يريد قوم أن يفرضوه على مصر فرضًا، وأن يجعلوه من الأعمال التي يُثاب مَن أقدم عليها بالراحة والأمن والهدوء، ويُعاقب مَن أحجم عنها بالأذى في نفسه وماله وأهله. على حين تريد الحضارة ويريد الرقيُّ وتريد الأخلاق ويريد الدين أن يكون التضليل إثمًا من الآثام، يُعاقب المقدمون عليه والداعون إليه والمتورطون فيه. ذلك أن حاكمًا من الحكام إن مات فلا ينبغي — فيما يُقال: إن الوزارة تريد أن تشرع من قانون للصحافيين والمؤرخين — أن تُكتب فيه كلمة الحق صريحة، ولا أن يصدر عليه حكم التاريخ واضحًا، ولا أن يُصور للأجيال الحاضرة والأجيال المقبلة تصويرًا صادقًا، ويبيَّن للناس ما قدَّم من خير ليحمدوه ويتأثروه، وما قدم من شر ليكرهوه ويتجنبوه.

وإنما ينبغي أن تعامل الموتى كما يعامل الأحياء، وأن يتأثر الكتَّاب والمؤرخون حين يكتبون عنهم بما يتأثرون به حين يكتبون عن الأحياء من ألوان المجاملة والمصانعة، ورعاية المنافع، واتقاء الخوف، واجتناب التعرض للعقوبات.

فالقانون الذي يُراد إصداره إن أُتيح له الصدور سيدخل إذن بين الكتَّاب والمؤرخين وبين ضمائرهم، وسيُكره إذن هذه الضمائر على ما لا تحب، وسيُلزم إذن كلَّ كاتب وكلَّ مؤرخ يعرض للموتى بأن يتحرَّى ما يمكن وما لا يمكن ويتبين ما يُساغ وما لا يُساغ، ويبحث عما يرضي وما لا يرضي، ولا يقول من ذلك كله إلَّا ما لا يعرِّضه لتحقيق النيابة، ثم لموقف القضاء ثم للغرامة أو السجن أو لهما جميعًا. وإذن فسيُفرض على الكتَّاب والمؤرخين حين يعرضون لسير الموتى ألَّا يقولوا الحق كاملًا، وأن يذيعوا في الناس غير الصواب، وأن يكونوا أدواتٍ للتضليل. وأي تضليل! لتضليل أجيال كاملة، وللتضليل فيما لم يعرف الناس قط أن التضليل فرض فيه على أحد. والغريب أن هذه الأوليات التي يكفي أن يفكر فيها رجل متحضر ليضيق بها وينفر منها ويعافها كما يعاف أشد الأشياء إيذاءً للنفس؛ تجد بين المثقفين المصريين من يطمئن إليها ويقدم عليها، ويريد أن تصبح قانونًا يؤخذ به الناس كهذا. والغريب أن في مصر قومًا يتخذون التاريخ صناعة، يجد بعضهم فيه لذة، ويجد بعضهم فيه منفعة، وأولئك وهؤلاء يحرصون أو يظهرون الحرص على أن يكونوا مؤرخين حقًّا؛ أي مذعنين لما تقتضيه صناعة التاريخ من إيثار الحق على كل شيء، ومن إيثار مناهج البحث الحر على كل شيء، ومن إباء الخضوع لأي قيد من شأنه أن يفسد التاريخ أو حرية البحث التاريخي مهما تكن الظروف. الغريب أن في مصر نفرًا من هؤلاء، وأنهم يقرءون ويسمعون ما يُذاع من الأنباء عن هذا الكيد الذي يُدبَّر للتاريخ فلا يؤذيهم ذلك، أو لا يظهر للناس أن ذلك يؤذيهم، وإنما هم خاضعون، مذعنون لا يقولون حرفًا، ولا يظهرون إنكارًا، ولا يذودون عن كرامة العلم، ولا يدفعون عن هذه الأمانة المقدسة التي لا قيمة لعالم إذا لم يدفع عنها بكل ما أوتي من قوة وجهد وقدرة على الدفاع.

والغريب أن الوزارة حين تفكر في هذا القانون لا تستقصي آثاره ونتائجه، ولا تهيئ العدة لتنفيذه كما ينبغي أن يُنفَّذ، ولا تتخذ الوسائل إلى فرض الرقابة على الجامعة وعلى المدارس الثانوية والابتدائية. فالتاريخ يدرَّس في هذه الجامعة وفي هذه المدارس، ودرسه في الجامعة حرٌّ إلى الآن، فلا بدَّ من تقييد هذه الحرية، ولا بدَّ من تعيين مراقبين يرون دروس الأساتذة قبل أن تُلقى، ويسمعونها أثناء الإلقاء؛ حمايةً لمن فارق هذه الدار أو يفارقها من الحكام. ودرس التاريخ في المدارس الثانوية والابتدائية يكون طبقًا لكتب رسمية قد وضعت له حين كان التاريخ حرًّا، فلا بدَّ من أن تؤلف اللجان لتنقي هذه الكتب تنقيةً من جراثيم الحرية والحق، ولا بدَّ من أن يُعاد تأليف هذه الكتب لِيُرَدَّ التاريخ إلى ما يُراد له من إرضاء الأهواء والشهوات، لا من تصوير الحق والصواب. ولا بدَّ مع ذلك من تعيين المراقبين؛ لأن أساتذة التاريخ في المدارس لا يقيدون أنفسهم بالكتب الرسمية دائمًا، وإنما يتبسطون ويستطردون، ولعلهم أن يمسُّوا ميتًا بغير ما تحب الوزارة أن يمسُّوه به، فيجب أن يردهم المراقبون عن ذلك ردًّا؛ حمايةً للموتى وتنفيذًا لهذا القانون الغريب!

والغريب أن للتاريخ مؤتمرًا عالميًّا يجتمع كل ثلاثة أعوام، وأن لهذا المؤتمر لجنة دائمة تتبع الدراسات التاريخية وما ينالها من رقيٍّ وما يعرض لها من ضعف، وأن لمصر شعبة تمثلها في هذه اللجنة، وأن أعضاء هذه الشعبة يُختارون من رجال التاريخ في وزارة المعارف وفي الجامعة، وأن وزارتنا لم تفكر في هذا المؤتمر ولا في هذه اللجنة ولا في هذه الشعبة التي تمثل مصر فيها. وقد ينبغي أن تفكر الوزارة في هذا كله، وأن تكلف شعبنا المصرية بأن تعرض على اللجنة الدائمة — ثم على المؤتمر — هذا المذهب الجديد في فهم التاريخ وكتابته، وفي حماية الموتى من أحكامه وآراء كتَّابه، ومن الحق والصدق بوجه عام.

فمن يدري لعل هذا المذهب أن يوافق رضا المؤرخين في الأرض كلها، فيُصبح تزييف التاريخ أصلًا جديدًا من أصول العلم، وقاعدة حديثة من قواعد البحث، ويُسجَّل للوزارة المصرية الفضل في هذا التجديد. والغريب أن عصبة الأمم قد أنشأت شيئًا يُقال له معهد التعاون العقلي، وأن الدول كلها قد اشتركت في هذا المعهد ومنها مصر، وأن مصر تدفع لهذا المعهد مقدارًا من المال في كل عام، وأن أهم ما يُعنى به هذا المعهد حماية البحث العلمي عامة والتاريخي خاصة من كل عدوان. فمن الحق على وزارتنا أن تكلف وزيرنا المفوض في باريس أن يعرض هذا المذهب الجديد في فهم التاريخ وفي رعاية حرمات العلم على معهد التعاون العقلي، لعله أن يقرَّ هذا المذهب، ثم يعرضه على عصبة الأمم المتحدة فتقره أيضًا، ثم تقترح مشروع معاهدة دولية قوامها فرض التضليل التاريخي على المؤرخين في أقطار الأرض كلها! وزارتنا مهملة لهذا النحو من الدعاية، مقصرة في ذات نفسها؛ فيجب على أقل تقدير أن يقوم الصحافيون مما لم تقم به الوزارة ولم يقم به المؤرخون.

وقد قرر الصحافيون أن يبلغوا إنكارهم لعمل الوزارة إلى النقابات الصحفية وإلى أندية القلم في أقطار الأرض، فيجب عليهم أن يبلغوا هذا الإنكار إلى اللجنة الدائمة الدولية للدراسات التاريخية، وإلى المؤتمر العام للتاريخ، وإلى معهد التعاون العقلي، ثم إلى عصبة الأمم؛ ليعلم الناس في أقطار الأرض كلها أن على الأرض وزارة تريد أن تقيد حرية البحث التاريخي، وأن تخضع العلم الحر لما تقتضيه المنافع السياسية من الأهواء والشهوات.

ثم ليعلم الناس أن مصر بحمد الله ليست نائمة ولا راكدة ولا مقصرة، وإنما هي يقظة نشيطة جادة تستحدث من الأمر ما لم يسبقها إليه أحد من الإنس ولا من الجن، فتعاقب المؤرخين حين يعلنون ما يعتقدون أنه الصواب!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.