لقاء تعارف من غير شك هذا الذي بدأ منذ أيام بين المندوب السامي والوزراء، وأخص ما يمتاز به أنه يسيرٌ ساذَج، لم يُحْدِثْ أزمة، ولا شيئًا يشبه الأزمة، رُوعِيَتْ فيه التقاليد من الألف إلى الياء. بدأ الوزراء فتركوا بطاقتهم في قصر الدوبارة، وكلَّف المندوب السامي بعد ذلك من رجال داره مَن ترك بطاقته للوزراء. ثم كانت المصادفة، فلقي المندوب السامي وزراءنا في حفلة من الحفلات فقُدِّمَ إليهم — نستغفر الله — بل قُدِّمُوا إليه، ثم ظهر أنَّ هذا القدر يكفي لتحقيق الصلة بين المندوب السامي وأعضاء الوزارة، وأنَّ من الممكن أن تكون الخطوة الثانية، فيُدعى الوزراء واحدًا إثر واحد إلى لقاء المندوب السامي. حتى إذا لَقِيَهُ أحدُهم كان الحديث بطبيعة الحال في الجو والمطر أول الأمر، ثم انتقل شيئًا فشيئًا من هذا الموضوع العام إلى موضوعات خاصة من بعض الوجوه، ثم إلى موضوعات خاصة من كل الوجوه، ثم ينظر المتحدثان، فإذا هما يخوضان في صميم الموضوع الذي يَحسُن فيه الحديث.

وكان وزير المالية بالنسبة للتنظيم — فيما يظهر وفيما يُقال — أول من دُعِيَ إلى دار المندوب السامي من الوزراء، وقد تحدَّثت الصحف بأنه لبث عند المندوب السامي وقتًا طويلًا، وحديث الجو والمطر مهما يطُل فهو قصير. فأكبر الظن أنَّ المتحادِثَيْن دُفِعَا إلى المسائل الجِسام فتحدثَا فيها أحاديث جسامًا، وعرَف المندوب السامي من وزير المالية أنه كان يريد قبل أن يَلِيَ الحُكم أن يقلب أمور الاقتصاد رأسًا على عقب. وأن يُحدِث في وزارة المالية ثورة لم يسبقه إليها أحد من وزراء المال، ولكنه لم يكَد يستقر في الوزارة حتى تَبَيَّنَ أنَّ الاعتدال خيرٌ من الجموح، وأنَّ التطوُّر خير من الثورة، وأن ليس في الإمكان أبدع ممَّا كان، وعرَف المندوب السامي من وزير المالية أنه كان مصمِّمًا حين تولَّى الحكم على أن يقِف من الدول الدائنة لمصر موقف الحزم والعزم؛ فلا يفاوضها لأن المفاوضة ضعف، ولا يقاضيها لأن الأمر ليس من اختصاص القضاء، وإنما يدفع إليها دَيْنَها وفوائده ورقًا، فإن رضيت فذاك، وإن غضبت فأمرها يسير. وإنه أعلن ذلك في الصحف وتحدث به إلى الناس، ثم ظهر له ولزملائه الوزراء أنَّ الصلح خير، وأنَّ المفاوضة لا بأس بها، وأنَّ المقاضاة قد تُفيد. فسار سيرة صدقي باشا، وفاوض أو انتظر المفاوضة من ناحية، وقاضى أو انتظر حكم القضاء من ناحية أخرى، وعرَف المندوب السامي من وزير المالية أمورًا كثيرة، منها ما يمَس الدَّيْن العقاري، ومنها ما يمَس مصلحة الأملاك، ومنها ما يمَس هؤلاء الموظفين الذين لم يكونوا يعلمون أنَّ على رأسهم وزيرًا، حتى أُنبِئوا بذلك فعلموه. ولعل المندوب السامي أن يكون قد عرَف من وزير المالية أن له في مجلس النواب مواقف أقل ما تُوصَف به أنها مواقف الأبطال وعظماء الرجال، وأنها تكشف عن نظريات جديدة في الفقه الدُّستوري، يعجز عن فهمها وزير الحربية، فيسميها تورُّطًا في الكلام. ومن المرجح — إن لم يكن من المُحقَّق — أنَّ وزير المالية قد انصرف من عند المندوب السامي مغتبطًا بما سمع، مبتهجًا لما قال، متسائلًا في أعماق نفسه: ماذا عسى أن يكون رأي المندوب السامي بالضبط فيما جرى بينهما من حديث؟!

وإذا أقبل مساء اليوم كان بين المندوب السامي وبعض الوزراء المصريين لقاءٌ آخر ليس أقل خطرًا، ولا أيسر أمرًا، ولا أهون شأنًا من ذلك اللقاء الذي كان منذ يوم أو يومين. فالضيف الذي سيشرف قصر الدوبارة بزيارته، وسيتشرف بزيارة قصر الدوبارة مساء اليوم — فيما تقول الصحف — هو وزير التقاليد. وحسبك بهذا العنوان دليلًا على أنَّ هذا اللقاء خليق أن يكون من أعظم حوادث التاريخ؛ فقد كان المصريون يختلفون منذ أسابيع في الوزيرين الخطيرين، وزير المالية ووزير التقاليد: أيهما أعظم شأنًا وأَجَلُّ خطرًا، وأعظم من القوة حظًّا، وأبعد في حياة الناس أثرًا، ثم اتَّفق المصريون على أنَّ التفوق لوزير التقاليد لا لوزير المال والاقتصاد.

فوزير التقاليد ينتمي إلى حزب، أو يشرف على حزب، ووزير المال لا حزب له، ووزير التقاليد يبلغ من وزارة المالية ما يريد باللين مرة، وبالعنف مرة أخرى، يؤجر للمجمع اللغوي داره في الجيزة وإنْ كره وزير المالية، ويحتفظ بدرجة الوكيل المساعد في ميزانية وزارته وإنْ مانع وزير المالية، ولوزير التقاليد أثر عميق في حياة الناس من جميع أنحائها، حتى من نواحيها الاقتصادية، فهو يهز الأسر المصريَّة كلها هزًّا، مرات في العام بنفقات التعليم التي يطلبها إليهم ويتقاضاها منهم عنيفًا حينًا، ورفيقًا حينًا آخر، وهو يفرض العمة ويحرم الطربوش على جيل من الناس، فيؤثر بذلك في حياتهم العقليَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة أيضًا، ثم هو قائد الشباب يتصرف فيهم كما يحب ويرضى، وهو لا يحب إلَّا الخير، ولا يرضى إلَّا المعروف، وهو من هذه الناحية خليق أنْ يكون أثر الوزراء عند المندوب السامي وأقاربهم إليه، ذلك أنه يسيطر على أمور الشباب، ومن يسيطر على أمور الشباب، فهو رجل عظيم المكانة في حياة مصر السياسيَّة والعلميَّة والأدبيَّة من كل وجه، وهذا النحو من الحياة يعني الإنجليز عناية خاصَّة، فقد كان الشباب — فيما مضى — غلاة مسرفين، يعنون بالأمور السياسيَّة، ويسرفون في عنايتهم بها، وينغصون على الحكومة المصريَّة وعلى الإنجليز حياتهم تنغيصًا، فإذا استطاع وزير أنْ يردهم عن هذا الغلو، ويكلفهم عن هذا الإسراف، ويأخذهم بالاعتدال والتواضع والاقتصاد في المثل الوطنية العليا، فهو حرى أنْ يرضي الإنجليز، وأنْ يظفر من المندوب السامي بحديث ممتع كله تأييد وتشجيع.

ولست أخفي أني أرجو أن يقرأ وزير التقاليد هذا الفصل قبل أن يبلغ دار المندوب السامي مساء اليوم؛ فقد يكون في قراءته قبل اللقاء شيء من النفع، ولعلَّ من الأشياء التي يحسن لوزير التقاليد أن يجتهد في توجيه الحديث إليها أمر الحياة الجامعية؛ فإن للوزير فيها بلاءً حسنًا، لا ينبغي أن يخفى على أحد، ولا ينبغي أن يخفى على المندوب السامي الجديد بوجه خاص؛ فقد كانت الجامعة في أيام الفوضى حين كان المعارضون يتولَّوْن الحكم بيئة خطرة حقًّا، كان اللاتينيون فيها كثيرين، وكان فيها ممثلون للألمان أيضًا، وكانت الثقافة اللاتينية ظاهرة في كلية الآداب، وكان الإنجليز يَضِيقون بذلك ويشكون منه، وكانت الحرية تُفهم في هذه الجامعة فهمًا واسعًا خاطئًا خطرًا، فتحسن الصلات بين الأساتذة والطلاب، بل يشترك أولئك وهؤلاء في أعمال الجِد والراحة، كأنهم متساوون. وكانت الجامعة تسرع في هذه الحرية إسراعًا مخيفًا، كاد يشرف بها على الفوضى، فلما جاء وزير التقاليد عرَف كيف يرد الأمر إلى نصابه، فيقصي عن الجامعة عناصر الفوضى، ويؤيد فيها عناصر النظام، ويرد الجامعة إلى شيء من التواضع الذي يلائم مكانة المصريين، وما ينبغي أن يكون لهم من المطامع المعتدلة، ويضع للجامعة قوانين صارمة حازمة، تُعَلِّم الجامعيين كيف يُكبِرون السلطة، ويذعنون لأمرها، وينفذون ما تريد، وأخذ العنصر الإنجليزي يقوى، وأخذ العنصر الأوروبي يضعُف، حتى أصبح من المنتظر أن تكون الجامعة — إن شاء الله — صورة حسنة لبعض هذه الجامعات الراقية الممتازة في أجزاء الإمبراطورية البريطانية غير بريطانيا العظمى بالطبع، ثم لعل أحسن ما ينبغي أن يكون فيه الحديث بين المندوب السامي ووزير التقاليد، هذا النظام الجديد الذي وُضِعَ لاتحاد الجامعة فقيَّد أرجل الطلاب، وغَلَّ أيديهم وأعناقهم، وخرم أنوفهم وآذانهم، وعلمهم كيف تكون الحرية الناعمة والرجولة المنتجة، التي لا تقوم إلَّا على الطاعة والإذعان والخضوع لأمر الرؤساء والمشرفين، فإذا استطاع الوزير أن يحدث المندوب السامي بأن الذي دعاه إلى إحداث هذا النظام الجديد هو أنَّ طلاب الجامعة رأَوْا فريقًا منه يشتغلون بالسياسة في شيء يقال له مشروع القرش فقاوموهم، وأنكرت الوزارة عليهم هذه المقاومة، فعاقبتهم بهذا النظام. إذا استطاع وزير التقاليد أن ينبئ المندوب السامي بهذا الحديث، كان قد انتهى إلى أقصى ما يطمع فيه الوزراء من التوفيق. وإذا كان وزير المالية قد لبث عند المندوب السامي وقتًا طويلًا، فليس من شك في أنَّ وزير التقاليد سيلبث عنده وقتًا أطول، وإذا كان وزير المالية قد خرج راضيًا عمَّا سمع وما قال، متسائلًا عن رأي المندوب السامي فيما كان بينهما من حديث، فليس من شك في أنَّ وزير التقاليد سيخرج وهو أشد اغتباطًا وأعظم ابتهاجًا بما قال أولًا، وبما سمع ثانيًا، وسيعود إلى أصحابه راضيًا كل الرضى، واثقًا كل الثقة بأن الحديث بينه وبين المندوب السامي الجديد كان دليلًا قاطعًا ساطعًا على أنه ليس في الإمكان أبدع ممَّا كان، وعلى أنَّ الذين ينتظرون تغييرًا في السياسة المصريَّة الإنجليزيَّة قوم يحلُمون، إلَّا أن يحدث تغيير يسير يجعل رياسة الوزراء إلى وزير التقاليد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.