في سنة ١٦٧١ أصدرت مطبعة جامعة أكسفورد رسالة باللاتينية مترجمة عن اللغة العربية سماها المترجم ﺑ «الفيلسوف المعلم نفسه»، واسمها العربي «حي بن يقظان» للفيلسوف الطبيب الأديب المغربي أبي بكر بن الطفيل، فما هو إلا أن ظهرت في لندن حتى أخذت عالم القراءة في أوروبة أَخْذَ العاصفة، كما قال ناقلها من العربية إلى الإنجليزية في أوائل القرن العشرين، واطَّلع عليها الفلاسفة كما اطلع عليها الأدباء، فتجاوبت بأصدائها المحافل الفكرية، وعدد بعضهم من آثارها أنها مهدت لنشوء القصة الأوروبية الحديثة، وأن دانيال دفوي — مؤلف قصة روبنسون كروزو الذي كان يافعًا عند ظهور الترجمة اللاتينية — قد سلك على نهجها في تصويره للجزيرة المنعزلة والإنسان المعتمد على نفسه في تدبير مسكنه وملبسه ومعاشه وتعليمه.

قال برونلي، مترجم قصة حي بن يقظان من العربية إلى الإنجليزية وناشرها في سلسلة حكماء الشرق: «إن ابن الطفيل — وإن لم يحسب من الرعيل الأول بين فلاسفة العرب الذين أصبحت إسبانيا بفضلهم قبلة الأنظار — لخليق بخلود الذكر مدى الأجيال؛ لأن القصة التي وهبها للعالم آية باقية الحسن دائمة النضرة، لن يفصل بهاؤها على طول الزمن …»

ونحن نعتقد أن قصة «حي بن يقظان» جديرة بالثناء من جانب الطرافة التي واجهت بها الأمم الغربية في حينها، ولكنها أجدر بالدراسة كدلالتها لا لمحض الطرافة والعجب من موضوعها، فإنَّ أدل شيء في هذه القصة أنها لم تكن واحدة في منبتها ولا في عصرها، وأنها كانت زيًّا شائعًا بين القرنين الخامس والسادس للهجرة، أوشك أن يعم العالم الإسلامي كله، وكان أن بخص الغرب في حقبة من الزمن، وهي الحقبة من أوائل القرن السادس وما يليها.

في هذه الحقبة لم يكد يكتب فيلسوف إسلامي إلا كان من موضوعاته المفضلة موضوع الاتصال بالخلق وأصل الخليقة.

فابن رشد يلتمس السعادة من طريق المعرفة، ويعتقد أن المعرفة كفيلة بأن تسلك صاحبها في سبيل الاتصال بالعقل الأول إذا اقترن العلم فيها بالعمل الصالح، وأن هذا هو سبيل الخلود؛ من سَلَكَه وصل ومن لم يسلكه صار إلى العدم أو حَقَّ عليه العذاب.

وابن الصائغ — أو ابن باجة — قد سبق ابن رشد إلى التأليف في تدبير حياة المعتزل، وهو الموضوع الذي طرقه ابن الطفيل بعد ذلك، وقد شرح الفيلسوف الكبير في كتابه طريقة اتصال الإنسان بالعقل الإلهي إذا انفرد بنفسه ولم تبلغه دعوة الرسل ولم يتعلم علوم الأوائل؛ فإنه قادر إذن على أن يكسب خير مزايا الاجتماع وأن ينجو من رذائله، وقد يتيسَّر ذلك للطائفة المجتمعة التي تتعاون فيما بينها على المعرفة والفضيلة، فقد يتهيأ لها أن تصل إلى «حالة اجتماعية» لا حاجة بأصحابها إلى القاضي ولا إلى الطبيب؛ لأنها تتجنب الخصومة فلا تحتاج إلى القاضي، وتتجنب الوخامة في المسكن والمأكل فلا تحتاج إلى الطبيب.

وقد أحسن الفيلسوف الكبير تقسيم الملكات الإنسانية والحيوانية، فبيَّن النسبة بين الإنسان والحيوان، ثم بيَّن النسبة بين الحيوان والنبات، ثم بيَّن النسبة بين النبات والجماد، وميَّز أعمال الإنسان الحقيقية بوصف الإنسانية بأنها تصدر عن الإرادة ولا ترجع إلى الغريزة الطبيعية وحدها، ثم قال إن الإنسان يرتقي إلى عالم الأرواح أو العقول المجردة إذا قصر أعماله على ما يقصده ويتخيره بعقله، وتنزَّه عن دفعة الهوى ووحي الغريزة البهيمية، وضرب مثلًا إنسانًا يصدمه حجر فيكسره انتقامًا أو يكسره ليمنع ضرره بغيره؛ فإنه في الحالة الأولى يندفع اندفاع الحيوان بغير قصد وبغير تأمُّل فيما يفعل، ولكنه في الحالة الثانية يعمل عمل العاقل الرشيد المحب للغير والكاره للأذى أن يصيب غيره كما أصابه.

وقد اطَّلَع ابن رشد على الكتاب وأشار إليه، ولكنه لم يفصله ولم يُفِضْ في الاقتباس منه، وإنما فعل ذلك موسى التربوني في تعليقه باللغة العبرانية على رسالة حي بن يقظان، وبقي تعليقه من مخلفات القرن الرابع عشر المحفوظة في المكتبات الأوروبية.

وقد لحق محيي الدين بن عربي بهذه الزمرة، فوصف رؤياه في السماوات العلا حيث «يتكشف اللباب بتجريد الأثواب لأولي الأبصار والألباب، وتعرج الأرواح إلى مقام ما لا يقال ولا يمكن ظهوره بالعلم ولا بالحال».

وكان ابن سبعين على نهج قريب من هذا النهج حين وصف الصعود مع الوجود من المعدن إلى ما فوقه إلى الفلك الأعلى إلى عالم الأرواح والعقول.

هذه النزعة بدأت من المشرق على صورتيها الفكرية والخيالية، وسرت إلى المغرب على هاتين الصورتين في مدى جيل واحد.

بدأت بالطوبى التي وصفها الفارابي في خلاصة المدينة الفاضلة، وثنَّاها المعري في رسالة الغفران بتلك الرحلة السماوية التي افتتح بها هذا الباب في آداب القرون الوسطى.

ولعلها ظاهرة واحدة تكررت أسبابها في العالم الإسلامي والعالم الأوروبي على التوالي حسب مناسباتها ودواعيها.

لعلها ظاهرة القلق والضيق بالدنيا وما فيها غَلَبَتْ على المفكرين الإسلاميين يوم كانوا منفردين باليقظة الفكرية، منفردين كذلك بالمحنة السياسية والاجتماعية: وهي محنة واحدة خبرها أبو العلاء في أيام الغارة الصليبية، وخبرها الأندلسيون في العراك بينهم وبين الدول الغربية الناشئة.

ثم ظهر البحث عن الفردوس المفقود وعن العوالم الأخرى وعن الطوبيات الاجتماعية بين الأوروبيين يوم تكررت بينهم أسباب كتلك الأسباب ونزعات كتلك النزعات.

فاقتبس دانتي من المعري وابن العربي، وظهر حي بن يقظان في إنجلترا يوم كان ملتون يطلع على قصيدة دانتي وعلى مقدمات الطوبى العربية في مخلفات القرون الوسطى …

إنها ظاهرة القلق والضيق بالحياة الأرضية كما اختبرها فلاسفة المسلمين في القرنين الحادي عشر والثاني عشر للميلاد، ولم يمضِ على هذه الظاهرة قرن أو قرنان حتى سرت أسبابها إلى أوروبة فشغلت عقولها وقرائحها بالفراديس المفقودة والعوالم الأخرى، والطوبيات المتمناة. ولولا النزعة المادية في العصر الحديث لكان للضيق بالحياة الأرضية أثر كذلك الأثر في زماننا هذا، ولكنه يتحوَّل إلى مسالك أخرى ترتاد «الطوبيات» على الكرة الأرضية ولا ترتفع عنها ولن تصل إلى شيء ما لم يكن لها رائد من الضمير ومن الرجاء فيما وراء «الأرضيات».

من قرائن القلق الشك، ومن قرائن الشك سوء الظن بالدنيا وبالناس، واستغلال سوء الظن في الاتهام بالحق والباطل والافتراء على الصالحين وغير الصالحين.

وقد تقدمت خلاصة الفلسفة الروحانية التي بسطها ابن الصائغ أو ابن باجة في كتابه عن الإنسان المعتزل، حيث تتطلع إلى الحياة المثالية في معزل عن المطامع والشهوات.

هذه ظاهرة القلق والنجاة بالنفس والعقل من الحياة الأرضية كما اختبرها الفيلسوف الكبير.

فأما سوء الظن والافتراء بالباطل، فذاك حيث يذكره الفتح بن خاقان في القلائد، فيقول عنه — أي عن ابن باجة — إنه «هو رمد عين الدين، وكمد نفوس المهتدين، اشتهر سخفًا وجنونًا، وهجر مفروضًا ومسنونًا، فما يتشرع، وما يأخذ في غير الأضاليل وما يشرع … نظر في تلك التعاليم وفكَّر في أجرام الأفلاك وحدود الأقاليم، ورفض كتاب الله الحكيم العليم، واقتصر على الهيئة، وأنكر أن تكون له إلى الله فيئة … فهو يعتقد أن الزمان دوران الإنسان نبات أو نور، حمامة تمامة واختطافة قطافة، قد مُحِيَ الإيمان من قلبه فما فيه رسم، ونَسِيَ الرحمنَ لسانُه فما يمر له عليه اسم …»

هكذا قال الفتح بن خاقان.

وعقب عليه صاحب نفح الطيب، فقال: وأين هذا من قول الفتح بن خاقان في الفيلسوف الكبير قبل ذلك: «نور فهم ساطع، وبرهان علم لكل حجة قاطع، تتوجت بعصره الأعصار، وتأرَّجت من طيب ذكره الأمصار … إذا قدح زند فهمه أورى بشرر للجهل محرق، وإن طما بحر خاطره فهو لكل شيء مغرق، مع نزاهة النفس وصونها، وبعد الفساد من كونها، والتحقيق الذي هو للإيمان شقيق، والجد الذي يخلق العمر وهو مستجد، وله أدب يود عطارد أن يلتحفه، ومذهب يتمنى المشتري أن يعرفه، ونظم تعشقه اللبات والنحور، وتدعيه مع نفاسة جوهرها البحور.»

وهكذا يقترن الإفك في عصور القلق بالشك وسوء الظن وسهولة الافتراء والهجوم على الذم بعد الإفراط في الثناء.

وابن باجة هو الذي قال فيه ابن خلدون: «ومن الوشاحين المطبوعين الحكيم أبو بكر بن باجة صاحب التلاحين المعروفة، ومن الحكايات المشهورة أنه حضر مجلس صاحب سرقسطة، فألقى عليه بعض موشحته وختمها بقوله:

عقد الله راية النصر

لأمير العلا أبي بكر

فلما طرق ذلك التلحين سَمْعَ الممدوح صاح: وا طرباه، وشق ثيابه وقال: ما أحسن ما بدأت وما ختمت، وحلف الأيمان المغلظة ألا يمشي ابن باجة إلى داره إلا على الذهب، فخاف الحكيم سوء العاقبة، واحتال بأن جعل ذهبًا في نعله ومشى عليه …»

وليس إبداعه في الاحتيال بأقل من إبداعه في النظم والخيال، ولكن هذا الإبداع هو الذي جمع عليه سوء القائلة وسوء النية، فمات مسمومًا وهو يشفي سقام المرضى والمصابين.

كان من حظ ابن طفيل أنه بعث من جديد في ذكرى ابن سينا، فقام العلامة أحمد أمين على طبع رسالته لابن سينا ورسالة للسهروردي باسم حي بن يقظان. وقد كان من هَمِّ ابن الطفيل أن يرتفع بفتاه أو ببطله إلى الحالة التي وصفها ابن باجة حيث قال: «إنها خليقة أن يقال لها أحوال إلهية، يهبها الله سبحانه وتعالى لمن يشاء من عباده.»

وسيرى المطلعون على هذه الوسائل عجبًا حين يعرفون كيف كان أهل العلم قبل بضعة قرون يستصغرون شأن الحياة، فيحسبونها قابلة للتولد من الطين، ثم الصعود في جيل واحد إلى عليين!

لكنهم سيرون العجب الأعجب حين يعلمون أن أولئك الأقدمين قد وثبوا إلى الغاية التي لم يجاوزها القائلون بعراقة الحياة في نشأتها على الأرض أو المقدرون لعمرها بالألوف من ملايين السنين، فغاية ما وصل إليه المحدثون أنهم لا يستبعدون أن يكون جوهر الحياة شائعًا في الكون يتلبَّس بالجهاز الجسدي الذي يصلح لحلوله فيه، وهكذا قال «الحيون اليقظانون»؛ إذ يعتقدون مع ابن الطفيل أن بالعقل يتبين:

إن هذا الروح دائم الفيضان من عند الله عز وجل، وإنه بمنزلة نور الشمس الذي هو دائم الفيضان على العالم.

وإذا كان المرجع إلى هذه العقيدة، فألف مليون سنة وسنة واحدة كيوم واحد مما يعدون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Jalal Lateef ·١٤ أبريل ٢٠١٦، ٢٢:٧ م

    شكرا