لعل أظهر ما تمتاز به حياة الناس — منذ أعلنت الحرب — أن هذه الحياة قد جاوزت قدرة العقل الإنساني على الفهم والإدراك، وقدرته على الاستقصاء والاستنتاج. فقد كثرت الأحداث وتتابعت، واشتد بينها الاختلاف والائتلاف كما اشتد بينها الاتفاق والافتراق، حتى أصبح العقل العادي عاجزًا عن أن يلم إلَّا بأطراف يسيرة منها. ثم هو لا يكاد يلم بهذه الأطراف ويأخذ في وضعها موضع التأمل والتفكير حتى تحدث حوادث أخرى مختلفة مؤتلفة ومفترقة متفقة؛ فيشغل بها عن الحوادث الأولى. وما يزال كذلك يلم بالأحداث العظام ليشغل عنها بأحداث عظام أخرى، حتى يصبح من أعسر الأشياء عليه أن يكوِّن لنفسه رأيًا شاملًا فيما يحيط به من الظروف، أو يصدر حكمًا عامًّا صحيحًا على ما يكتنفه من الخطوب.

والواقع أن كثرة الحوادث وتنوعها وتتابعها واختلاف حظها من الخطورة، كل ذلك قد اضطر الإنسان إلى أن يحيا حياة خاطفة ويفكر تفكيرًا خاطفًا، ويصبح أمره كله خطفًا بأدق ما لهذه الكلمة من المعاني. ومن أشق الأشياء على أي إنسان في هذه الأيام أن يصوِّر لك أو لنفسه تصويرًا صحيحًا محيطًا ما كان من الحوادث في شهر واحد فضلًا عن أن يصور ما كان من الحوادث منذ شبت هذه الحرب.

وأقل ما ينتهي إليه هذا كله من النتائج هو أن بعض هذه الحوادث يمر دون أن يستطيع الناس أن يفكروا فيه كما ينبغي أن يفكروا فيه، وأن يستخرجوا منه ما يمكن من العبر والعظات. فالحوادث تفقد قيمتها من هذه الناحية، ويصبح وقوعها ومرورها أشبه شيء بهذه الحقائق المألوفة التي يضربها الناس مثلًا لما لا يجدي التفكير فيه أو الحديث عنه. فهم يتحدثون عن انهيار الدفاع الألماني في إيطاليا، والتقاء الجيوش المتحالفة في ألمانيا كما يتحدثون عن الجو والمطر، لا يكادون ينتفعون بهذا الحديث ولا يفيدون منه عبرة أو موعظة؛ لأنهم لا يكادون يأخذون في هذا الحديث حتى تأتي أنباء أخرى تصرفهم عنه صرفًا عنيفًا.

ولست أتخيل ولا أفلسف، وإنما هذه حقيقة واقعة، فقد كنَّا نتحدث أمس عن هذه الأحداث العظام، ولكننا لم نبلغ من الحديث أيسره حتى جاءت الأنباء بأن القيادة الألمانية تعرض التسليم بلا قيد ولا شرط على الإنجليز والأمريكيين دون الروس، وبأن الحلفاء لا يقبلون تسليمًا إلَّا أن يكون هذا التسليم لهم جميعًا لا لبعضهم دون بعض.

وواضح جدًّا أننا شغلنا بهذه الأنباء الأخيرة عن الأنباء التي سبقتها، وشغلنا بها عن أنباء سان فرانسيسكو وما يحدث فيها من الخلاف والوفاق، وشغلنا بها عن أنباء أخرى لعلها كانت خليقة أن تضطرنا إلى كثير من الروية والتفكير.

والواقع أن هذا النبأ الأخير خليق أن يشغلنا عن كل نبأ آخر، فقد انتهت الحرب أو قررت أن تنتهي. ويكفي أن نفكر في هذا لنستحضر من أعماق أنفسنا صورًا مروعة لتلك الأيام المروعة التي عشناها حين كانت الحرب تريد أن تبتدئ سنة ١٩٣٨، وحين قررت أن تبتدئ في الصيف من سنة ١٩٣٩.

في تلك الأيام كان الناس ينظرون إلى المستقبل نظرات ملؤها الخوف والهول، ويستحضرون في أنفسهم كوارث الحرب الماضية، ويتصورون أن الحرب الجديدة ستجر عليهم كوارث أخرى لن تكون أقل منها هولًا، بل ستكون أدعى منها إلى الجزع والهلع. ثم لم تكد الحرب تعلن حتى أخذت تسعى سعيًا بطيئًا متلكئًا، وجعل الناس لا ينتظرون خيرًا من هذا البطء ولا من هذا التلكؤ، وإنما ينتظرون منهما الشر كل الشر والنكر كل النكر. وقد صدقوا فلم يأتِ شهر أبريل من سنة ١٩٤٠ حتى استحالت الحرب البطيئة المتلكئة إلى أهوال خاطفة متتابعة تلم بالنرويج والدنمرك. ثم لا يكاد العام يتقدم شهرًا حتى تلم بهولندا وبلجيكا وفرنسا، وإذا العالم يشهد شيئًا لم يكن يتصوره ولا يحسب له حسابًا؛ لأنه كان أضخم من أن يقدر وأعظم من أن يحسب له حساب، فقد انهارت هذه الدول الثلاث وانهارت فرنسا، تلك التي كان العالم يرى أنها أقوى دول الأرض، وأقدرها على مواجهة الألمانيين والثبات لهم في هذه الحرب، كما واجهتهم وثبتت لهم في الحرب الماضية حتى استطاع حلفاؤها أن يرسلوا إليها النجدات، وأن يعينوها على قهر العدو وإدراك الفوز. ولكنها في هذه المرة لم تستطع أن تثبت، وإنما انهارت في سرعة مدهشة سيكشف التاريخ عن تعليلها وتأويلها، وسيتبين أكان مصدرها الضعف أم كان مصدرها الخيانة أم كان مصدرها الضعف والخيانة معًا.

ثم تتابع الحوادث سودًا حالكة حتى تملأ العالم ظلمة قاتمة، وحتى يوشك الأمل أن يكون شعاعًا ضئيلًا لا يكاد يضيء في نفوس الناس إلَّا قليلًا. فقد أعلن هتلر حربه على روسيا بعد أن اضطرت بريطانيا العظمى إلى موقف مروع. وقد جعلت جنوده تمعن في اكتساح الأرض الروسية حتى بلغت أبواب موسكو وهزَّ الناس رءوسهم ذات يوم حين قال متحدث من راديو موسكو: إن الألمان لن يدخلوا مدينتهم المقدسة.

ثم تشب نار الحرب في الشرق الأقصى، وإذا اليابان تصب الكوارث على الولايات المتحدة الأمريكية وعلى الإمبراطورية البريطانية، وتلغي الإمبراطورية الهولندية إلغاءً، وتهدد الهند تهديدًا خطيرًا. وينظر الشرق فإذا هو مهدد بأن يؤخذ من جانبيه، فقد جعل رومل يدنو من مصر، وجعل الألمان يبلغون القوقاز، وظهر جليًّا أن الخطة المرسومة هي الإطباق على الشرق والاستيلاء على قناة السويس، وخنق الإمبراطورية البريطانية بقطع الطريق بين بريطانيا العظمى وبين الشرق من جهة، وإفساد المواصلات بينها وبين أمريكا بحرب الغواصات من جهة أخرى.

هنالك زلزل الناس زلزالًا شديدًا، وهنالك زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وظن الناس بأنفسهم وباللَّه الظنون، ولم يثبت منهم إلَّا الذين أوتوا من الإيمان حظًّا أعظم من كل هول وأعمق من كل روع وأضخم من كل كارثة وأبقى من كل حادثة. هنالك كان هتلر يتحدث بأنه يغير العالم تغييرًا خطيرًا، ويرسم له حياته الجديدة لألف عام مقبلة. وهنالك كان هتلر حائرًا في اختيار المدينة التي سيملي فيها الصلح أيمليه في لندرة، أيمليه في موسكو، أيمليه في باريس!

وهنالك كان موسوليني يتهيأ لدخول القاهرة ظافرًا منتصرًا، وليعلن فيها أن الإمبراطورية الرومانية القديمة قد بُعِثت بعثًا جديدًا. وهنالك كان الحلفاء يثبتون للخطب كرامًا، ويلقون الكوارث أباة، ويحتالون في الخروج من المآزق، يلطفون لأصدقائهم ويرفقون بأوليائهم، يبذلون الوعد عن سخاء، ويظهرون الود في غير تكلف، ويدعون إلى الحرية التي لا حد لها؛ حرية الأفراد في أمن من الخوف والجوع، وحرية الشعوب في أمن من الجور والعدوان.

ثم مضت الحوادث متتابعة متلاحقة مشتبهة، لا يكاد يشرق فيها الأمل حتى تخفيه ظلمات متكاثفة من اليأس. وقد وفَى للحلفاء من وفَى، وانحرف عنهم من انحرف، وتردد من تردد بين الوفاء والانحراف. وكنَّا نحن من الأوفياء الذين لم يهنوا ولم يضعفوا ولم يرتابوا، وإنما ثبتوا للهول منذ اللحظة الأولى. حتى إذا جد الجِد وعظم الخطب وبلغ الألمان أبواب الإسكندرية، وجعل الناس من الأجانب ينفرون من مصر خفافًا وثقالًا، يريدون أن يضعوا أنفسهم بمأمن من هذه الأهوال المظلمة والخطوب المدلهمة والموت الذي كان مستأنيًا يسعى على عجل — كما يقول الشاعر القديم — لبثنا نحن هادئين ثابتين لا يظهر علينا رَوع ولا جزع ولا انحراف، وإنما هو الجد والثبات كل الثبات والوفاء كل الوفاء والحزم كل الحزم. هنالك عرف النحاس باشا وزملاؤه كيف يظهرون للصديق والعدو أن مصر إذا عاهدت وفَت، وإذا قالت صدقت، وإذا جد الجِد ثبتت للحوادث وانتظرت الخطوب كما ينتظرها العزيز الكريم، لا يرضى الدنية ولا يلتمس الأمن في الغدر ونكث العهد والتنكر للصديق.

ثم مضت الحوادث في طريقها مترددة شيئًا، ثم مقدمة لا تلوي على شيء وإذا العدو ينهزم عن مصر، ثم عن أفريقيا، ثم عن إيطاليا نفسها، وإذا موسوليني يقبض عليه مرة، ثم يفر ليقبض عليه منذ أيام، وإذا الحرب تعبر البحر إلى هتلر فتخرجه من فرنسا ومن بلجيكا كما أخرجه الروسيون من أرضهم ومن بولندا. وإذا ألمانيا تغزى من الشرق والغرب جميعًا. وإذا الروسيون يحررون شرق أوروبا ووسطها كما يحرر الإنجليز والأمريكيون غرب أوروبا وجنوبها. وإذا الروسيون يدخلون برلين على حين لم يستطع الألمانيون أن يدخلوا موسكو. وإذا البرق يحمل إلينا مساء أمس أن ألمانيا تعرض التسليم على بعض الحلفاء دون بعض، وأن الحلفاء يأبون إلَّا أن يعرض التسليم عليهم جميعًا.

وإذن، فقد أرادت الحرب أن تنتهي في أوروبا، ومن الممكن أن تنتهي بعد ساعة وأخرى، وقد أخذت تلك الكواكب التي نشرت في العالم ذلك الضوء المنكر المخيف تتهاوى صراعًا، وأمَّا موسوليني فقد أخذ وأمَّا هتلر فيحتضر فيما يقال، وأمَّا الآخرون فسيؤخذون حتى يتم التسليم، وأمَّا الماريشال بيتان فينتظر المحاكمة في قلعة من قلاع باريس.

وكذلك عاشت الإنسانية أعوامًا منكرة لم تعشِ قط ما يشبهها فيما امتلأت به من الشر والمنكر، وهي توشك أن تخرج من هذه الأعوام، ولكن إلى ماذا؟ أإلى حياة ملؤها الحق والعدل والخير والوفاء للذين وفوا، والانتصاف للذين أنصفوا، والاعتراف بالجميل للذين قدموا الجميل؟ أم إلى حياة كتلك التي ألفتها الإنسانية، قوامها تسلط القوي وظلم القادر وجور المنتصر واضطرار الضعيف إلى الاستسلام الذليل أو إلى المقاومة الثائرة؟ أو إلى انتظار الفرص وتربص الدوائر؟

هذا هو السؤال الذي يلقى في كل ضمير حي، وفي كل قلب شاعر ذكي، وفي كل عقل مفكر متبصر.

ومن المحقق أن الإنسان يحسن الانتفاع بالدروس أحيانًا، ولكن من المحقق أيضًا أن الإنسان طاغية، يسرع إلى البطر حين يستغني، ويسرع إليه البطر لينفذ من المشكلات وينتصر على الخطوب.

ومن المحقق أيضًا أن في نفوس الناس ظمأً شديدًا إلى هذا العدل الذي طمعوا فيه حتى أعياهم الطمع، وطمحوا إليه حتى أجهدهم الطموح، ووُعِدوا به حتى أملتهم الوعود. وهم ينتظرون العدل واثقين بأنهم سيبلغونه، وإن كانت نذر السياسة تتحدث إليهم غير باسمة ولا مشرقة الوجوه. فقد حدثت في الشرق والغرب خطوب تشير إلى أن الإنسانية ما زالت غافلة ذاهلة تترك أمرها للأثرة، وتقيمه على المنافع العاجلة، وتَعِد حين تحتاج إلى المعونة، فإذا استغنت نسيت ما قدمت من الوعود، وجحدت ما قدم إليها من العون، وظنَّت أنها قد انتهت إلى الفوز الذي لا خوف بعده ولا قلق.

نعم، وقعت خطوب في الشرق والغرب تشير إلى أن الإنسانية لم تتغير ولم تنتفع من هذه الدروس القاسية العنيفة، كما أنها لم تنتفع من دروس الحرب الماضية، والنتائج معروفة من غير شك. فكما أن السياسة التي بنيت في أعقاب الحرب الماضية على الأثرة والقسوة وإخلاف الوعود قد أثارت الاضطراب في العالم كله، وانتهت إلى الحرب العالمية الثانية؛ فالسياسة التي ستقوم في أعقاب هذه الحرب ستنتج نفس هذه النتائج إلَّا أن تتخذ لنفسها أساسًا غير الأثرة والقسوة وإخلاف الوعود.

وإني لأنكر ما أسمع وأنكر ما أرى، وأريد أن أكذب الحوادث وأصدق الأمل، وأعتقد أن العالم الحديث أذكى وأبقى من أن يلدغ من جحر مرتين. ومن يدري؟ لعل الآمال تصدق مرة، ولعل الحوادث تكذب مرة، ولعل المنتصرين أن ينتفعوا بالدروس التي لم يدفع بها المنتصرون في أعقاب الحرب الماضية!

كل هذا ممكن، ولكن من الممكن أيضًا أن تجري الأمور بعد هذه الحرب كما جرت بعد الحرب الماضية. فالرجل الحازم هو الذي لا يستسلم إلى اليأس، ولكنه لا ينخدع بالأمل. وإنما يظل فطنًا حذرًا مترتبًا مالكًا لأمره ضابطًا لنفسه، لا يقبل ولا يرفض إلَّا عن روية وبصيرة وعن رضًا ويقين.

وكم كنت أتمنى أن تأتي أخبار سان فرانسيسكو راضية مرضية، مؤذنة بأن آمالنا لا تخدعنا، وأن أمانينا لا تكذبنا، ولكني أرى بولندا ما تزال بعيدًا عن المؤتمر لم تدعَ إليه بعد، وأرى العالم العربي قد عمل في تأليف اللجنة التي توجه أعمال المؤتمر. ومع ذلك فهولندا هي الشهيدة الأولى من شهداء هذه الحرب، ومصر هي أصدق من وفَى للحلفاء حين امتحنوا بأهوال هذه الحرب وحين قل الأصدقاء الأوفياء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.