لا أريد أن أعرض لهذه الحظوظ التي توزِّعها المصادفة والظروف بين الناس توزيعًا غريبًا؛ فترفع الخامل وتضع النابه، وتُسعد الجاهل وتُشقي العالم، وتسوِّد الغبيَّ الأحمق، وترُدُّ الذكيَّ العاقل إلى مكان المقهور المَسُود.

هذه الحظوظ معروفة، وكلام الناس فيها كد، وإيمان الناس بها شائع، والناس جميعًا يُشفِقون منها ويطمعون فيها، كلٌّ يريد أن يكون مجدودًا يناله الحظ بما يشتهي ويتمنَّى؛ إن أدركه الحظ لم يؤمن به، ولم يُذْعِن له، وإنما زعم أنه أكفأ الناس، وأذكى الناس، وأحقُّ الناس بالسؤدُد والرفعة والرخاء، وإن لم يدركه الحظ ذَمَّ الدنيا، ولَعَنَ الظروف، وأنكر على المجدودين كلَّ كفاية، ورماهم من العيب بما يكون وما لا يكون.

لا أريد أن أتحدَّث عن هذه الحظوظ التي تمسُّ الناس؛ فالحديث عنها لذيذ في نفسه، ولكنه معاد، إنما أريد أن أتحدث عن حظوظ أخرى، ما أرى أنها تخطر لك على بال، وما أرى أنك تهتدي إليها، أو تظفر بها، مهما تفكر وتقدر، ومهما تقلِّب أمور الأحياء والأشياء، طوال الليالي والأيام؛ ذلك أني أريد أن أتحدث عن حظوظ الصناديق! ستدهش لهذه الكلمة، وسينتهي دهشك إلى شيء من الضحك، يقلُّ ويكثُر بمقدار استعدادك واعتدال مِزاجك حين تقرأ هذا المقال. ولكني مصرٌّ مع ذلك على أن أتحدث إليك عن حظوظ الصناديق؛ فهناك صناديق يُدْرِكها الحظ، ويبسم لها الدهر، وتُسعِدها الأيام بالتأييد والعون؛ فلا يدنو الناس منها، ولا ينظر الناس إليها، ولا يتحدث الناس عنها إلا في حذر واحتياط، وفي تحفُّظ وتدبر، وفي حساب دقيق لكل ما يقولون، وهناك صناديق أخرى يتنكَّر لها الحظ، وتُدبِر عنها الأيام، وينظر القضاء إليها في شيء من السخرية والإعراض، فإذا الناس ينظرون إليها نظر الطامع، ويدنون منها دُنُوَّ الراغب، ويمدون إليها أيديهم بالتحطيم والتدمير.

وما أظنك فهمتَ عني إلى الآن ما أريد أن أقول، فأنت تُمْعِنُ في الدهش، وقد تُمعِن في الضحك، وقد يَغِيظُك مني هذا التطويل، في غير انتهاء إلى الغاية، فتُلقِي الصحيفة وتَعْدِل عن قراءة هذا الفصل إلى قراءة شيء آخر أقل منها لفًّا ودَوَرَانًا، وأؤكد لك أني لا أريد أن ألف ولا أن أدور، وإنما أريد أن أتحدث عن صندوقين: أحدهما سعيد مجدود، والآخر شقي منكوب، وكلاهما في القاهرة، وكلاهما يتحدث الناس عنه في هذه الأيام.

فأما أولهما فصندوق الدين العام، وأما ثانيهما فصندوق القبلة القديمة في الأزهر الشريف. أفطنت الآن إلى ما أريد؟ أعلمتَ الآن أن من الصناديق ما يتاح له البقاء، ومنها ما يُقْضَى عليه بالفناء! أما صندوق الدين العام، فقد عرضت له اللجنة المالية في مجلس النواب أثناء دراستها للميزانية، وكتبت فيه وفيما يحتويه من أموال الدين تقريرًا هو آية بين ما تكتبه اللجان في مجلس البرلمان، آية في الإقدام والإحجام معًا، آية في الرجاء واليأس معًا، آية في الهجوم والفرار معًا، ثم آية في الطلب والرفض، وآية في القرب والصد، لا يشبهها أو لا يصورها إلا قول بشار في صاحبته:

صدت بخد وجلت عن خد

ثم انثنت كالنفس المرتد

ولو أنك قرأت هذا التقرير البديع لأعجبك منه ما أعجبني، ولراعك منه ما راعني؛ فاللجنة تريد أن تعرض لظروف النزاع القضائي السياسي القائم حول مسألة الدين العام، ولكنها لا تريد أن تعرض لها من الوجهة القضائية؛ لتظل أمور القضاء في حرز حريز، ولا من الوجهة السياسية؛ ليستطيع المفاوض أن يُمْعِن في المفاوضات وهو هادئ مطمئنٌّ. إنما تريد أن تعرض من الوجهة المالية العامة، فتطلب إلى الحكومة ألا تدفع إلا ورقًا، ولك أن تفهم وألا تفهم، هذا شيء لا خَطَرَ له. ولك أن تقول: إن موضوع النزاع القضائي والسياسي هو بالضبط ما تحدثت فيه اللجنة، من وجوب الدفع ورقًا لا ذهبًا، فهذا صحيح. ولكن اللجنة مع ذلك لم تعرض لهذا النزاع من الوجهة القضائية ولا من الوجهة السياسية، وإنما طلبت إلى الحكومة ألا تدفع إلا ورقًا، سواء أقرها القضاء أم لم يقرها، وسواء أقرتها المفاوضات أم لم تقرها.

واللجنة ضيقة بصندوق الدين العام؛ لأن وجوده لا يلائم السيادة المصرية، ولا يتَّفِق مع الاستقلال، ولا يوافق مقدرتنا المالية وتأديتنا لما علينا من دين، وإذن فاللجنة تريد أن تطلب إلغاءه، ولكنها تحتاط في ذلك أشدَّ الاحتياط، فتطلب إلى الحكومة أن تتهيأ للمفاوضة في ذلك، وتطلب إلى المجلس أن يقرَّ ميزانيته في الوقت نفسه، فهي تُلغِيه بالقول وتُبْقِيه بالفعل، وهي تُغْري به، وتُرَغِّب فيه، وهي تؤلب عليه، وتدعو إلى تأييده بما يحتاج إليه من المال. ألست ترى أن هذا الصندوق مجدود سعيد حسن الحظ؟!

فدعه ينعم بسعادته وحظه الحسن، وانظر إلى هذا الصندوق الآخر، فسيمتلئ قلبك رحمة له، وبرًّا به، وعطفًا عليه. كان قائمًا في هذا المكان المبارك منذ مئات السنين، ترتفع الأبصار إليه وملؤها الإكبار والإجلال، وتفكر العقول فيه وملؤها العجب والحيرة والدهش، ينظر الناس إليه على اختلافهم ويتساءلون ما خطبه؟ ما سره؟ علامَ يشتمل؟ ثم يُجِيبهم هذا القدم وما يحيط به من البركة والجلال والإكبار: إن فيه سرًّا مصونًا، هو سر مجد الأزهر ورفعته، لا تقربوه ولا تمسُّوه، فإنكم إن تفعلوا هدمتم الأزهر هدمًا، وطردتم منه البركة طردًا، ومحوتم كلَّ ما يحيط به من مظاهر العظمة والجلال. ثم يمضي هذا القدم في حديثه فيقول للناس: لا تسألوا عن هذا الصندوق، ولا عن مادته، ويكفي أن تعلموا أن بين أجزائه قطعة من سفينة نوح، لتمتلئ قلوبكم له حبًّا ونفوسكم له إكبارًا.

ثم يمضي القدم في أحاديث أخرى تستطيع أن تقرأها في الكتب، وأن تسأل عنها شيوخ الأزهريين، أولئك الذين لم يفسدهم العلم الحديث، ولم تغيِّرهم الحضارة الحديثة، أولئك الذين لا تمتد أيديهم إلى القديم، إلا لتمسَّه تبركًا به، وإعظامًا له، ولكن انظر ماذا أصاب هذا الصندوق في هذه الأيام.

أراد عالم من علماء الآثار — وويل للقدم من علماء الآثار — أن يفضح سره ويهتِك ستره، ويتبيَّن حقيقته وحقيقة ما فيه، فما هي إلا أن يطلب فيجاب، وما هي إلا أن تمتدَّ يده المدمرة إلى الصندوق المبارك الكريم العتيق، فيزال عن مكانه، ثم يفتح ويستخرج ما فيه؛ فإذا هي صحف من القرآن الكريم قد كتبت بخطٍّ قديم. فأما الصحف فستستقر في مكتبة الأزهر، وأما الصندوق، فالله يعلم أين تستقرُّ مادته، وأما القبلة القديمة فستعطل من حليتها، وأما الأزهر الشريف فستنزع منه بركته، لماذا؟ لأن عالمًا من علماء الآثار أراد أن يبحث ويطَّلِع، ويرضي حاجة العلم إلى البحث والاطلاع؛ ولأن هذا الصندوق الكريم العتيق قد ساء حظه في هذه الأيام، فاستطاعت الأنظار أن ترتفع إليه بالجشع والطمع، واستطاعت الأيدي أن تمتدَّ إليه بالتحطيم والتخريب.

أما صندوق الدين فترعاه المعاهدات، وتصونه حماية الدول الأجنبية، فلا يستطيع أحد أن ينظر إليه، أو يطمع فيه، أو يتحدث عنه، أو يطلب إلغاءه إلا بما يضمن بقاءه، كما فعلت اللجنة المالية حين كتبت تقريرها إلى مجلس النواب.

أراك حزينًا كئيبًا كاسف البال، وقد كنت تضحك في أول المقال. أتراك ترثي مثلي لصندوق الأزهر الشريف، وتحسد مثلي صندوق الدين؟ إن كان هذا شأنك فقد بلغت ما أريد!

ما أجدر صندوق الأزهر بالرثاء! وما أجدر صندوق الدين بالحسد! والأيام دول، لا يداولها الله بين الناس وحدهم، وإنما يداولها بين الصناديق أيضًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.