ وهو الآن من علماء الأزهر الشريف، قد نسي الأستاذ العظيم وبراعته، فقد كنا جميعًا نراه آية بين علماء الأزهر وفذًّا بين أعلام البيان، أما الآن فلم يبقَ الأستاذ آية ولا فذًّا، وإنما بعث الله له من وزير التقاليد آية أخرى تنسخ آيته نسخًا.

فوزير التقاليد يستطيع أن يخطب في السياسة كما كان أستاذنا يستطيع أن يتكلم في المنطق، ولكن الذين يسمعون أو يقرءون خطبة وزير التقاليد في السياسة يفهمون منها إلى مثل ما كنا ننتهي إليه، من درس أستاذنا في المنطق.

فالدنيا بخير إذن، والبيان الصحيح بمأمن من الضعف والفساد، ما دام في أمة محمد ﷺ من يستطيع أن يصور ساقية جحا، في الأزهر حينًا وفي نادي الاتحاد حينًا آخر، والله عز وجل أرأف بهذه الأمة وأعطف على هذه اللغة من أن يحرمهما ممثلًا لهذا البيان الرائع يصور ساقية جحا أجمل تصوير؛ لأن هذه الساقية خالدة يجب ألا تحرم جمالها الأجيال.

وما دام وزير التقاليد قد ورث أستاذنا في تصوير ساقية جحا، وما دام تقليد الوزراء ولا سيما وزراء التعليم شيئًا مستحبًّا، فليس على الأمة المصرية بأس وليس على اللغة العربية بأس، ولا يزال بين أساتذة الأدب من يعلمون، وبين طلاب الأدب من يتعلمون، وبفضل هذا التعليم والتعلم، سنضمن للجيل المقبل خليفة لوزير التقاليد في تصوير ساقية جحا.

لقد قال الحكيم في قديم الزمان وسالف العصر والأوان:

إذا كنت في حاجة مرسلًا

فأرسل حكيمًا ولا توصه

وكنا نظن أن رئيس وزرائنا الرجل الطيب، قد قرأ هذه الحكمة فيما قرأ من حكمة الأمم، ولكن خطبة وزير التقاليد أمس، دلت على أن هذه الحكمة قد أفلتت من رئيس الوزراء، فهو يوافقنا من غير شك على أن وزير التقاليد لم يكن هو الذي يستطيع أن يحمل رسالة الوزارة في ظروفها الحاضرة إلى المصريين، ولا إلى الإنجليز؛ لأن المصريين والإنجليز، قد يسرهم ويرضيهم أن يروا ساقية جحا، وأن يسمعوها، ولكنهم لا يعتمدون عليها حين يريدون أن ينقعوا غلة أو يرووا ظمأ؛ لأنهم يعلمون حق العلم أن ساقية جحا، جميلة رائعة ولكنها على ذلك لا تنفع ولا تفيد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.