هي أخلاقنا السياسة؛ فقد يظهر أنها انتهت من الفساد إلى حَدٍّ يستحيي منه المصري الذي يُكبِر نفسه وأمته بعض الإكبار، يستحيي منها حتى ليكره أن يتحدث في السياسة المصريَّة إلى الأجانب، أو أن يتحدث إليه الأجانب فيها.

نعم، وانتهت إلى حَدٍّ من الفساد يخشى منه الخطر المحقق على مستقبل البلاد، وثباتها أمام المصاعب التي تتكشف عنها الأيام من حين إلى حين، لكل بلد من بلاد الأرض، ولكل جيل من أجيال الناس. ولسنا في حاجة إلى أن نتتبع مواقف الأفراد — موظفين أو غير موظفين — من المسائل السياسيَّة والمنافع العامة، ولا إلى أن نُبعِد في البحث حتى نتجاوز المسائل التي يتحدث الناس بها، وتشغل المصريين في هذه الأيام. وإنما نحن قادرون على أن ننظر في هذه المسائل التي تمسنا أحاديثها إذا أصبحنا أو أمسينا، فسترى أنها مظهر لفساد في أخلاقنا السياسيَّة عظيم.

لا تذكر مسألة الكورنيش، وما تكشفت عنه من المخزيات، التي حوكم من أجلها من حوكم، ويحاكم من أجلها من يحاكم، ولا نذكر موقف صدقي باشا من هذه المخزيات التي تثار حوله، ثم لا يسأل عنها، ولا نذكر إلحاح صدقي باشا في طلب المحاكمة وحرصه على ألَّا تتم، ورغبة الوزارة في أن يُفتضح من أمر صدقي باشا ما خفي، وحرصها مع ذلك على ألَّا تحاكمه، ولا تضيق عليه الخناق، ولا تقطع السبيل دون سفره إلى أوروبا ليريح ويستريح. لا نذكر هذا كله، فهو يدل من غير شك على فساد أخلاقنا السياسيَّة، ولكنه — على قرب العهد به، وعلى أنَّ ذيوله ما زالت ممتدة لم تقطع بعدُ — قد أصبح من التاريخ القديم، وأصبح من التاريخ القديم كذلك أمر الاستبدالات، وإن كان التحقيق ما يزال متصلًا فيه، وأصبح من التاريخ القديم كذلك أمر المحاكم المختلطة، هذا الذي أقدمت فيه الوزارة وهي مُحجِمة، وأظهرت فيه الوزارة حزمًا وعزمًا، وهي تُضمر فزعًا وتردُّدًا وإشفاقًا، وانتهت فيه بعد هذا كله إلى التسليم والإذعان.

كل هذا أصبح تاريخًا قديمًا، أو كالتاريخ القديم، فلا نذكره الآن، ولا نقِف عنده، ولا نذكر كذلك تأييد النواب والشيوخ لصدقي باشا ما أقام في الحكم، واضطراب النواب والشيوخ بين صدقي باشا، بعد أن نزل عن الحكم، وانقلاب النواب والشيوخ على صدقي باشا، بعد أن استيأس من العودة إلى الحكم. فهذا أيضًا قد أصبح تاريخًا قديمًا أو كالتاريخ القديم. ولكن أذكر هذه القصة الصبرية المخزية المروعة التي يستحي المصري منها، ويَوَدُّ لو تبتلعه الأرض حين يتحدث إليه الأجنبي فيها. أذكر قصة هذا الوزير الذي أقام في الحكم ثمانية أشهر، لا يفكر فيما تأخر من الضرائب، ولا يسأل نفسه كيف تأخر، ولا يحاول أن يعرف لماذا تأخر، ولا يحاول أن يتبين عند مَن تأخر. ثم يبدو له فجأة أن يُعنى بهذا كله ويستكشف الخفي من هذا كله، فإذا منشور يُكتب سرًّا، ويذاع في المديرين والمأمورين والعمد من وراء ستار. ومع ذلك فقد كان أمر هذه الضرائب المتأخرة واضحًا غير غامض ومعروفًا غير مجهول. وقد سبقت النُّذُر إلى الوزير بأن قومًا يلتوون بالضرائب، ويتلكَّئُون في أدائها، فلم يُبدِ لهم هذا الوزير صفحة، ولم يكشف لهم قناعًا، حتى كانت هذه الأيام، فإذا الصفحة تُبدى، وإذا القناع يكشف، وإذا الوزير مِقدام لا يتردد في أن يقف من هؤلاء الملتوين بالضرائب موقف الغريم المُلِحِّ من المَدِين المُقصر.

ثم لا تقف عند الوزير وحدَه، فأمر الوزير يسير، وتفسيره سهل، فالوزير صاحب سياسة، والسياسة تتأثَّر بالظروف، تلين حين تريد لها الظروف أن تلين، وتشتد حين تريد لها الظروف أن تشتد. ولكن قِف عند هؤلاء النواب الذين نيَّفُوا على الثلاثين، والذين يطالبون الوزير بأن يعتذر إليهم من هذا المنشور أو يستقيل، والذين لا يترددون في أن يكتبوا بذلك إلى رئيس مجلس النواب، ويتحدثوا عن ذلك في الصحف كأنه أمر عادي طبيعي، مما يقع فيه الخلاف كل يوم بين النواب والوزراء، مع أنه أمر من أشد الأمور خطرًا على الحياة السياسيَّة والخلقيَّة جميعًا. هو خطر على الحياة السياسيَّة لأنه إكراه للوزراء على أن يهملوا القانون ويخالفوه، وعلى أن يطَّرِحوا العدل ويزدروه، على أن يتخذوا المساواة لعبًا، والإنصاف هزؤًا، ويكيلوا للمصريين بكيلين، على حين يجب أن يكيلوا لهم بكيل واحد. نعم، وهو خطر على الحياة السياسيَّة لأنه يُلقي في رُوع المصريين أنَّ النواب والوزراء ليسوا لهم خدامًا، وإنما هم ساداتهم ومواليهم، يجب أن يمتازوا منهم، ويعلوا عليهم، فمن حاول أن يحقق بينهم المساواة ناله اللوم والعقاب، وهو بعد هذا كله خطر على الأخلاق، وأي خطر على الأخلاق يعدل الاستهانة بالحق، ولوم الوزراء لأنهم أرادوا أن يعدلوا، وأن يَرُدُّوا على الدولة أموالها، وإنذار الوزراء بالاستقالة أو الإقالة لا لشيء إلَّا لأنهم أرادوا أن يكون النواب والأغنياء كغيرهم من أبناء الشعب الذين يختلفون إلى البرلمان ولا يستمتعون بالثروة والجاه.

هذا كثير، وأكثر منه أن يقره الناس، وأن يحتمله البرلمان، وأن يصبر عليه الوزراء، وأن تستبيح الصحف نشره والجدال فيه، فكل هذا يدل على أنَّ الحق والعدل والمساواة قد أصبحت أمورًا قابلة للبحث والجدال، واختلاف الرأي، وتبايُن النظر، وقد يكون هذا ممكنًا بين الفلاسفة، ولكنه شر كل الشر حين ينتشر بين الجماهير؛ لأنه يهدم كل نظام من أساسه، ولأنه يُعرِّض حياة الناس للفوضى التي لا تشبهها فوضى، والفساد الذي لا يدانيه فساد.

لا بُدَّ من أن يُسحب شيء هذا المساء فيما يقول الناس وتتحدث الصحف. فإمَّا أن يَسحب وزير المالية منشوره، ويعتذر منه ليبقى في منصبه؛ وإذن فسيعلن في مصر أنَّ العدل إثم يعاقب عليه، وأنَّ الحق ذنب يعتذر منه، وأنَّ المحاباة من أساس الصلات بين الناس. وإمَّا أن يَسحب النواب كتابهم الذي أعذروا فيه وأنذروا، وهددوا فيه وخوفوا؛ وإذن فسيُعلن في مصر أنَّ الحق والعدل والمساواة مضطربة في مصر، تحتاج إلى دعائم تعتمد عليها لتستقر، وإلى جهاد تعتز به لتنبت في الأرض. وكلا الأمرين شر ليس مثله شر.

وكل هذا الخلاف يدور حول مقدار ضخم من المال، تأخَّر للدولة عند فريق من المصريين؛ فهم يكرهون أن يسألوا عنه، وهم يُشفقون من أن يطالبوا به.

أفلو كان هذا المال يلزم هؤلاء المصريين لمصرف من المصارف، أو لفرد من الأفراد، أكانوا يعاقِبون، أو يهيئون العقاب لمن يسألهم عنه أو يطالبهم به؟ أكانوا يقاضون المصرف لأنه يطالبهم بأداء الدَّيْنِ؟ أكانوا يقاضون الفرد؛ لأنه يطالبهم برد الحق؟ كلا، ولكن هذا المقدار حق من حقوق الدولة، وحقوق الدول — فيما يظهر — أيسر عند بعض الناس من حقوق الأفراد. وهذا هو الخطر، وهذا هو الشر؛ لأنه يدل على أنَّ خلقنا السياسي الاجتماعي قد وصل إلى حَدٍّ من الانحلال مخيف، فلتنظر الوزارة، ولينظر النواب كيف يدفعون هذا الشر ويحتاطون لهذا الخطر. وأكبر الظن أن ليس إلى هذا من سبيل، إلَّا أن تتبدل الحال غير الحال، ويستريح قوم قد تعبوا من حمل أثقال الدولة، ويتقدم لحمل هذه الأثقال قوم آخرون، ليس فيهم من يُؤثِر نفسه بالخير، أو يقدم حقوق الأفراد على حقوق الأمة، أو ينذر الوزراء بالعزل لأنهم فكروا في تحقيق العدل والمساواة …

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.