كانت الحركة الوطنية حتى ذاك الحين سائرة في سبيل الفوز والنصر، ولكن عناصر جديدة بدأت تمتزج بها وتجعل المسألة مسألة انتصار على أوروبا أو انكسار أمامها، وكثر الخطباء في ذلك الحين وأهمهم الخطيب المشهور عبد الله نديم صاحب الطائف، فباتت البلاد من جراء ذلك تغلي كالمِرْجل.

لذلك كتب قنصل فرنسا يتشاءم من النتيجة، وكتب قنصل إنكلترا يقول إن الرقابة أصبحت اسمًا بلا مسمى، وإن هذه المشكلة لا تُحل بعد الآن بالطرق السياسية.

وباتت الدول جميعًا بعد هذا كله تنتظر تطور الحالة؛ لأنه لم يكن من المعقول بقاؤها أو دوامها، لا سيما بعد ظهور الضباط والحزب الوطني بمظهر الشكوى والتذمر من محمود سامي الذي اختاروه لرياسة الوزارة؛ لأنه لا يكتسح سيطرة الأوروبيين دفعة واحدة. وعلقوا الآمال على عرابي، وأخذوا يطلبون جهارًا استعفاء محمود سامي ليحل عرابي محله.

أمام هذه الحالة وقفت إنكلترا وفرنسا موقف الانتظار، وكتبت كل واحدة منهما إلى قنصلها أن يتحاشى التدخل أو التعرض، وأن يتخذ خطة التحفظ والعطف نحو كل حكومة تحترم العهود الدولية وتصون الأمن العام.

وبينما الناس في مصر وأوروبا على هذه الحال، فإذا بحادث فجائي حدث فحوَّل إليه جميع الأنظار، وكان الشغل الشاغل عن السياسة والأزمة الوزارية، وحوَّل الأنظار والمطامع والانهماك إلى اتجاه جديد.

وذلك الحادث هو أنه في ١٠ مارس ١٨٨٢ شاع في جميع المقامات المصرية أن يدًا أثيمة ألقت السم في كأس الميرالاي عبد العال أبي حشيش، وأنه لم ينجُ إلا بفضل يقظة خادمه، فعلا ضجيج الوطنيين وصياحهم، حتى إنهم اتهموا الخديوي والمقربين منه بأنهم يكيدون شر المكايد لرجال النهضة والحركة الوطنية، ولم يبقَ للناس كبارهم وصغارهم من حديث إلا حديث المؤامرات يديرها رجال الرجعية. وقد ظن كثيرون من مؤرخي الحركة العرابية أن هذه الجريمة — جريمة تسميم عبد العال — اختُرعت للضغط على الخديوي توفيق ولإثارة الجيش. ولكن المسألة لم تُخترع، بل كانت حقيقية واقعة وقد ارتكبها شاب كان عبد العال قيِّمًا عليه ويدير تركة أبيه الواسعة، واسم هذا الشاب محمد حسني، وقد حوكم في ١٤ نوفمبر ١٨٨٢ من أجل جريمته، وكان عبد العال يومئذٍ في سجنه العسكري؛ فحُكم على الشاب بالإبعاد إلى النيل الأبيض وعُين عليه وصيٌّ آخر غير عبد العال، فدفع عبد العال لهذا الوصي الجديد مبلغ ثلاثة آلاف جنيه، وهو المبلغ الذي كان متأخرًا للشاب عليه.

غنم الضباط فرصة وقوع هذا الحادث لينتزعوا من يد الخديوي الرتب العالية لهم ولجميع أصدقائهم؛ وذلك أن الأمر العالي الصادر في ٢٢ سبتمبر ١٨٨١ بناءً على تقرير لجنة الجهادية، كان يقضي بأن كل رتبة فوق رتبة اليوزباشي لا تُعطى إلا بعد الامتحان، وهذا التحديد للرتب العسكرية كان مما ناله الضباط بمظاهرة ٩ سبتمبر ١٨٨١ — وهي المظاهرة التي بسطنا الكلام فيها في فصل سابق — لزعمهم أن الحكومة ترقي الضباط الجركس دونهم وإن لم يكونوا جديرين بها، ولكن أكثر الذين اشترطوا الامتحان لإعطاء الرتب لم يتقدموا للامتحان. فلما طلب الضباط بعد حادثة عبد العال إعطاءهم وإعطاء مشائعهم الرتب، أجاب الخديوي وزير الحربية أنه لا يستطيع ذلك لأنه مخالف للقانون، فقال عرابي: إن أناسًا كهؤلاء لهم من الجدارة والاستحقاق ما لهم لا يكون امتحانهم إلا عملًا فضوليًّا. فلم يقنع هذا القول توفيق باشا، ولكنه خشي عاقبة الضجة بتسميم الميرالاي عبد العال، وخشي أزمة عسكرية جديدة، فصدر أمره بالرتب التي طلبوها، ونشرت الجريدة الرسمية هذه الرتب في ١٥ مارس، وهي رتبة اللواء لعرابي وعبد العال وعلي فهمي وشركائهم الثلاثة: طلبة ومحمود فهمي ويعقوب سامي، فصاروا باشاوات، وأُعطي ستة رتبة الميرالاي و١٥ رتبة البكباشي، وهؤلاء جميعًا أركان حرب الضباط الثوار.

ولم يُحرم الضباط الصغار من الترقية، حتى بلغ عدد الذين رُقوا ٥٢٠ ضابطًا، واستنفدت هذه الترقيات جميع المبلغ الذي زِيد في ميزانية ١٨٨٢؛ أي مائة ألف جنيه.

ولما ظهرت هذه الترقيات كتب تلامذة المدرسة الحربية من الجركس — وقد قلنا إن كلمة جركسي كانت تدل على كل أجنبي، كالتُّرك والجركس والأرناؤط — كتابًا يقولون فيه إنهم مستعدون لتأدية الامتحان مع هؤلاء جميعًا حتى الجنرالية منهم، ونشرت الفار دالكسندري كتابهم. وأكد المسيو دي بلينير لمراسل الدايلي نيوز أن بعضهم لا يعرف القراءة ولا الكتابة، وأن القصد مشتراهم لمؤازرة قُواد الثورة، ولم تَكفِهم المناصب العسكرية فرقوا أصحابهم إلى المناصب الإدارية، فعينوا منهم مديري إسنا والفيوم ووكلاء مديريات الغربية والمنوفية والدقهلية وإسنا ومحافظة الإسكندرية.

أما الجنود فلم تَزِد رواتبهم ولا جراياتهم، ولكنهم أحسوا من أنفسهم بالسيادة فكانوا يُعطون ما يريدون وما يرضيهم.

هذه الوقائع كلها زادت النفور بين الضباط الجركس والضباط المصريين، إلى أن كان بينهم بعد ذلك ما كان مما نذكره في حينه.

***

بعد أن أقر مجلس شورى النواب القانون الأساسي، وبعد أن نُشر هذا القانون، فقد هذا المجلس أهميته في نظر الوطنيين؛ لأنه لم تبقَ لهم منه فائدة، فحفظوه لاتقاء ضغط أوروبا على الوزارة، ولإبقاء مظهر النيابة. والدليل على ذلك أن المشاريع التي كانوا يعدون بعرضها على المجلس طواها محمود باشا سامي، وشغلوا الرأي العام بمنع المراقص والحفلات التي يتنكر فيها الناس، بحجة أن بعض المسلمات يتنكرن بالأزياء الغربية فيدخلن تلك الأماكن، حتى إن عرابي ذاته ذهب ببعض الجند إلى منزل أميرة من الأميرات، وأوقف الجند على باب قصرها بحجة أنه عرف أنها تتزيا بزي الدومينو.

والذي حملهم على ذلك أنهم كانوا بحاجة إلى إثارة عواطف الشعب ووقوفه في جانبهم، وهذا لا يكون من وراء مشروعات أخرى غير مشروعات إزالة السيطرة الأوروبية.

ومن المشروعات التي كان مقررًا عرضها على المجلس، مشروع قانون الانتخاب ومشروع الدستور، ولكنهم أجَّلوا ذلك إلى عام يأتي.

وشغلوا المجلس بمسألتين: الأولى قلم التاريع؛ أي المساحة، والثاني مجلس الصحة والكورتينات، ثم بإدارة الجمارك لأن مديرها إنكليزي.

قد كانوا يشكون من مجلس الصحة والكورتينات؛ لأنه يضايق الحجاج بالكشف والتطهير والرقابة، وأما الشكوى من التاريع الذي أنشئ ليقرر الضرائب على قاعدة عادلة، فلأنه يجور على أملاك الأعيان بالتقدير. وانتهى الأمر بتأليف لجنة للتحقيق عن أعمال المساحة برياسة المهندس الفرنساوي لارمه باشا، ثم هاجم المجلس إدارة الجمارك وعلى رأسها المستر كايار الإنجليزي، فألَّفوا لجنة تحقيق أدخل فيها القنصل الإنكليزي مالت أحد مواطنيه ليكون رقيبًا، فنهض التجار جميعًا لتأييد المستر كايار، فلم تكن للتحقيق نتيجة.

ثم قرروا إلغاء قلم الإحصاء؛ لأن هذا القلم كان يديره آميشي بك الطلياني، وأراد المجلس أن يلغي إدارة الدومين المرهون لروتشلد؛ لأنه كان قد ظهر عجز في دخْل هذه المصلحة يبلغ خمسة ملايين فرنك. ولكن الوزراء تداركوا الأمر؛ لأن اللعب مع الماليين أشد خطرًا منه مع السياسيين، ولا سيما إذا كان أولئك الماليون روتشلد وأصحابه.

وكانت الحكومة تدفع إعانة للتياترات قدرها ٢٥٠ ألف فرنك، فحذفوها من الميزانية.

ومما يستحق الذكر لغرابته أن عدد النواب حسب النظام والقانون كان ٧٥ نائبًا، ولكن المكافآت كانت تُدفع لثمانين نائبًا، ولم ترَ الحكومة التحقيق أو البحث في ذلك؛ لأن الظروف لم تكن ملائمة.

وكثرت حوادث السطو والتعدي في الأقاليم، فأصدر رئيس الوزارة وناظر الداخلية الأوامر إلى المديرين بأن يسجنوا وأن ينفوا كل شرير يثبت لهم شره، وأن يفعلوا ذلك دون محاكمة ولا تحقيق.

وهكذا بدأ زمام الأمور يفلت من يد الحكومة، حتى إنها رشحت بعضهم لمناصب المديرين، فأبوا قبولها لأن هيبة الحاكم سقطت وزالت.

والذي زاد في قلق الوزارة أن قبائل البدو أبوا الخضوع لقانون القرعة ولنظام السخرة وقانون الضرائب، بحجة أن لهم نظامًا خاصًّا، وأحب هؤلاء البدو أن يقفوا إلى جانب الخديوي ضد الحكومة، فأبى عليهم ذلك.

وضاعف في ذلك كله تفاقم الحالة في السودان، لا من ثورة المهدي فقط، بل من تحرش الأحباش بالأملاك المصرية، ومن حلول إيطاليا محل شركة روباتينو في خليج عصب وادعائها امتلاك أراضٍ واسعة وراء ذلك الخليج بحجة أنها تابعة له.

وربما يجب أن يقال إن الوزارة كانت قليلة الاهتمام بالسودان وسواحل البحر الأحمر.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.