تجوَّلْ عبر حشائش السافانا الأفريقية ومن الممكن أن تُصادِف تلالًا ضخمة مصنوعة من الطين الناضج، ويصل ارتفاع تلك التلال إلى ٩ أمتار، وتزدان بالقمم المستدقة والمداخن والدعائم، وهذه الأبنية بمثابة بيوت، وحضانات، ومزارع، كلها في هيكل واحد، كما أنها أمعاء أيضًا؛ إنها جزء من أحد الأجهزة الهضمية الأكثر إبهارًا على ظهر كوكب الأرض؛ إنها عضو موزَّع يبدأ داخل أجسام حشرات دقيقة، ويمتد إلى أبراج تُناطِح السحاب.

يسارًا: أحد تلال النمل الأبيض في السنغال. يمينًا: أحد جنود النمل الأبيض من نوع الماكروتيرميس.
يسارًا: أحد تلال النمل الأبيض في السنغال. يمينًا: أحد جنود النمل الأبيض من نوع الماكروتيرميس.

إنها من صُنع نوع من النمل الأبيض يُسمَّى ماكروتيرميس ناتالينسيس، وكما هو الحال مع بقية جنسه، فإنه يأكل الخشبَ وغيره من المواد النباتية. توجد كميات هائلة من الطاقة محبوسة داخل الروابط الكيميائية للخشب، وهذه الحقيقة نشهدها في كل مرة نحرق فيها الحطب لتدفئة منازلنا، إلا أن كسر تلك الروابط يُعَدُّ مهمةً مُضنية، والبشر يفتقرون إلى الإنزيمات اللازمة لهذه المهمة، أما النمل الأبيض فهو أفضل بكثير في هذه المهمة، ولكن على الرغم من تلك الشهرة، فإن مجموعة الأدوات التي يستخدمها في كسر الخشب ضعيفة إلى حدٍّ مدهش؛ ومن ثَمَّ فإنه يعتمد على المساعدة بدلًا من الاعتماد على تلك الأدوات.

تُعَدُّ النملة التي من نوع ماكروتيرميس ناتالينسيس نملةً مزارعة؛ فهي تزرع فِطْرًا في عشِّها، وتُطعِم هذا الفطر بفُتات الخشب الذي تجمعه الشغَّالات وتمضغه وتستفرغه، ويمتد الفِطْر عبر هذا الوسط ويهضمه، ويُحلِّل الكربوهيدرات المعقَّدة (المعروفة باسم السليولوز الخشبي) إلى مكونات أساسية سكرية أصغر حجمًا، وبعد ذلك يتغذَّى النمل على السماد العضوي الناتج. وفي أمعاء النمل الأبيض، يتولَّى زمامَ المسئولية جحافلُ من البكتيريا والميكروبات الأخرى، التي تُحلِّل السُّكَّريات إلى أجزاء أصغر؛ ومن دون الفطر أو الميكروبات، سيعجز النمل الأبيض عن تناول الغذاء.

إذن فالجهاز الهضمي للنمل الأبيض ليس فقط أنبوبًا يمتد داخل جسم النملة، بل هو شبكة من خيوط الفطريات تنمو في الغرف العديدة الموجودة في عشِّها، بالإضافة إلى كتلة من الميكروبات الساكنة داخل أمعائها؛ إنه «مجتمع» يضم مخلوقاتٍ تنتمي لثلاثٍ — على الأقل — من ممالك الحياة، تعيش داخل الحشرة وخارجها؛ إنها تملأ جسم النملة البيضاء، وتمتد إلى عمارة منازلها.

إن هذا التحالف الهضمي تحالف قديم؛ فلقد تطوَّر النمل الأبيض من الصراصير منذ حوالي ١٥٠ مليون سنة، ومنذ ذلك الحين اعتمَدَ النمل البيض على ميكروبات الأمعاء لشنِّ هجمات على النباتات الصلبة الصعبة الأكل. ومنذ حوالي ٣٠ مليون سنة، أضاف نمل الماكروتيرميس — تلك المجموعةُ التي تنتمي لها نملة الماكروتيرميس ناتالينسيس — شريكًا جديدًا لهذا المزيج من خلال زراعة فِطْر يحمل اسمًا مناسبًا هو «الترميتومايسيس». كان العقد الذي وثَّقَ هذه الشراكة عقدًا ملزمًا؛ ففي الوقت الراهن يوجد نحو ٣٣٠ نوعًا من نمل الماكروتيرميس، وكل هذه الأنواع تزرع فِطْر الترميتومايسيس، ولا شيء آخَر دونه.

لطالما حقَّقَ هذا التحالف نجاحًا مدهشًا؛ إن نمل الماكروتيرميس يوجد في كافة أنحاء أفريقيا وجنوب آسيا، ويشكِّل مصيرَ أنظمة بيئية بأكملها. إن هذا النمل هو ملك التحليل؛ فهو يحلِّل النباتات المتساقِطة ويعيد طاقتها المُخزَّنة إلى العالم، ومن خلال دمْجِ هذه الصراصيرِ قوتَها مع قوة شركائها الآخَرين من الكائنات الدقيقة، تستطيع بناء أبنية عالية في مثل طول الأشجار، وفي الوقت نفسه تتغذَّى على الأشجار الحقيقية لينمو بها جسمها.

فكَّ آلان مايكل بولسن — من جامعة كوبنهاجن — وهوفو هو — من معهد بكين لعلم الجينوم الواقع في مدينة تشينجين — شفرةَ الأدوار المختلفة لهؤلاء الشركاء، من خلال تحديد تسلسل جينوم نملة الماكروتيرميس ناتالينسيس، والفِطْر الذي تزرعه، والميكروبات الموجودة في أمعائها.

وتمتلك هذه الكائنات المتشارِكَة فيما بينها مجموعةَ أدوات هائلة من الإنزيمات التي تعمل على تحليل النباتات — والتي تُسمَّى هيدروليز الجلايكوسايد — تكسر الروابط الكيميائية التي تربط السكريات البسيطة بالسكريات المعقدة. هناك ١٢٨ فصيلة من تلك الإنزيمات، ويمتلك الشركاء الثلاثة ١١٨ فصيلة منها، وهي مجموعة كاملة تقريبًا؛ معظم هذه الأدوات تأتي من ميكروبات الأمعاء، بينما الفِطْر والنمل الأبيض (إلى درجة أقل بكثير) يُقدِّمان أدواتٍ مهمةً لإكمال النقص في هذه المجموعة.

يبدو أن الفِطْر والميكروبات يقسِّمان المهام الهضمية فيما بينهما؛ فالفطر يتفوَّق في تكسير الكربوهيدرات الكبيرة — مثل اللجنين والسليولوز — إلى مكوناتها الأساسية، لكنه ليس جيدًا في تكسير تلك المكونات الأساسية، فهذا الأمر متناسِب مع طبيعته البيولوجية؛ ففِطْر الترميتومايسيس ليس ماهرًا في هضم الخشب بقدر مهارته في كسر الخشب؛ فهو يكسِّر اللجنين من أجل الوصول لمُغذِّيات أخرى موجودة على نحو أعمق داخل النبات، بدلًا من أن يساعد في عملية الهضم نفسها.

على الجانب الآخَر، تمتلك ميكروبات الأمعاء العديدَ من الإنزيمات التي تستهدف السكريات البسيطة التي ينتجها الفِطْر. وفي واقع الأمر، وجد بولسن أن الميكروبات الموجودة في أمعاء نملة الماكروتيرميس ناتالينسيس لديها عدد أكبر من هذه الإنزيمات مقارَنةً بما تمتلكه أنواع النمل الأبيض الأخرى التي لا تستضيف الفطريات.

وهكذا يشنُّ الفِطْرُ الهجومَ الافتتاحي بينما تُنزِل ميكروباتُ الأمعاء الضرباتِ النهائيةَ، ويساهم النمل الأبيض نفسه إسهامًا قليلًا للغاية في هذه المهام الهضمية، ويتمثَّل دوره في تربية وتغذية الشركاء الآخَرين.

ويُعَدُّ هذا إنجازًا مهمًّا؛ ففطريات الترميتومايسيس يتناولها البشر، وتُعتبَر من الأطعمة الفاخرة في أنحاء معيَّنة من أفريقيا، لكننا لم نستطِعْ مطلقًا زراعتها؛ أما هذه المخلوقات الصغيرة الدماغ فهي تبني تلالًا مزوَّدة بآليات للتهوية وتكييف الهواء؛ مما يوفِّر واحات باردة ورطبة وسط حشائش السافانا الشديدة الجفاف حيث يمكن للفطريات أن تعيش. ومن خلال بناء ورعاية النمل الأبيض لهذه الحدائق، ومن خلال حمله الميكروبات المناسبة في أمعائه؛ يزرع بكفاءة الأجهزةَ الهضمية الخاصة به.

ووجد بولسن جانبًا آخَر مثيرًا في هذه القصة، ويتمثَّل ذلك في غرابة ملكة نمل الماكروتيرميس ناتالينسيس؛ فهذه الملكة لا تمتلك أيًّا من الميكروبات المعوية الأكثر شيوعًا في أجساد شغَّالاتها، وأمعاؤها الضعيفة لا يمكنها سوى هضم السكريات البسيطة للغاية، وهذا الأمر مناسب لطبيعتها البيولوجية؛ فملكة نمل الماكروتيرميس هي آلة لوضع البيض، وبطنها تنتفخ على نحو كبير لتتحوَّل إلى كيس نابض أبيض ضخم، وهي لا تستطيع الحركة، بل تعتمد على بناتها الشغَّالات (والميكروبات الموجودة في أمعائها) للحصول على الطعام.

لم يكن هذا هو الحال دائمًا؛ فالملكة أسَّسَت المستعمرة بأكملها، ومنحَتْ بناتِها الميكروباتِ الموجودةَ في أمعائها في بادئ الأمر، ولا بد أن الميكروبات الموجودة في أمعائها ضمرتْ لاحقًا مع تضخُّم جسمها، ويمكنك أن تعتبر المستعمرةَ كلها — الشغَّالات، والميكروبات، والفِطْر، والتلال وكل ذلك — جهازَها الهضمي؛ إنها شبكة تكافلية ضخمة تمدُّها بالغذاء، وتضمن استمرارَ جيناتها.

The Guts That Scrape the Skies by Ed Yong. Not Exactly Rocket Science. September 23, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.