تَعْرِض للأمم في حياتها ظروف تفرض على المثقفين من أبنائها واجبات حازمة حاسمة محرجة، لا ينبغي لهم أن يقصروا في أدائها أو يتخففوا من أعبائها، أو يتنصلوا من تبعاتها. فإن فعلوا ذلك أو فعلوا بعض ذلك أثموا في ذات أنفسهم وفي ذات أوطانهم، وفي ذات الكرامة الإنسانية من حيث هي كرامة إنسانية.

ويُخيَّل إليَّ أن بعض هذه الظروف التي تفرض هذه الواجبات على المثقفين قد تعرض لمصر وتحيط بها، وتدعو ضمائر المثقفين من أبنائها إلى أن تستيقظ إن كانت نائمة، وإلى أن تنتبه إن كانت غافلة، وإلى أن تقدِّر حقها على أنفسها وحق الوطن عليها وحق الكرامة الإنسانية على كل إنسان كريم.

والواقع أننا نستقبل في هذه الأيام حياة لا نبتغي أن ننعم فيها بالدعة والترف، ولا أن نخلد فيها إلى الراحة والعيش المطمئن، إلَّا بعد أن نؤدي لأنفسنا وأبنائنا واجب النصح والإرشاد والإلحاح في النصح والإرشاد مهما يحملنا ذلك من مشقة، ومهما يكلفنا ذلك من جهد، ومهما يعرضنا ذلك للأخطار والخطوب.

فهذه الفرقة التي أفسدت ما بين الدول العظيمة المنتصرة من صلات، وفرَّقتها فريقين عظيمين، كلاهما يكيد لصاحبه ويمكر به، ويتهيأ لحربه حرب دفاع أو هجوم؛ ليست من الأشياء اليسيرة الهينة التي نستطيع أن نسمع أنباءها أو نقرأها غير حافلين ولا آبهين لها، ولا منصرفين من أجلها عما أَلِفْنا من حياة الدعة والهدوء.

وقد رأينا ما صبَّت الحرب العالمية الأخيرة على أهل الغرب والشرق من خطوب وكوارث وأهوال، منها ما أزهق الأنفس وأراق الدماء، ومنها ما نشر الخراب والدمار وقوَّض الحضارة والعمران، ومنها ما أهدر الكرامة وألغى قيم الحق، والعدل، والحرية، والمساواة، والتعاطف، والتراحم، والتضامن، والتعاون في سبيل الخير.

ولم تكن الدول المتحاربة تملك من الأسلحة ووسائل الهول ما ستملكه حين تُثار الحرب الثالثة، ولم تكن أهوال الحرب العالمية الأولى على نكرها ذات خطر عظيم بالقياس إلى أهوال الحرب العالمية الثانية، ولن تكون أهوال الحرب العالمية الثانية ذات خطر عظيم بالقياس إلى أهوال الحرب العالمية الثالثة التي تتهيأ لها الدول الكبرى وتُدفَع إليها الشعوب البائسة دفعًا.

فأيسر ما يجب على المثقفين وقادة الرأي في مصر وفي البلاد التي تشبه مصر، أن يبصِّروا مواطنيهم ويوجهوهم ويحذروهم، ويحولوا بينهم وبين التعرض لهذه الكوارث والأخطار ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، ولا عليهم إذا أدوا الواجب ونهضوا بالحق، ونصحوا لأوطانهم أن ينجحوا فيما حاولوا أو أن تتقطع بهم أسباب النجح، فلم يخطئ شاعرنا القديم العظيم حين قال:

وركب كأطراف الأسنة عرسوا

على مثلها والليل تسطو غياهبُهْ

لأمر عليهم أن تتم صدوره

وليس عليهم أن تتم عواقبُهْ

والمصريون الذين يقرءون الصحف، ويسمعون الراديو، ويفهمون ما يقرءون وما يسمعون؛ يلاحظون أن بريطانيا العظمى تحاول أن تتهيأ للحرب المقبلة كأحسن ما تستطيع أن تتهيأ لها، وهي من أجل ذلك تنظم صلاتها وصلات الولايات المتحدة الأمريكية مع أوروبا الغربية بعقد المحالفات وتوثيق الصلات، وهي من أجل ذلك تريد بل تحاول أن تنظم صلاتها مع بلاد الشرق الأدنى والشرق الأوسط بعقد المحالفات وتنظيم التعاون.

حاولت ذلك وما زالت تحاوله مع مصر ولكنها لم تفلح إلى الآن، وحاولت ذلك وما زالت تحاوله مع العراق ولكنها لم تفلح إلى الآن أيضًا، وحاولت ذلك مع شرق الأردن وسنرى أتفلح في محاولتها أم تخفق. وقيل إنها تحاول ذلك مع سوريا ولبنان، ومع المملكة العربية السعودية ومع اليمن أيضًا.

والحجة الخطيرة التي تعتد بها بريطانيا العظمى وتتخذها وسيلة إلى الترغيب والترهيب، وإلى الإغراء والتخويف هي الشيوعية؛ فبريطانيا العظمى مشفقة أشد الإشفاق على مصالح الشرق العربي من انتشار الشيوعية فيه وامتداد يدها إليه، وهي تُخوِّف بهذا الخطر العظيم أصحابَ الثراء وأصحابَ الجاه والسلطان، وتخيِّرهم — إن صح استعمال كلمة التخيير — بين محالفتها والانضواء تحت لوائها لتحفظ عليهم ثراءهم وجاههم وسلطانهم، وبين مخالفتها والانفصال عن حلفها لتتعرض للشيوعية التي تهدم النظام الاجتماعي هدمًا وتلغي الثراء والجاه والسلطان إلغاءً.

ثم هي لا تقف عند هذا الحد، ولكنها تمعن في الإشفاق على الشرق والشرقيين، فتعرض على الدول الشرقية لا أن تشاركها في الدفاع عن أوطانها فحسب، بل أن تعينها كذلك على الإصلاح الاقتصادي، ورفع مستوى الحياة كما يُقال.

ولا تنسى بريطانيا العظمى في أثناء ذلك إلَّا شيئًا واحدًا؛ وهو أن اشتراكها في الدفاع العسكري على النحو الذي تعرضه، إنما هو الحماية قد غُيِّر لفظها، واستقر معناها، وأن اشتراكها في الإصلاح الاقتصادي ورفع مستوى الحياة، إنما هو إهدار الاستقلال الداخلي، والتغلغل في أخص ما تحرص الأمم على أن تنفرد به وتستقل بتدبيره من الشئون.

وواضح جدًّا أن الشيوعية نظام ينبغي أن يُتَّقى؛ لأنه لا يلائم أمزجة الأمم العربية ولا الطور الذي وصلت إليه من حياتها الحديثة. ولكن أشد من ذلك وضوحًا أن اتقاء الشيوعية لا ينبغي أن يأتينا من خارج، ولا أن يُفرَض علينا من دولة أجنبية، وإنما ينبغي أن نحاوله نحن بجهودنا الخاصة.

وجهودنا الخاصة ليست هي شرع القوانين والحَجْر على الحرية وأخذ الناس بالظنة، وإنما هي إصلاح النظام الاجتماعي وتمكينه من أن يعتمد على نفسه، ويعتد بوجوده، ويحبب إلى أصحابه الاحتفاظ به والحرص عليه.

فإذا استطاع النظام الاجتماعي أن يكفل للناس حياة قوامها العدل والسعة، مبرأةً من الظلم والبؤس والحرمان، كان أصحابه جديرين أن يحبُّوه ويستمسكوا به، ويكرهوا تغييره ويجنبوا أنفسهم المغامرات.

والشيء الذي ينبغي أن نقره في قلوب المصريين ورءوسهم وضمائرهم — لا ندخر في ذلك وسعًا، ولا نضن في سبيله بجهد — هو أن هناك فرقًا عظيمًا جدًّا بين النظام الشيوعي الذي تخوِّفنا منه بريطانيا العظمى والذي يجب أن نتقيه ونقاومه بالإصلاح الصحيح لنظمنا الاجتماعية، وبين الشخصية السياسية الدولية لروسيا السوفيتية.

فنحن نستطيع أن نكره الشيوعية، ونحتفظ بصلات المودة والتعاون في السياسة والتجارة مع روسيا السوفيتية. والبريطانيون أنفسهم يصنعون ذلك، فهم يقاومون الشيوعية في بلادهم، وهم يمضون الاتفاقات التجارية مع روسيا، والفرنسيون يصنعون ذلك وأمريكا نفسها تود لو تستطيع أن تصنع ذلك.

ففرق إذن بين الدولة الروسية وبين النظام الشيوعي، نستطيع أن نكون أصدقاء للدولة الروسية وخصوصًا للنظام الشيوعي دون أن يكون علينا في ذلك حرج أو جُناح.

والشيء الآخر الذي يجب أن نقره في نفوس المصريين ورءوسهم هو أن محالفة البريطانيين والأمريكيين في هذا الوقت ليس معناها إلَّا الانحياز إلى أحد الفريقين المختصمين، والتورط في كل ما ينتج من هذا الانحياز.

ولسنا في حاجة إلى أن نخاصم الروس ولا أن نحاربهم، ما دمنا نستطيع أن نؤمن أنفسنا من نظامهم الاجتماعي، وليس الروس هم الذين يحتلون القناة وإنما يحتلها البريطانيون، والروس قد شاركوا في أوزار القضية الفلسطينية ولكن البريطانيين هم الذين أنشئوا هذه القضية وخلقوها خلقًا.

فكل شيءٍ يأبى علينا مخاصمة الروس، وكل شيء يفرض علينا مخاصمة البريطانيين؛ حتى نستخلص منهم ومن حلفائهم حقوقنا وحقوق الشعوب العربية الأخرى.

فليفكر المصريون في هذا كله، وليتدبروه، وليذكروا قول الشاعر القديم:

قدِّرْ لِرِجْلِكَ قبل الخَطْوِ موضعَها

فمَنْ علا زلقًا عن غرة زلجا

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.