عقد الوطنيون المصريون مؤتمرهم الدولي الأول في مدينة چنيف سنة ١٩٠٩، وحصل انشقاق بين الحزب الوطني واللجنة المستديمة، فسعى الحزب الوطني في عقد المؤتمر التالي في باريس، وحدد لانعقاده ١٤ سبتمبر ١٩١٠، وانفض الناس عن اللجنة المستديمة في چنيف، وتحولت الجهود والأنظار نحو باريس، ووفد عليها الوطنيون المصريون من أنحاء أوروبا ومصر، واتخذت اللجنة التحضيرية واللجنة التنفيذية للمؤتمر مستقرًّا لها في فندق «فاميلي س» بشارع جاليليه عدد ٤٤.

وكان في خدمة المؤتمر امرأة فرنسوية اسمها عزيزة رشبرون، انتحلت الإسلام وادعت الشروع في نشر مجلة للدفاع عن الشرق ومصر، وكانت في الحق شديدة الذكاء واسعة الاطلاع ولكنها دميمة وشريرة. وكانت لجنة المؤتمر تستخدمها كاتمة أسرار وكاتبة على الآلة «الطابعة». وكان من أعضاء اللجنة البارزين المرحومون محمد فريد بك وأحمد لطفي بك وعثمان غالب باشا وغيرهم، وقد شهدت بنفسي الحوادث التي أرويها الآن للمرة الأولى وقد دونتها وقت حدوثها.

كان طالبان يشغلان وظيفة السكرتارية للمؤتمر، وكانا يلازمان مقر اللجنة لمقابلة الأعضاء وإعداد المواد وتقديم المعلومات لمن يحب من الغرباء.

ففي يوم ٤ سبتمبر شعرا بأن دار المؤتمر تراقَب مراقبة شديدة بواسطة رجال ونساء، يطوفون حولها، ويغشاها بعضهم بحجة الاستعلام، ورغبة الانضمام للمؤتمر.

وكان المرحوم الدكتور منصور رفعت قد تأكد من هذه المراقبة فلفت إليها نظر اللجنة، وثبت أن بعض الجواسيس أجانب عن فرنسا. وفي يومي ٧، ٨ سبتمبر ظهر أن لعزيزة روشبرون اتصالًا خفيًّا ببعض المتجسسين. وفي يوم ٩ صباحًا وصل إلى مقر المؤتمر ثلاثة مكاتيب من وزارة الداخلية الفرنسية أحدها باسم فريد بك واثنان باسم الطالبين السكرتيرين، وهما لا يزالان على قيد الحياة في مصر، فلما وصلت هذه المكاتيب الثلاثة تناولتها عزيزة روشبرون وخاطبت الشابين بقولها: «أيها الثوريان — على سبيل المزاح — لقد وصل اسمكما إلى وزارة الداخلية وعرفَت عنوانكما.» وضحكت ضحكة صفراء، وفي كل من الخطابين دعوة لمقابلة وزير الداخلية في الدار رقم ٦ بميدان بوفو، وكان في ذلك الوقت هو مسيو إريستيد بريان الذي توفي من أيام. وفي الساعة ١١ ذهب ثلاثتهم إلى مقر وزارة الداخلية حيث قابلوا رئيس مكتب الوزير (مسيو چيمو)، وكان رجلًا في الخمسين أحمر الوجه، ودار بينهم الحديث الآتي:

رئيس المكتب: علمت الحكومة أنكم قائمون بعقد مؤتمر وطني مصري في باريس.فريد بك: نعم، وسيعقد في صالة جمعيات العلماء (سوسيتي سافانت) يوم ١٤ سبتمبر؛ أي بعد بضعة أيام.رئيس المكتب: هل أخذتم إذنًا بذلك من الحكومة كنص القانون؟فريد بك: إن الحكومة تعلم باجتماعنا، وكثير من أعضائها ومن النواب والشيوخ مدعوون لحضور المؤتمر.رئيس المكتب: هل يمكنك أن تذكر لي أسماءهم؟فريد بك: مسيو جوريس، مسيو روانيه، مسيو بانفليه …رئيس المكتب : تعني الاشتراكيين!فريد بك: إنهم على كل حال نواب فرنسيون.رئيس المكتب: الحكومة تحب أن تلفت نظركم إلى ضرورة نقل اجتماعكم إلى مكان آخر غير باريس.فريد بك: هل هذا طلب رسمي؟رئيس المكتب: اعتبروه كما تشاءون.أحد الشابين: نحن لا نعتبره رسميًّا إلا إذا كان صادرًا عن رئيس الحكومة نفسه، وحيث إن الدعوة صادرة لنا باسمه فنحب أن نراه ونسمع منه ما يريد الإدلاء به.رئيس المكتب: إذن عودوا إلى هنا في الساعة الخامسة بعد الظهر لعلكم تتمكنون من مقابلته.

فانصرفوا، وعند خروجهم وجدوا في فناء الوزارة جيشًا من الجواسيس تبينوا بينهم بعض الذين كانوا يترددون على دار المؤتمر باسم الرغبة في الانضمام إليه؛ باسم حب الإسلام والشرق ومصر، وما إلى ذلك من الدجل والغش!

وأراد الجواسيس تتبعهم، فالتفت إليهم أحد الشابين وقال لهم: أيها السادة إننا كنا في مكتب الوزير، وسنعود في الساعة الخامسة لمقابلة مسيو بريان، فلا فائدة من اقتفاء أثرنا، فلم تجد تلك الخطية نفعًا عند الجواسيس وتبعوهم.

وفي الساعة الخامسة عادوا وقابلوا مسيو بريان بحضور رئيس مكتبه ودار بينهم الحديث الآتي بعد التحية:

موسيو بريان: علمت ما دار بينكم وبين رئيس مكتبي وأنكم تطلبون مني تصريحًا بصفتي رئيس الحكومة.فريد بك: أليس لنا الحق في ذلك، خصوصًا وأن فرنسا تخالف سننها للمرة الأولى مع المصريين الذين تربطهم بها مودة قديمة وتقليدية؟أحد الشابين: ولا يزال عدد كبير من المصريين يقصدون فرنسا للتعليم والإقامة ويعتبرونها وطنًا ثانيًا، ومصدرًا للحرية وملجأ لكل مظلوم.بريان: هذا صحيح، وهل أنت أحد الطلاب في جامعاتنا؟أحد الشابين: نعم، ولي الشرف، وأعلم أن القانون لا يمنع اجتماعنا ما دام في حدود النظام.بريان: ألم تجتمعوا في العام الماضي في چنيف أو لوزان لست أدري، فلماذا لا تجتمعون هذا العام في دولة صغيرة مجاورة؟فريد بك: إذا تركنا باريس فلا ندري أين نجتمع، وسوف يكون لقراركم صدى سيئ الأثر في العالم كله …بريان: نحن لا نريد منعكم، ولكننا في نفس الوقت لا نريد أن نؤثر في عواطف الأغيار، فإن دولة أخرى ربما كانت محبة لفرنسا تتألم من اجتماعكم في عاصمتنا فنرجوكم أن ترحلوا … بالذوق … وأن لا تلجئونا إلى …أحد الشابين: لم نعلم أن الأمر وصل بحكومة سعادتكم إلى تهديدنا بالطرد، وإن كنا قد لاحظنا أن الحكومة الفرنسية سمحت لأشخاص أجانب ربما كانوا ينتمون إلى تلك الدولة الأجنبية أن يتجسسوا علينا في نفس عاصمتكم، وفي الدار التي اتخذناها مقرًّا لمؤتمرنا.مسيو بريان (بغيظ مكظوم): لم يصل إلى علمي ذلك، ومع هذا فإنه خارج عن موضوع هذه المقابلة، ونحن إلى الآن لم نخرج عن المألوف في معاملتكم …أحد الشابين: ولا ينسى سعادة الوزير أن أعضاء من جميع برلمانات أوروبا …فريد بك (مكملًا): نعم إن نوابًا من جميع برلمانات أوروبا مدعوون إلى المؤتمر، وسيحضرون إلى باريس ولا نملك الآن، في بضعة أيام، تغيير خططهم، وقد تكلفنا جهودًا شاقة، ولم يبقَ بيننا وبين المؤتمر سوى ثلاثة أيام أو أربعة.بريان: من هم هؤلاء الأعضاء؟فريد بك: من البرلمان الإنجليزي؛ مستر كير هاردي، ومستر بارنز، ومستر كتل، ومستر هيزلتون، ومن الصحفيين؛ مستر روتستين، ومن البرلمان الفرنسي؛ موسيو جوريس، وموسيو روانيه، ومن البرلمان الألماني الهر أوجست بيبل …بريان (ببرود تام): عندي خبر! ولكن هذا لا يغير في عزم الحكومة، يمكنكم أن تذهبوا إلى جمهورية أخرى بجوارنا إذا شئتم …فريد بك: سنذهب إلى إيكس لاشاپل في ألمانيا؛ لأنها أقرب بلد إلى الحدود.أحد الشابين: وسننشر هذا الحديث بحذافيره، وكل ما جرى بخصوصه، وما سوف يحدث لنا من الآن إلى أن نغادر أرض فرنسا الكريمة.فريد بك: ولا ريب أن النواب الفرنسيين على الأقل سيطلبون من الحكومة حسابًا عن هذه المعاملة، ونستأذنكم في الانصراف.بريان: أيها السادة! أستودعكم الله وأعبر لكم عن أسفي الشخصي ولكن …فريد بك: ولكن … دولة أخرى صار لها في فرنسا أكثر من نفوذ الحكومة الفرنسية نفسها، أليس كذلك يا سيدي الوزير؟

وخرجوا، حيث كانت الساعة السادسة وربع، فقد دامت المقابلة ساعة وربعًا، وكان بريان إذ ذاك في عنفوان قوته ومجده، وحدث في خريف تلك السنة (١٩١٠) إضراب عمال السكة الحديد، فجندهم جميعًا لمصلحة الشركات وأرباب رءوس الأموال وقال في البرلمان عذره المشهور:

عندما يكون الوطن في خطر، فلي الحق أن ألجأ إلى الحكم العرفي ومخالفة القانون Recours a l’illégalité.

وبعد أن انصرف الثلاثة المصريون نقلوا المؤتمر بجملته إلى بروكسل، عاصمة بلجيكا وعُقد في موعده، وحضره إنجليز وفرنسيون وألمان وهنود وفرس وإيطاليون وغيرهم.

ومما يُؤسف له أن الدهر دار دورته، وأن عزيزة دي روشبرون بعد أن طُردت من المؤتمر وثبت تجسسها، نشرت في الطرق إعلانات احتجاج كبرى لمصلحة مصر لا ندري من أين جاءت بنفقاتها! ثم اشتغلت مع مصري شهير وقيل: إنه تزوج منها وأقام معها في إصطامبول وجاءت مصر قبيل الحرب، ثم ظهر أنها كانت لها صلة لقاء بأمير شوقي كبير، واتصلت بالألمان وبلغت ضد شارل همبير صاحب مقالات (ذخيرة ومدافع!) في الجورنال وشهدت في المجلس العسكري لمصلحته في سنة ١٩١٩، وشتمها رئيس المجلس، ثم اختفت وانقطعت أخبارها عن الصحف.

وظاهر من هذا الخبر أن بريان ساعد حكومة الإمبراطورية على مطاردة الوطنيين المصريين من باريس، ولم يسمح لهم بالاجتماع ولم يجاملهم ولم يتبع القانون في معاملتهم، وكان في أول أمره اشتراكيًّا متطرفًا ثم صار معتدلًا ثم حكوميًّا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.