لكي يقف القارئ على مغزى الفاجعة التي أصابت بلادنا بضرب الإسكندرية والشروع في سلسلة من الاعتداءات على قوميتنا وحريتنا واستقلالنا يجب أن نلخص له الحوادث التي سبقت هذا الضرب.

فقد كانت في مصر ثورة ابتدأت برغبة الضباط المصريين في المساواة مع الضباط الشراكسة والأتراك في الجيش من حيث الترقيات والعلاوات، وليس في العالم أعدل من هذا الطلب، ولكن الخديو بدلًا من أن يجيبه عارضه وأصبح له بذلك حزب من الشراكسة والأتراك.

ثم تنبه الجمهور إلى هذه الحركة فعطف عليها وظهر له زعماء يطلبون إيجاد برلمان.

وأصبح الجيش والأمة على وفاق في هذا الطلب، فاضطر الخديو إلى النزول عليه، وأعلن قانون مجلس النواب وانتخب الأعضاء وسار المجلس في درس المشروعات المعروضة عليه إلى أن اصطدم بالميزانية، وحينئذ رأى المجلس أن من حقه أن يكون هو الذي يقرر إيرادات الدولة ومصروفاتها بعد استثناء القسم الخاص منها بالديون، وهذا الاستثناء كان منه منتهى الاعتدال، ولكن إنجلترا وفرنسا رفضتا مع ذلك أن يكون له حق النظر في شيء من الميزانية.

ورأت الدولة العلية أن الشقاق يزداد فأرادت أن تنتفع به كما أن الخديو نفسه أراد أن يستند إليها، فأوفدت بعثة لدرس الحالة في مصر على رأسها درويش باشا.

وكان درويش تركيًّا فلم يسعه إلا ممالأة الأتراك والشراكسة في مصر، فلما جاء طَلَبَ من عرابي أن يغادر البلاد ويقصد إلى الأستانة حيث يقضي سائر حياته، فرفض عرابي هذا الطلب، وعاد فرفضه مرة ثانية عندما عرضه عليه قنصل فرنسا بضعفي مرتبه وضمان الإقامة له في فرنسا.

ورأى خصوم عرابي ورأى الإنجليز معهم أنه لا يمكن إلغاء مجلس النواب وهدم الحركة الوطنية إلا بحادثة كبيرة، وكانت الإسكندرية تحتوي على عدد كبير من الأجانب لم تكن علاقاتهم بالوطنيين حسنة في أي وقت من الأوقات، وكان محافظ الإسكندرية عمر لطفي يكره الحركة الوطنية ويشايع الشراكسة والأتراك، ثم جاء الأسطول البريطاني فكان وجوده في هذه الظروف محركًا للضغائن مثيرًا للفتن بين الأجانب والوطنيين، وتسلح المالطيون وأغضى عنهم القنصل الإنجليزي كوكسون فكانت جميع الظروف مهيأة لإحداث شغب في الأسبوع الأخير من شهر مايو أو في النصف الأول من شهر يونية.

وحينئذ يروي مستر بلنت أن الخديو أرسل إلى عمر لطفي تلغرافًا سريًّا في ٥ يونيو قال فيه:

لقد تعهد عرابي بحفظ النظام، وأعلن ذلك في الجرائد، وقبل على نفسه المسئولية أمام القناصل، فإذا نجح في هذا التعهد فإن الدول يثقن به وعندئذ يضيع اعتبارنا، ثم إن أساطيل الدول موجودة في مياه الإسكندرية فعقول الناس متهيجة والمشاجرات ليست بعيدة الوقوع بين الأوروبيين وغيرهم، فالآن اختر لنفسك هل أنت تنوي خدمة عرابي فتساعده على تعهده أم تنوي خدمتنا؟

وهنا يقول مستر بلنت:

كان في هذا التلميح ما يجعل عمر لطفي يتخذ إجراءاته، وكان باعتباره محافظًا له حق الأمر على المستحفظين وهم يؤلفون بوليس الإسكندرية الشبيه بالحربي، وبواسطة هؤلاء أمر أن تجمع النبابيت في أتمان الأقسام لكي توزع في الوقت المعين، ثم أعد الإعدادات الأخرى اللازمة لإحداث الاضطراب المقصود.

وقد أنكر الخديو توفيق باشا أنه أرسل هذا التلغراف الذي يعزوه إليه عرابي ومستر بلنت، كما أنكر أنه كان له ضلع في مذبحة الإسكندرية التي حدثت بعد ذلك، ولكن عرابي وأنصاره أكدوا في كل وقت أنه هو المسئول عن المذبحة، وأن عمر لطفي كان له يد فيها، وأن الإنجليز كانوا من ورائهما.

وعلى كل حال لقد حدثت المذبحة في يوم الأحد ١١ يونيو، وكان سببها أن أحد المالطيين ركب عربة وأخذ يدور بها على حانات الخمر في الحي الأوروبي إلى أن وصل إلى قهوة كانت تُسمى «قهوة القزاز». وكان هذا المالطي سكران فأعطى سائق العربة قرشًا واحدًا فاستاء السائق وطلب منه الأجرة التي يستحقها فغضب المالطي وأخذ سكينًا من سكاكين القهوة التي تستعمل لقطع الجبن كانت مربوطة في خيط كبير متصل بخوان القهوة ثم طعن بها السائق، فكانت الطعنة قاتلة لأنها أصابت أحشاءه، ثم جاء رجل لمساعدة الجريح فقتله يوناني. وحينئذ ثارت مشاجرة قتل فيها خباز يوناني كان يعيش في البناء الملاصق للقهوة.

وكان معاون قسم اللبان — وهو القسم الذي حدثت فيه هذه المشاجرة — إيطاليًّا، فلم يفعل شيئًا جديًّا لإيقاف المشاجرة، فانتشرت حتى صارت مشاجرات في كل مكان، وهذه المشاجرات هي التي سميت مذبحة الإسكندرية.

وكان مسيو جون نينه — وهو كاتب سويسري كان ينصر الحركة الوطنية المصرية ويؤيد عرابي والجيش — في الإسكندرية في ذلك اليوم فكتب يصف ما شاهد بعينه فقال:

كنت في الإسكندرية في يوم الأحد وكانت المدينة في سكون تام، وعند الساعة الثانية بعد الظهر أرسلت خادمي السوداني ليحضر لي عربة أتوجه بها إلى مركز قيادة الحامية، وكان القائد شركسيًّا اسمه خورشد باشا ولكنه رجل طيب، وكان من أتباع إسماعيل باشا، ولذلك كان معاديًا للخديو توفيق، وبعد أن تأخر خادمي في هذه المهمة نصف ساعة عاد وطلب إليَّ ألا أذهب إلى حيث اعتزمت؛ لأن هناك مشاجرة عند قهوة القزاز في شارع الأخوات، وهي بقعة يتجمع فيها عادةً في أيام الآحاد جميع أوباش الأوروبيين والحمالون والأعراب، وقال لي أيضًا: إن اثنين من المسلمين قُتلا.

وبعد ذلك توجهت إلى المكان على قدميَّ، ولكني لم أخترق الميدان بل سلكت شارعًا خلفيًّا، فوجدت شارع الأخوات مملوءًا بالمخلوقات من إفرنج ومسلمين ولم أر اقتتالًا بالقرب مني، ولكن على بعد مائتي ياردة شاهدت الجماهير تموج كالبحر ورأيت طلقات نارية تنطلق من النوافذ، ولم تلبث المعركة أن تقدمت إلى ناحيتنا فتراجعنا إلى أن وصلنا إلى مدرسة الرهبان حيث رأيت أمام قهوة من القهوات حوالي اثني عشر روميًّا مدججين بالبنادق، وحينما تركنا الطريق بدأ هؤلاء الأروام في إطلاق النيران على الجماهير بدون حساب، وفي هذه اللحظة رأيت عربة بداخلها جندي من جنود البوليس مجروحًا أو قتيلًا، ويظهر أن هذه كانت إشارة الخطر؛ لأنه حدث بعدها مباشرةً أن حضر مندفعًا إلى مكان الحادث جمهور من المسلمين من كل ناحية وأغلبهم من البرابرة والأعراب من أهل الصعيد حاملين العصي، وعندئذ أصبحت الطلقات النارية عامة في كل مكان، ولذلك عدت إلى منزلي، ولاقيت في طريقي عربة بها المستر كوكسون (قنصل إنجلترا في الإسكندرية) وكان في منزل رجل مالطي قبل ذلك بقليل، وإن هذا المنزل نفسه هو الذي أطلق منه الرصاص على الأهالي.

وحينما كان المستر كوكسون خارجًا من هذا المنزل ضربه الأهالي؛ لأنهم اعتبروه مسئولًا عن إطلاق الرصاص، والمعروف أنه كان قد نصح للمالطيين قبل ذلك بأن يحموا أنفسهم في حالة حدوث هياج.

ثم قابلت بعد ذلك عند الساعة الثالثة عمر لطفي يتمشَّى في ملابس عادية مع نفر من البوليس، وسألته عن السبب الذي منعه من إيقاف الاضطراب فقال: «كنت مع القنصل الإنجليزي الذي ضربه الأهالي.» فقلت: «ولكن لماذا لم تذهب في لباسك الرسمي ومعك خمسون رجلًا من البوليس السواري وتوقف الاضطراب؟» فقال إنه لم يعثر على قنديل رئيس البوليس، فقلت: «ولكن الجند؟ لماذا لا يقومون بالعمل هم أنفسهم؟» فأجاب «إنهم يعقدون اجتماعًا الآن.» فسألته لماذا لم يرسل تلغرافًا لمندوب السلطان (أي درويش باشا)؟ فأجاب في غلظة: «وما شأنك أنت وهذا؟»

إلى أن قال مسيو جون نينه:

ولقد أحدث وصول الأسطول الإنجليزي إلى مياه الإسكندرية شعورًا عدائيًّا شديدًا بين المصريين والجالية الأوروبية، فالأوروبيون رأوا في حضوره مقدمات أولى للحرب فأصبحت معاملاتهم للأهالي على شيء كبير من العنف، وكانوا يقولون: «الآن سترون ماذا نفعل.» وبالنسبة للمصريين أصبح الحادث موضع حديثهم اليومي وأثيرت بينهم احتمالات كثيرة، وانتشرت فكرة جديدة هي أن الجنود ستنزل من الأسطول إلى البر، وأن البلاد ستحتل بالإنجليز، وكثيرًا ما سئلت في هذه الأثناء عما إذا لم تكن هذه نية الأسطول الحقيقية. وازداد هذا الظن رسوخًا عندما عرف أنه كتب عقد بين الأميرال سيمور والمسيو كنراد لتموين الأسطول لمدة ثلاثة أشهر، وأصبح الناس ولا حديث لهم إلا ذلك الهياج … وقد سبب هياج الأفكار هذا فزع الأوروبيين، وخصوصًا الإنجليز والمالطيين منهم الذين كانوا دائمي الاستشارة لقناصلهم في الطريقة التي يتبعونها لحماية أنفسهم في حالة حدوث اضطراب.

وقد أخبرهم مستر كوكسون بأن يستعدوا لحماية أنفسهم في أواخر مايو أو أوائل يونيو، وعرف في الوقت نفسه أنه أرسلت آلات نارية من بلاد اليونان لتسليح الأروام بالإسكندرية، واشترى الإنجليز كل ما عثروا عليه منها في المدينة، وعلمت من موظفي مصلحة الجمارك أن بنادق ومسدسات من ماركة شليدر أرسلت إليهم من الأسطول، وبناءً على ذلك أصبح حدوث معركة من المسائل المؤكدة تقريبًا.

هذه هي الحادثة التي سميت «مذبحة الإسكندرية» وقد حدثت في ١١ يونيو، وفي مثله من شهر يوليو ضرب الأسطول الإنجليزي مدينة الإسكندرية، فكأنما كان مقدرًا على هذه المدينة أن يكون يوم ١١ يومَ شؤم عليها وعلى مصر في الشهرين.

ومن هذه البيانات يتضح أن عمر لطفي من جهة ومستر كوكسون من جهة أخرى كانت لهما يد في تدبير وقوع هذا الحادث ومهَّدا السبيل للسياسة الإنجليزية للوصول إليه لتتخذ إنجلترا منه ذريعة للتدخل والاحتلال.

وكان عرابي لا يعلم بالمذبحة في أول الأمر، فلما علم بها شعر بأن خصومه سيلقون مسئوليتها عليه ليقولوا إنه عجز عما تعهد به من حفظ النظام، فأمر الجيش بأن ينزل إلى المدينة على عجل وأن يسكن الاضطراب، فعمل الجيش بأمره ولم يكد يظهر في شوارع المدينة حتى هدأت الثائرة وعاد كل شيء إلى السكون.

***

ومنذ ذلك الحين أخذ الأميرال سيمور قائد الأسطول الإنجليزي يتأهَّب للتدخل العسكري، فانقضت المدة ما بين ١١ يونيو و١١ يوليو في التأهب فانتقل الخديو توفيق باشا من القاهرة إلى الإسكندرية، وانتقل الأوروبيون من أهل الإسكندرية إلى سفن الأسطول الإنجليزي وغيرها من السفن الراسية في الميناء، ورأى المصريون هذا الانتقال فلم يخطئوا في فهمه بل أيقنوا أن القنابل ستضرب المدينة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.