يُقال في المثل الفرنسي: «الصحو بعد العاصفة.» ويُقال في المثل العربي: «عند الصباح يَحمَد القومُ السُّرَى.» والشيء المحقق هو أن العاصفة لم تهدأ بعد، وأن الصباح لم يُشرق بعدُ وإن كانت تباشيره تلوح من بعيد.

ولست أريد بالعاصفة عاصفة الحرب، ولا بالصباح صباح السلم الذي سيسفر عند إمضاء الهدنة؛ فذلك شيء لا شأن لي به في هذه الأحاديث، وإنما أريد العاصفة السياسية، وأريد الصباح السياسي. ومن الواضح أن العاصفة السياسية التي تسبق الهدوء والصحو ما زالت شديدة الاضطراب والاختلاط، وأن صباح الوفاق لم يستطع بعدُ أن يطرد ظلمة الاختلاف.

وأظن القارئ قد سئم هذه المجازات والاستعارات الرخيصة، وأظنه يتعجل الوصول إلى الكلام الواضح المفهوم. والكلام الواضح المفهوم هو أن أمور السياسة الدولية قد تكون جلية كل الجلاء في نفوس المستر تشرشل، والمستر روزفلت، والماريشال ستالين، والجنرال دي جول، والذين يتصلون بهم اتصالًا قريبًا جدًّا، ولكنها غامضة أشد الغموض بالقياس إلى أمثالنا من عباد الله المساكين الذين لا يَطَّلعون على دقائق الأمور ودخائلها. وآية ذلك أن الأسبوع الماضي تكشَّف عن تلك القرارات التي أصدرها الثلاثة في مؤتمر القرم، والتي لم تبين للناس إلا اتجاهين اثنين؛ أحدهما واضح كله الوضوح، وهو ما يتصل بالسياسة الروسية في شرق أوروبا، والثاني غامض كل الغموض، وهو ما يتصل بسياسة الأجزاء الأخرى بهذا العالم البائس.

أمَّا السياسة الروسية في شرق أوروبا فبسيطة جدًّا، فحدود بولندا يجب أن تتغير، وقد تقرر تغييرها، ورومانيا وبلغاريا يجب أن تعيشا في ظل الصداقة الروسية، وهما تستظلان بهذا الظل الوارف، وتشكوسلوفاكيا يجب أن تسترد استقلالها معتمدة على الجيش الروسي. والحلف الروسي والجيش الروسي يعملان لتحرير تشكوسلوفاكيا. والحلف الروسي قائم منذ زمن بعيد. وأما فيما عدا هذه الأقطار من أوروبا ومن العالم كله، فالأمور غامضة تحتاج إلى كثير من التوضيح، وقد يُقال إن ميثاق الأطلنطي كفيل برد الأمور في بقية العالم إلى نصابها، ولكن ميثاق الأطلنطي قد أصبح مرشدًا لا قاعدة كما أنبأنا المستر تشرشل أمس في مجلس العموم؛ فهو إذن مصباح قد يقوى نوره وقد يضعف حسب ما يكون من اشتداد العواصف وهدوئها. وليس أدل على غموض الأمر واشتداد العاصفة، التي تبشر بالهدوء القريب أو البعيد، من هذين الأمرين اللذين لا يتحدث العالم في هذه الأيام إلا بهما، وهما الصلات بين فرنسا وأمريكا من جهة، والصلات بين الشرق العربي وأوروبا وأمريكا من جهة أخرى.

فأما الصلات بين فرنسا وأمريكا، فقد كان الناس يعلمون منذ زمن بعيد أنها لم تكن يسيرة، ولا سهلة، ولا بريئة من بعض التعقيد؛ لأن مذهب الجنرال دي جول في السياسة الصريحة الحازمة التي تواجه الأمور مواجهة الصرامة والجد، وتسلك إليها الطرق المستقيمة لم يكن يعجب الأمريكيين. وقد غلا بعض الناس فزعموا أن هناك شيئًا من الفتور الشخصي بين الجنرال دي جول والمستر روزفلت، ولكن هذه الأحاديث ليست بذات الخطر، وقد التقى الزعيمان السياسيان غير مرة في الدار البيضاء، وفي واشنطون، ولكن الأمور بين أمريكا وفرنسا الجديدة لم تبلغ قط ما كان يُنتظر أن تبلغه من هذه الاستقامة التي تلائم الصداقة التقليدية التي تصل بين البلدين منذ أواخر القرن الثامن عشر.

وليس المهم أن نبحث عن الأسباب التي غشت هذه الصداقة بغشاء قاتم نرجو أن يزول، وإنما المهم أن يلاحظ أن فرنسا مغضبة لأنها لم تُدع إلى مؤتمر القرم، بعد أن سبقت إليها وعود كثيرة بأنها ستُعامل منذ تحريرها كما كانت تُعامل قبل إعلان الحرب التي ضحَّت فيها بوجودها تقريبًا. وقد أظهرت غضبها هذا بما أعلنه الجنرال دي جول، بأن فرنسا لن ترتبط بأي قرار في الشئون العالمية إلا إذا درسته، وناقشت فيه، وانتهت إليه عن روية حرة، وبصيرة مستقلة؛ فهي ترفض أن تُملى عليها القرارات إملاء، لا فيما يتصل بها فحسب، بل فيما يتصل بالشئون العالمية أيضًا.

ومن أجل ذلك تلقت فرنسا قرارات القرم بكثير جدًّا من التحفظ والاحتياط، ثم كانت هذه الدعوة التي وجهها المستر روزفلت إلى رئيس الحكومة الفرنسية المؤقتة، والتي طلب فيها أن يلتقيا في الجزائر، فاعتذر الجنرال دي جول في لطف فرنسي من قبول هذه الدعوة، وكان عذره أن الأمور العامة في فرنسا لا تمكنه من ترك باريس، وأن فرنسا لا تزال تنتظر أن يزورها رئيس الولايات المتحدة؛ لأنها دعته إلى هذه الزيارة منذ شهر نوفمبر.

وقد وقع هذا الاعتذار من نفس المستر روزفلت موقعًا لا يخلو من بعض الألم، ولا يخلو كذلك من خيبة الأمل؛ فقد كان يريد فيما يقول البلاغ الرسمي أن يدرس مع الجنرال دي جول بعض المسائل الخطيرة التي تعني الدولتين. وكان وقع هذا الاعتذار في الرأي العام الأمريكي شديدًا جدًّا، حتى وُصف التصرف الفرنسي بالجفوة والغلظة والبعد عن الذوق. وكل هذه عواصف ستنتهي إلى الهدوء، وهي سحب مهما تثر في الشتاء فستتقشع كما تتقشع سحب الصيف، ولكنها تدل على شيء واحد؛ وهو أن جو السياسة العالمية بعيد كل البعد عن الصفو والصحو جميعًا.

أمَّا الصلات بين الشرق العربي والغرب الأوروبي الأمريكي، فليست أدنى إلى الوضوح والجلاء من أمر الصلات بين فرنسا وأمريكا. والدليل على ذلك أن الناس يتكلمون فيكثرون الكلام في هذا الأمر دون أن ينتبهوا إلى شيء صريح. ومن الواضح أن اجتماعات عظيمة الخطر قد كانت في الأسبوع الماضي بمصر، وأن اجتماعات أخرى خطيرة لا تزال متصلة في القاهرة، وأن رئيس وزرائنا قد تحدث في مجلس النوَّاب بشيء من الإشارة والرمز، وأنه يستقبل من يستقبل، ويدعو من يدعو، ويجمع الوزراء اجتماعًا يوشك أن يكون متصلًا، وأن الإشاعات قد كثرت واختلطت وتناقضت، وأن الصحف تحدثنا اليوم بأن البرلمان قد يعقد جلسة سرية يوم السبت يسمع فيها بيانًا من رئيس الوزراء، وأن البرق يحدثنا بأن المستر تشرشل قد يلقي بيانًا في مجلس العموم عن شئون الشرق العربي.

وكل هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن أحداثًا خطيرة غامضة تريد أن تحدث، ولكن ما عسى أن تكون هذه الأحداث؟ علم هذا عند الذين يصرفون السياسة في الشرق والغرب، والذين يتصلون بهم من قريب، ومع ذلك فهناك أشياء يحسن أن تُقال، ويحسن أن يتنبه إليها المصريون تنبهًا دقيقًا شديدًا متصلًا، فإن هذه الأحداث التي تريد أن تحدث تتصل بتحقيق الأماني القومية فيما يُقال، والأماني القومية معروفة جدًّا، واضحة كل الوضوح، لا يختلف فيها المصريون مهما يكن بينهم من خصومة؛ فهم جميعًا يريدون أن يكون استقلال مصر خالصًا من كل شائبة، وهم جميعًا يريدون أن تجلو الجيوش البريطانية عن مصر جلاءً فعليًّا تامًّا، وهم جميعًا يريدون إذا ذكروا مصر أن يكون السودان جزءًا من أجزائها المقومة لها، ليس بينها وبينه فرق قليل أو كثير.

هذه أمور يتفق عليها المصريون جميعًا ويفهمونها إذا ذُكرت الأماني القومية، وإذا ذُكرت الأهداف الوطنية، فما عسى أن يكون أثر هذه الأحداث التي تريد أن تحدث في هذه الأهداف، وفي هذه الأماني؟ أو ما عسى أن تكون الجهود التي يُراد أن تُطلب إلى مصر بعد الجهود التي بذلتها مصر؛ لتبلغ هذه الأهداف، وتحقق هذه الأماني. وكيف يمكن أن تظهر مصر إرادتها واضحة جلية لا لبس فيها ولا غموض قبل أن ترتبط بما يقيد مستقبلها، أو قبل أن تخطو خطوات حاسمة في تاريخها؟ كيف يمكن أن تظهر مصر إرادتها في هذا كله وهي خاضعة لظروف الحرب وما تقتضيه من الأحكام العرفية ومن الرقابة على ما يكتب وما يُقال؟

وملاحظة أخرى يحسن أن تُقال أيضًا؛ فقد كان رئيس الوزراء يدعو إلى أن تشارك مصر في الحرب حين كانت الحرب قريبة من مصر، وحين كانت المشاركة فيها تعرِّض مصر لكثير من الهول، وكنت أنا من القليلين الذين كانوا يشاركونه في هذا الرأي والدعوة إليه، ولكن مصر لم ترد حربًا، وآثرت تنفيذ المعاهدة في صدق ونصح وإخلاص، وشكَر حلفاؤها لها هذا الصنيع.

وقد يُقال الآن: إن مصر قد تشارك في الحرب بعد أن بعدت عنها، فهل يُؤذن في أن نقول: إن هذه المشاركة في الحرب بعد أن بعدت أخطارها لا تلائم ما نحب لمصر من الكرامة، والارتفاع عن مسلك إيطاليا مع فرنسا. وقد يُقال: إن مصر إن شاركت في الحرب فإنما تشارك فيها لتقول كلمتها في مؤتمر الصلح. ولكني أحب أن أكون صريحًا، فقد وَعَدَنَا حلفاؤنا البريطانيون بالمساعدة على أن نشترك في مؤتمر الصلح، فليبرُّوا بوعدهم، وما أحب أن أشتري شهود مؤتمر الصلح بإعلان الحرب بعد أن بعدت أخطار الحرب عن مصر. وقد رفضنا إعلان الحرب حين كان اشتراكنا فيها يمكن أن يكون أمرًا ذا خطر، وحين كان العدو في أراضينا، وحين كانت أسلحته الجوية تصب على بعض مدننا بعض الهول وبعض الدمار.

وقد يُقال: إنه لا سبيل إلى الاشتراك في مؤتمر الصلح إلا إذا اشتركنا في أعقاب الحرب، ويخيل إليَّ أننا قد اشتركنا في الحرب بالفعل بما بذلنا من جهد، وبما قدمنا من معونة، وبما احتملنا من أثقال، وقد سجل لنا حلفاؤنا هذا كله، فلماذا يراد حملنا على ما لا نحب، وعلى ما لا نراه ملائمًا لرأينا في أنفسنا؟ أفْهَمُ أن يُطلَب الاشتراك في الحرب إلى الذين لم يبذلوا فيها جهدًا، ولم يحتملوا فيها تضحية، فأما نحن فلا ينبغي أن يطلب إلينا أكثر مما فعلنا.

وبعد، فماذا يراد أن نصنع في مؤتمر الصلح؟ وما المزايا التي سنكسبها من الاشتراك فيه؟ إن أمانينا وأهدافنا واضحة، وهي لا تؤذي أحدًا، ولا تنقص أحدًا حقًّا له، وإنما هي توفِّينا نحن حقوقنا. وليس يعنيني أن توفَّى مصر حقوقها في مؤتمر الصلح، أو في غير مؤتمر الصلح، وإنما الذي يعنيني هو أن تنال مصر هذه الحقوق، وأن تنالها كريمة موفورة؛ لأنها فعلت كل ما تستطيع أن تفعله لتظل كريمة موفورة.

هذا ما يتصل بأمر مصر، ولكن الأحاديث ليست مقصورة على مصر، إنما هي تتصل بالعالم العربي كله، وتتصل بالوحدة العربية أيضًا. وما أحب أن أخوض في هذا الحديث وساسة العالم العربي يفاوضون فيه، ولكن هناك ملاحظة لا ينبغي أن يهملها مصري؛ فقد أخذت الصحف البريطانية تلهج بأن أوروبا وأمريكا يجب أن تفاوضا منذ الآن اتحادًا عربيًّا مجتمعًا لا دولًا عربية متفرقة. وهذا كلام حسن لا غبار عليه حين تكون هذه المفاوضات في المسائل الاقتصادية والسياسية والثقافية العامة. فأما حين تكون المفاوضات متصلة بالاستقلال والسيادة الوطنية الخاصة، فيجب أن يكون مفهومًا ألا مندوحة لأوروبا عن مفاوضة الدول متفرقة، تؤيدها في هذه المفاوضة حليفاتها من بعيد أو من قريب.

ولمصر في هذه السياسة تقاليدها التي لا ينبغي أن تعدل عنها مهما تكن الظروف؛ فقد فاوضت مصر في استقلالها منذ القرن الماضي، وخطت في هذه المفاوضات خطوات ناجحة لا تخلو من روعة، وأيدها في هذه المفاوضات عطف العالم العربي، فهذا التقليد يجب أن يستمر، واستقلال مصر التام يجب أن تكسبه مصر، وأن تكسبه عزيزة كريمة، وألَّا تشتريه بثمن لا يلائم ما ترى في نفسها من ارتفاع المروءة وكرم الأخلاق، وأعود فأقول: إن الشعوب لا تقرر مصيرها في ظل الحكم العرفي والرقابة، وإنما تقرر مصيرها في ظل الحرية الكاملة التي يكملها ويحدها القانون العام.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.